أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

ديوان “نداء الطين” للشاعر عبدالرحيم جداية: الدلالات والسياقات والمرجعيات

بقلم الدكتور وليد علي زعيتر / أستاذ مساعد لتدريس الأدب الانجليزي في جامعة طيبة

 

ديوان “نداء الطين” للشاعر عبدالرحيم جداية: الدلالات والسياقات والمرجعيات والقاموس الشعري وتعالقها مع عتبة الديوان واللوحة الفنية على صفحة الغلاف
تمهيد:
بقلم الدكتور وليد علي زعيتر / أستاذ مساعد لتدريس الأدب الانجليزي في جامعة طيبة
الخميس الموافق 23 نيسان 2026 في نادي الجياد احتفاء بالشاعر جداية باشهار هذا الدديوان
لابد لأي قارىء أو ناقد في بداية قرائته لأي كتاب قصة كانت أو قصيدة أن يسترعي نظره عنوان هذا المؤلف والعناصر التي تتواجد على الغلاف وعتبات النصوص وعلاقتها بالنصوص في فضاءالعمل ككل اولا ثم علاقة النصوص ببعضها البعض كخط فكري يعكس تطور منشيء النص: التاثر والتاثير في تراكيب نصوصه وصوته الشعري او هويته الشعرية وفلسفته ومواضيعه التي يتطرق اليها وتعالقه بالواقع وكيف يحولها إلى لوحات شعرية تجذب القاريء والناقد على حد سواء. ولا بد هنا من طرح بعض الاسئلة المهمة التي ينطلق منها الناقد حتى يلج الى فضاء النص أو النصوص. ما هي المواضيع المطروحة في النصوص أو القصة أو الرواية أو القصيدة أو الديوان؟ وما هي السياقات والدلالات التي عولجت ؟ هل النص بريء، أي خال من المرجعيات : استحضار التاريخ والجغرافيا والامكنة والقصائد والشعراء والادباء الظاهرون والمضمرون ؟ بهذا الصدد يقول الاستاذ الدكتور عبدالرحيم مراشدة في كتابه المرجع الهام للشعراء والنقاد “تمثيلات الشعرية في النصوص الابداعية”: لا يوجد نص بريء، النص الأدبي له مرجعيات تختلف باختلاف ثقافة منشيء النص وظروفه.(ص 215)1. أما السؤال الآخر والمهم ، هل النصوص مباشرة أم تتكا على صور شعرية فنية تحتاج إلى تفكيك وثقافة عالية للوصول الى فكر وفلسفة منشيء النص؟ وما هي الثيمات الرئيسة التي يحاول منشيء النص إيصالها للقارىء؟ وهل هناك قاموس شعري خاص بمنشىء النص يتعلق به وحده ومن خلاله يشي بوهيته الشعرية . والسؤال الاهم هل شاعرنا من خلال هذه الدراسة مقلدأ ؟( قصائده كلاسيكية تتبع الشعر العمودي) أم حداثيا؟ ( يتبع قصيدة التفعيلة ) في نصوصه الشعرية أم يزاوج بين النهجين: التقليدي والحداثي؟ وهل هو شاعر مبدع؟ اذا كان كذلك فهل يلتزم بضوابط النص الابداعي : الميتا نص من حيث الوعي الذاتي : النص يناقش صعوبة كتابتة أو يحلل أحداثه أثناء السرد ,
الميتانص Metatextuality) ) أو ما يعرف ب “ما وراءالنص”. في الشعر هو أحد أنماط التناص التي تشير إلى علاقة قد يكون تعليق أو نقد يربط (نصا أدبياً) (القصيدة الحالية) بنص آخر (سواء كان شعرا، نثراً، أو نصاً تراثياً دينياً) يتحدث عنه، يحلله، أو يلمح اليه دون أن يذكره صراحة في كثير من الاحيان
