الأديب أشرف بدير يكتب لنستعد للحساب

في صباح يومٍ جديدٍ، أفيقُ من سُباتي العميق، أشعُرُ اليومَ براحةٍ كبيرةٍ بَدِنيًّا و نَفْسيًّا، عما كنتُ عليه بالأمس من تَعبٍ و رَهقٍ شديدين، تَرَجَّلتُ قليلًا من مكاني الضَّيقِ، الذي كنت أنام فيه، و اقتربتُ من تلك الحديقة الغَنَّاء الزَّاهِرة، كي أستنشق فيها هواءَ الصباح النَّقي، تنفستُ شَهيقًا عَميقًا، ثم نظرتُ إلى السماء، كانت صافيةً كما لم أعهدها من قبل، كنتُ أستمعُ إلى الطَّيرِ على الأغصانِ من حولي، بأشكالِها وألوانِها العَديدة، كانت تُغَرِّد و تَصدَح بنغمٍ جميل، وكأنها تعزفُ لي لَحْنًا مُتناغمًا جميلًا، وتتراقصُ معها على تلك الأنغام أغصانُ الشَّجر، و أعوادُ الزَّهَر من حولي، جلستُ على تلكَ الأريكة الوثيرة، كي أستمتع بلحنِ الطبيعة الجَاذِب الأخَّاذ، و بما حولي من نَعَمٍ و وسائل للمتعة، لم أرها قط، لكنِّي لاحظتُ أمرًا غريبًا لم أعهدهُ من قبل، فلم أجد الشمسَ مُشرقة كعادتها في السماء، برغم النُّور السَّاطع المُترامي في كل مكان،

و برغم صفاء السماء النَّاصع جدًا في هذا الصباح، لم أعبأ كثيرًا بالأمر، أمسكتُ بقلمي كي أكتب، كعادتي عندما كنت أرى أو أجِدُ ما لا أفهمه في الحياة، لم أمكث طويلًا حتى أفهم ما يحدث من حولي، فقد بصرتُ برَجُلين عملاقين يُقبلان عليّ، و قد أتيا ليُعِيدانِي إلى حيث كنت، مُنبِّهين عليّ أنه لم يعد أمامي وقتٌ للكتابة، و أنَّ وقتَ الحساب عن كلِ ما كتبت قد دَنَا بدنوِّ موعد الاختبار النهائي، و أنَّ عليَّ أن أجتازَهُ بنجاح، حتى أظل ماكثًا في تلك الحديقة الغَنَّاء الزَّاهِرة، وإلا فسيُقصيانَني إلى مكان آخر لا أعلمه. آنئِذٍ تمنيتُ لو لم أكن كاتبًا، و لم أكتب حرفًا في يومٍ من الأيام.