هو خطاب نقدي يدمجه الشاعر داخل نصه الشعري ليعلق على نص آخر. يعتبر نوعاً من أنواع “ما وراء الخطاب” حيث يصبح النص الشعري واعياً بنفسه أو بغيره من النصوص، ويتخذها موضوعاً للتعليق. في السياق الأدبي الأوسع، هو دراسة علاقة النص بنصوص أخرى تسبقه، وتفسير كيفية امتصاصه لها وتحويلها. الميتانص في الشعر. (خصائصه) التعليق والتحليل: لا يكتفي الشاعر باقتباس النص، بل يعلق عليه، يفسره، أو يقيمه. هو نقد محاكاة النص الآخر: قد يهدف الشاعر من خلال الميتانص إلى نقد، نقض، أو تحوير معاني نصوص قديمة. الحضور الضمني: غالباً ما يكون النص الأصلي مستحضراً بطريقة مبهمة أو ملموحة، حيث يركز الشاعر على “تفسير” أو “محاكاة” النص الآخر. الفرق بين الميتانص والتناص العام: التناص (Intertextuality): هو تداخل نصوص (اقتباس، تضمين، إشارة. أما لميتانص (Metatextuality): هو “تعليق نصي” مباشر أو غير مباشر على نص آخر. باختصار، الميتانص في الشعر هو أن يجعل الشاعر من “نص سابق” موضوعاً للقصيدة الحالية، ليعيد قراءته من خلال نصه . (موضوع كم)(2) . اما عزالدين مناصرة في كتابه المرجع “علم التناص والتلاص: نحو منهج عنكبوتي تفاعلي” يعرف التناص بأنه تداخل نصي ينتج نصاً جديدا، لا يولد من فراغ .. لأن النص يمتص بأشكال متعددة فسيفساء من نصوص سابقة له ، تترسب بطرق متنوعة في وعي النص الجديد.” (ص 11) (3). ولهذا فإن إقحام النصوص بأشارات أو جمل أو تعبيرات أو استعارات من خارج النص تعتبر من الاساليب الحداثية لتجاوز النص ولا يكتفي بحكاية قصة ، بل يتجاوز ذلك بطرح تساؤلات حول طبيعته ووجوده ؟؟ لهذا يعد الميتانص تقنية حداثية وما بعد الحداثية تهدف لتجديد السرد والهروب من الانماط التقليدية. ومن الاسئلة المهمة ايضا : كيف استخدم الشاعرجداية اللغة كاداة للتعبير عن موضوعاته وصوره الشعرية في نصوصه ؟ لان اللغة من المفاتيح الهامة للدخول في عالم النص وتفكيكه أياً كان هذا النص, قصيدة او قصة او رواية او مقالة .. الخ. وهذه الاسئلة هي المنهج الذي على الناقد ان يتبعه حتى يكون نقده ليس انطباعيا شخصيا بل موضوعيا ومنهجياً. وبناء عليه يؤكد الدكتور ابراهيم خليل في كتابه “روايات عربية تحت المجهر” أن على الباحث التنبية على أوجه القصور، ومواضع الخلل ، في تأمل موضوعي بعيدا عن الاجحاف، غير قريب من الاسفاف.” (ص 7) (4 ). وهذا يؤكده المناصرة ” وظيفة الناقد تنوير النص للقارىء، وليس المديح ، ولا الهجاء .. ناقد اليوم يستعرض ثقافته الاجنبية فيصبح النص البسيط معقدا ” (ص 15) لهذا يحتاج ديوان ” نداء الطين” الى دراسة معمقة حتى نجيب على هذه الاسئلة التي طرحناها آنفاً وكشف المباشر
والمضمر من صور فنية وشاعرية وأيديولوجيا منشىء الديوان . ولفهم دلالات صفحة الغلاف لا بد من استنطاق عناصر الصفحة الاولى من غلاف الديوان: يعتلي اسم الاستاذ عبدالرحيم جداية صفحة الديوان وهذا تقليد متبع بين المؤلفين، ويأتي تحته مباشرة عنوان الديوان “نداء الطين” بالخط البني الكبير الذي يشي بلون التراب ثم ياتي تحت العنوان مباشرة صورة للوحة تشكيلبة بريشة فنان. وهي عبارة عن كفين يخرج منهما اصابع اليدين من طين الارض. وهذه الاصابع تهمان الخروج إلى الحياة. وكأن الشاعر يقول لنا فكروا بهذه اللوحة وتعالقها مع عتبات هذا الديوان وموضوعاته! وابحثوا عن القصائد التي تمثله! هذه اللوحة تعتبر عتبة ابداعية في تقديم هذا الديوان للقارىء العادي والمثقف والشاعر والفنان على حد سواء. وهنا يتسائل الناقد هل ستكون النصوص التي سيقراها كلاسيكية الشكل والمحتوى أم حداثية الشكل والمحتوى؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال علينا أن نفكك العتبة الأخرى التي تساعدنا في فهم هذا الديوان الأ وهي “الإهداء”. وفيه يوجه الشاعر جداية خطابه: إلى شرفاء آمنوا بقضايا الوطن والإنسانية، لبسوا ثوب العفاف بضمير لا يجف كلما ارتقوا في عليائه. إلى اخوة أحبهم في الشعر ويحبونني فيه، عايشوا رحلة الحرف والكلمة، وما زالوا على طريق الشوق يمتطون أشعة الشعر كلما لاح لهم في الافق بارق.” ويذكر منهم الشاعر والناقد الدكتور حسام عزمي العفوري، والشاعر الناقد نضال القاسم, والشاعر الدكتور خالد الفهد مياس من جامعة جدارا, والناقد الدكتور أحمد حسن من الجامعة الهاشمية الذي كتب العتبة الاخيرة الموجودة على صفحة الغلاف الاخيرة من الديوان والذي يرى بان عنوان الديوان له صلة وثيقة بمبدعه : باحاسسيه وبأطباعه ، وبما يعرف عنه من ارتباطه بالارض.” واخيرا يمتد الثناء إلى الشاعر الدكتور ابراهيم الطيار. (5)
وبعد هذه العتبات الثلاث التي قدمت النص بطريقة ابداعية: بلوحة فنية وإهداء الى الذين ساروا مع الشاعر في مشوار رسم الحرف الجميل والكلمة بلغة شعرية عالية، والتعليق على صفحة الغلاف الاخير من الديوان، نلج إلى فضاء النصوص الذي يتشكل منها الديوان فتطالعنا القصيدة الأولى في الديوان بعنوان “مباركة أم عبداللة” وهي والدة زوجة الشاعر، التي ربت أبنائه فكانت مثال الأم الرؤوم. كما ذكرها في الحاشية ويصفها : كأنها النهر يجري في أعّنته عذب المذاق إذا ما شئت تأويلا.(6)
عذوبة النهر واضحة لا تحتاج إلى تفسير. أما البيت الذي يليه وي أنها البحر والربان في ولهٍ نادى النوارس قبل الشطِ مذهولا : يصف الشاعر حالة من الذهول والتعلق الشديد (وله) تجاه محبوبته، حيث يراها البحر الواسع (بكل عمقه وغموضه) ويراها أيضاً الربّان (القائد الذي يوجه قلبه). هو في حالة حب تجعله ينادي نوارس البحر (ربما كناية عن الرسائل أو الذكريات) قبل أن يصل إلى شاطئ الأمان (اللقاء ) يستهل الشاعر البيت الثاني ب وي وهي اسم فعل مضارع بمعنى “أتعجب” أو “ألتلهف” . والغرض من هذالقصيدة المدح بسياق الغزل. وعندما قرات الديوان باكمله وجدت بان هذه القصيدة تأتي في المرحلة الثانية من حياة الشاعر، وحسب الترتيب الزمني كُتبت بتاريخ : 25 كانون الأول 2023 م ولعله اراد الشاعر من هذه القصيدة أن تكون إهداء الى والدة زوجته (حماته). فتكون عتبة أخرى من عتبات القصيدة ، يبين فيها منهج شاعريته وصوره الشعرية ولغته وتشبيهاته ورمزية كلماته وعتبات قصائدة التي سبقت هذه القصيدة والتي جاءت بعدها كرحلة فكرية وشاعرية من حياته. وبعد التتبع الزمني لقصائد الديوان وجدت بأن عام 2023 يشكل قمة عطاء الشاعر حيث بلغ مجموعها خمسة عشر قصيدة .أما في عام 2024 بلغ مجموعها اربع قصائد فقط. وفي عام 2022 قصيدة واحدة فقط، وكذلك كان في عام 2021 . وفي عام 2020 بلغت خمس قصائد. وكذلك في عام 2019 .أما في الاعوام 2016 _ 2018 (لا يوجد قصائد في هذا الديوان) .وفي عام 2015 يوجد قصيدة واحدة. أما في عام 2014 يوجد ثلاث قصائد وكذلك في عام 2013 أما في عام 2012 يوجد قصيدة واحدة.
ومن عام 2008 الى عام 2011 لا يوجد قصائد في هذا الديوان. أما في عام 2025 يوجد اربع قصائد. وينتهي الديوان باحداها وهي بعنوان “اغتيال” كتبت بتاريخ 25 شباط 2025 . أما أقدم قصيدة في الديوان هي بعنوان “دمشق” حيث كتبها في 22 تشرين الأول 2007 م. هذا من حيث الترتيب الزماني في الديوان. وقد تسائلت بعين الباحث لماذا يوجد فراغات زمنية بين القصائد؟
وبعد الاطلاع على سيرة الشاعر جداية الموجودة في آخر الديوان وجدت أن له العديد من الدواوين التي تغطي الفترة الزمنية الغير مغطاة بقصائد في ديوان “نداء الطين” وهي موجودة في نتاج هذا الشاعر الكبير في دواوين أخرى. فصدر له العديد من الداووين الشعرية” الخيل على مشارف قلبي” (2000)، “حتف الكلمات” (2004 ) ،”سندباد في رحلته الأخيرة” (2006) ،” ثالثة الأثافي” (2007) ، “كيف أمسي” (2008 )، “ما لون الوقت” (2010 ) ” ذاكرة تحمل أزرقها”(2013 )، “دوائر حيرى” (2015 ) ، “ولادة متأخرة” (2018 ) ،” قلق أنا” (2020 ) واخيرا هذا الديوان مدار البحث “نداء الطين “(2025). وهنا لابد من التوقف عند هذه القصيدة التي عنون بها الشاعر ديوانه لتكون القصيدة المحورية التي تتعالق بها القصائد مع الديوان ولكنها ليست كذلك. وبهذا الصدد يقول الاستاذ الدكتور ابراهيم الكوفحي في ندوة شعرية بعنوان “قراءة في تجربة عبد المنعم الرفاعي الشعرية في ديوانه المسافر” ،حيث تطرق إلى سيرة حياة وأعمال الراحل رئيس الوزراء الاسبق عبدالمعم الرفاعي في ديوانه الشعري” المسافر” وهي احد قصائده المحورية او المركزية التي تمثل تجربته الشعرية والفنية.(7) ومن خلال عتبة الديوان فهي ايضا تشي بحياة الشاعر الشعرية والخاصة. أما قصيدة “نداء الطين” والتي ياتي ترتبيها في الديوان رقم 27 لا تمثل الأ جزء يسير من تجربة الشاعر عبد الرحيم جداية وذلك لوجود العديد من الداووين التي صدرت له وما كتبه من مؤلفات نقدية في النثر والدراسات التي تناولت دواوينه الشعرية . وبالعودة الى القصيدة “نداء الطين “فهناك أمران ذكرهما الشاعر في هوامش القصيدة: المناسبة التي قيلت بها وتاريخها. قدمت في حفل إشهار كتاب “رائحة الطين” للأديب محمد بني ياسين في بلدية إربد بتاريخ 5 تشرين الثاني 2021 م. وهذه القصيدة في عتبتبها تتناص مع عتبة كتاب الاديب محمد بني ياسين (رائحة الطين ) . ولانها قصيدة مرجعية ومحورية في حياة الشاعر يبداها بالغزل ثم يعرج الى مدح الارض التي جاء منها الاديب محمد بني ياسين(حوران) ثم يذكر فيها مناقبه الفكرية والشعرية. فأول بيت يتعالق مع كتاب صديقه الاديب محمد بني ياسين “رائحة الطين ”
أشم تـربك في الكفين لم تزل غيداء ذائبة في أسود الليل / إني رأيتك فوق البيد سارحة مثل الغزالة إذ تشكو من الغزل تشكو ويعطف هذا القلب شكوتها على الحنين يداري دمعة الأسل
للطين رائحة والماء ذوبها بين الأصابع يجري الماء في القلل . وبعدها تاتي أبيات المدح أولا لارض حوران (الكورة) موطن الشاعر الممدوح : يا أرض حوران هل نادتك كورتها مذ كنت ترقد يا جنبيَك بالعلل / قد بلك الشوق تحناناً لجارية على الأصابع تخشى رجفة البلل/ تخشى عليك وكم للطين رائحة ما شمها القلب إلا غاب بالجدل هي الصبية ترياقي وعافيتي هي الغمامة تغزو ذروة الجبل هي اليمامة في عش الهوى جذلا هي الجآذر أذ ما طفت بالططل. وهنا الشاعر يرسم بقصيدته اسباب ولعه بالكورة من خلال تكرار ضمير التانيث. هي التي لها في القلب رائحة وهي الترياق لكل مريض والغيمة التي تهطل مطرا على ذروة الجبل وهي الطير الجميل الذي يستهوى عشه الشعراء كما استهوت امير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته “اليمامة والصياد”. وهي الجآذر (العيون الجميلة للغزال) . ولا يكتفي الشاعر بهذه الاوصاف للكورة والتشبب بها: هي الغواية(الانحراف عن طريق الحق) يا سهما شدا وبكى هي الصبابة(الحب الشديد) كي تسبيك لم تصل. هي العناق على أرض أداعبها ما لي اداعب بالكفين والخصل . وهذه انسنة لارض الكورة التي يشبهها بفتاة جميلة التي تغويك بسهم فتقع بحبها فتنشد غناء بها وتبكي من الفراق عنها : هي العناق على أرض أداعبها بالكفين والخصل (وهنا يستحضر جسم المراة الذي يداعب خصل شعرها بكفيه ويحتضنها عناقاً. وبعدها ياتي فعل التقبيل لهذه المراة: الفاتنة: قبلت فاتنة لمّا تقبلني والثغر يمسك إن اسرفت بالقبل . ولانها هي التي تغويه فهي تقبله باسراف. وحدث هذا اللقاء الرومانسي والجسدي: فوق التراب تراب كان معبدنا كنا نردد بالمحراب من أزل فوق التراب نداء الطيبن يأخذنا إلى خطوطك يا إبن الشعر والخضل (البلول والندي). وفي هذا العجز من البيت يبدا جداية بمدح ما خطه قلم الشاعر الممدوح من شعر ندي. ثم ياتي البيت الذي يصور فيه كيف يكون شعره على المتلقي وكأنه ترياق اي دواء شاف جاء من الحقول ، وشعره ايضا ترانيم اي الحان من صنع ايقاعاته الشعرية. أما الأبيات التي تلي ففيها إعتراف من الشاعر جداية للشاعر الممدوح بافضال شعره عليه: آنست شعرك في بيت اردده وكم يردد قلبي غرة الخجل / ياسين جئتك كي تروي بها ظمأً / عطشانة القلب هل ارويك من من غزلي. وهنا يرجع الى المدح بسياق الغزل الذي يروي قلبه الضمآن . أما البيت الاخير فيعود بالتغزل في إمرأة ينادي عليها من ذاكرته الشعرية: ناديت ناديت كم ناديت في وله نعسانة العين من عيني فاكتحلي . وهنا يتغزل بها ويطلب منها أن تتكحل بعيونه اي برؤيته. كما يقال في المثل الشعبي”حبيت أكحل عيوني بشوفتك, كناية عن المحبة. وحسب توصيف الاستاذ الدكتور ابراهيم الكوفحي لا تعتتبر هذه القصيدة محورية او مركزية كونها فقط تتعلق مع مناسبة تتناص مع كتاب صديقه الشاعر محمد بني ياسين. وبناء علية يجب ان يتعالق عنوان الديوان واللوحة الفنية التي رسمها الشاعر على غلاف ديوانه مع عناصر اللوحة الجسمية : الكفين والاصابع وطريقة خروجهما من الطين او الشقوق ورمزيتها والالوان المستخدمة فيها التي كلها تشي بدلالات ومرجعيات لمنشىء النص. والسؤال هنا ماذا يمكن استنطاقه من هذه القصيدة بعد تفكيكها الى عناصر تشكيلها؟ استخدم الطين في سياق الارض والجسد ورمزيته في تصوير المرأة في شعر جدايه كموضوع للغزل والهيام والتشبيهات في توصيفها بالغزالة ونعسانة العين وهي الغواية , وعطشانة القلب واليمامة وهي الصبابة وهي العناق , وهذه المفردات والصور الشعرية والتشبيهات تظهر في كثير من قصائده التي غالبا ما يبداها بالغزل وينهيها به كمنهج خاص به وبصور إبداعية .
فهذه المفردات والمعاني والسياقات والتشبيهات المتعالقة مع الارض والمراة ينفرد بها الشاعر الجداية عن غيره. فالغزل في المطلع والنهاية اصبح أحد الجوانب الابداعية في معظم قصائده في هذا الديوان. ولهذه القصيدة مناسبتان. احداها ذكرت في الهامش الاول من الصفحة الاولى من القصيدة في مدح صديقه الاديب بني ياسين بتاريخ 5 تشرين الثاني 2021 .. اما المناسبة الثانية فقد القيت ابياتها في المنتدى العربي بتاريخ 22 . 12 .2021 ولكن تحت عنوان رائحة الطين” وليست بعنوان ” نداء الطين. وهي نفس القصيدة ولكن بعنوان مختلف. واليك المناسبة الثانية التي القيت بها نفس القصيدة. أقام منتدى البيت العربي الثقافي الأمسية الشعرية السابعة عشر من لقاءات شعراء وشاعرات منتدى البيت العربي الثقافي يوم السبت للشاعر عبد الرحيم جداية.
تألق فيها الشاعر بما قدم من قصائد من ديوانه الشعري “قلق انا” لاقت اعجاب الحضور ومما قرأ قصيدة بعنوان
رائحة الطين
اشم تربك في الكفين لم تزل
غيداء ذائبة في أسود العسل
إني رأيتك فوق البيد سارحة
مثل الغزالة إذ تشكو من الغزل
تشكو ويعطف هذا القلب شكوتها
على الحنين يداري دمعة المقل
للطين رائحة والماء ذوبها
بين الأصابع يجري الماء في القلل
وادار الأمسية الروائي محمد ارفيفان العوادين وسط حضور عالي الذائقة من شعراء وأدباء ومثقفين من أعضاء وأصدقاء منتدى البيت العربي الثقافي. وفي ختام الأمسية قام المهندس صالح الجعافرة رئيس منتدى البيت العربي الثقافي بتكريم الشاعر عبد الرحيم جداية والروائي محمد ارفيفان العوادين
صحيفة عمان, أمسية للشاعر عبدالرحيم جداية في منتدى البيت العربي الثقافي, عمان. 22 ديسمبر . 2021 . (8)
أما الاهم من كل ذلك هو شكل القصائد الفني الشعري فمن حيث البناء الشعري الفني ينقسم هذا الديوان إلى قسمين: الأول ينتمي الى الشكل الكاسيكي ويمثل تقريبا ثلثي القصائد بدء ب”مباركة أمُ عبداللة” وتنتهي بقصيدة “مقام الثوب حيث يبلغ مجموع هذه القصائد الكلاسيكة إحدى وخمسون. ويجدر الاشارة بان أقدم قصيدة في القسم الكلاسيكى هي ” يا دمشق” وكتبت بتارخ 22 تشرين الأول 2007 . أما القسم الآخر من الديوان فينتمي الى شعر التفعيله وعدد قصائده سبع وعشرون قصيدة اولها حسب الترتيب الزمني الذي اكتشفته يبدا بقصيدة “تموء الخيام” وكتبت في 9 آب 2013 واخرها قصيدة “اغتيال” وكتبت في 25 شباط 2025. وهناك قصائد ليس لها تاريخ وهي : “كم أشتهي لغتي” (عمودية) ،”كأس تُقى” (عمودية)، “تداويني عيونك” (عمودية) ،” لقلبي نبضة” (عمودية)، “أنا صبح” (عمودية) “ورق مشتعل” (عمودية). اما قصائد التفعيلة التي لا يوجد لها تاريخ فهي: “تجريد 1 “الذئبة”، “ورق التوت” . معظم قصائد الديوان كتبت ما بين اعوام 2020 و 2025 .واقلها عددا كتبت ما بين اعوام 2007 و علم 2019 .
وعندما أعدت قراءة الديوان باكمله وجدت بان هذه القصيدة “مباركة أمُ عبدالله” تاتي في المرحلة المتاخرة من حياة الشاعر التي يمكن تقسيمها الى مرحلتين : فترة القصائد التي تتعالقق مع بدايات الشاعر مقلدا في صوره الشعرية ولوحاتته التجريدية التي تتناص مع قصائد شعراء كلاسيكيون وحداثيون ورسامون عالميون مثل دالي وبيكاسو وجرير واحمد شوقي وابو تمام وغيرهم . اما هذه القصيدة التي يفتتح بها الشاعر جداية ديوانه ، كتبها حسب الترتيب الزمني في 25 كانون الأول 2023 م ويريد منها أن تكون إهداء الى والدة زوجته (حماته). ولكن موضوعها غزليا بامتياز . وبناء عليه فهي لا تتعالق مع عتبة الديوان “نداء الطين”
وحسب منهجنا التحليلي والتفكيكي لقصائد جداية فمن المنطقي نبدا بقصائد المرحلة الاولى لبيان سياقاتها ومرجعياتها وصورها الشعرية وتأثرها وتأثيرها على القراء والنقاد والدوائر الثقافية. فاقدم قصيدة في الديوان هي بعنوان “دمشق” حيث كتبها في 22 تشرين الأول 2007 م. ” وفيها يتغنى الشاعر بها ويستذكر بها الهامه الشعري وفيها قلبه النابض شعرا. أيذكرني غناؤك يا دمشق شجيٌ والسنين له ترق
يُشير الشاعر إلى ألم المغترب وحنينه المتجدد للمدينة. وفيها تناص مع قصيدة احمد شوقي “نكبة دمشق” عام 1926 : سلام من صبا بردى ارق ودمع لا يكفكف يا دمشق . الشجي أي صوت حزين أو ألم عميق والبيت الذي يتغزل به بدمشق يعني أن مرور السنين والزمان لا يقلل من حنين الشاعر للمدينة فيكون قلبه رقيق (ترق بمعنى تصبح رقيقة وتذرف الدموع) اكثر رقة كلما تذكرها، أو أن لوعة الشوق تزيد وتتجدد مع مرور الزمن/ الوقت . شجي الهمس تحسبة صلاة وكل صلاتنا يا شام عتق . هذا البيت هو بيت شعري عاطفي يغلب عليه طابع الحنين والشجن تجاه الشام، ويعبر عن قدسية المحبة والحزن فيها . يوجه الشاعر رسالة حب ودموع إلى دمشق، مؤكداً أن مرور الأيام والسنوات لا ينسيه المدينة. شجي الهمس تحسبه صلاة (“شجي”) لدرجة أن السامع يظنه صلاة أو تسبيحًا لشدة خشوعه وروحانيته يصف الشاعر صوتًا أو همسًا خفيًا (قد يكون صوت آذان، أو تراتيل، أو حتى همس المحبين) بأنه حزين ومؤثر. كل صلاتنا يا شام عتق يخاطب الشاعر مدينة الشام، معتبرًا أن كل ما يقدمه من حب، ودعاء، أو حتى حزن وشوق (الذي شبهه بالصلاة) هو بمثابة “عتق” (تحرير أو خلاص) لروحه، أو تضحية خالصة من أجل الشام. البيت يحمل في طياته دلالات روحانية ووطنية، حيث تختلط مشاعر العشق بالقدسية، والحزن بالتحرر: تحرير، خلاص. وكعادته ينهي القصيدة ببيت غزلي: وقبّل ريقها حب وشوق.
أما من قصائد التفعيلة التي تتعالق مع لوحة التشكيلية على صفحة ديوان “نداء الطين ” هي التي عناوينها : لوحة تجريدية (214 ) تجريد 1 (الذئبة)(بلا تاريخ) ، تجريد2 (الوقت) ، تجريد3 (صغيرة)، تجريد4 (بيكاسو) . وهنا لا بد لنا من التساؤل عن معنى التجريد في الشعر؟ التجريد في الشعر له معنيان أساسيان: بلاغي وهو انتزاع الشاعر صفة من نفسه ليجعلها شخصاً آخر يخاطبه: “لئن سألتُ جُموعَ النّاسِ عن صِفَتي، ليُخبِرَنّكَ عَنْهُمُ نَفْسِيَ المَجْرُودَة”، وفني حديث وهو التحرر من تصوير الواقع الملموس، والتركيز على العاطفة، الصور الذهنية، والإيقاع، مشابهاً للمدرسة التجريدية في الرسم. تعريفه: أن ينتزع الشاعر من نفسه شخصاً آخر، ليخاطبه، أو يصفه، أو يمدحه، والهدف هو المبالغة في الوصف. أولاً: التجريد في البلاغة العربية : إظهار التوسع في الكلام، والتمكن من إجراء الأوصاف المقصودة (مدح/ذم) على نفسه بطريقة غير مباشرة . مثاله: قول الشاعر: “لئن سألتَ جُموعَ النّاسِ عن صِفَتي، ليُخبِرَنّكَ عَنْهُمُ نَفْسِيَ المَجْرُودَة”. تعريفه: أسلوب فني يعتمد على “اللا موضوعية” أو الهروب من المألوف، حيث يبتعد الشاعر عن تجسيد الواقع، ويركز على الجوهر والأفكار المجردة، والرموز. خصائص التجريد : الخروج عن الواقع .لا يعتمد على الوصف، البحث عن الجوهر التركيز على المعاني الداخلية والعاطفية بدلاً من التفاصيل الشكلية، الرموز والصور الغامضة: يميل الشاعر إلى استخدام صور غائمة وغير مباشر. يشبه هذا النوع الشعر بالرسم التجريدي، حيث يتم تفكيك الشكل وإعادة بنائه لتعزيز الشعور. الفرق الجوهري: التجريد البلاغي هو أداة أسلوبية لشخصنة صفة)، بينما التجريد الفني الحديث هو مذهب أو مدرسة تعتمد على التعبير عن المعاني المجردة لتجريد سياق عام: هو عزل الشيء عن غيره أو تجريده من صفاته المادية. (9)
ومن الامثلة على القصائد التي تمثل التجريد في ديوان جداية (نداء الطين ) ولكنها لا تتعالق معه بل تتعالق مع اللوحة التشكيلية التي رسمها الفنان بريشته. “تجريد1 (الذئبة) : ترجمها إلى اللغة الانجليزية نزار سرطاوي وكذلك في أحدى الصحف الهندية. وهي من قصائد التفعيلة وفيها يصف الشاعر الذئبة، يؤنسنها في ثلاث مشاهد درامية: الذئبة تعوي في جوفي أنهشها/ تحرمني لحمي تنشب في الصدر أصابعها فيثور الكون عواء: هذا المشهد الدرامي في حركة القصيدة يعبر عن صورة أدبية/شعرية لوصف حالة نفسية أو جسدية شديدة الألم، يسيطر فيها الحزن أو الخوف أو الذنب على الإنسان، أو شيئاً من نفسه. “تنشب في الصدر أصابعها”: “تنشب” تعني تغرس وتتعلق. التصوير هنا يوضح أن الألم (أو الذكريات/الخوف) مثل “وحش” يغرس أصابعه في الصدر ليتمسك به ولا يفارقه. فيثور الكون عواء”: من شدة ألم الشاعر الداخلي، يشعر أن العالم كله من حوله يشاركه هذا العواء والصراخ، أي أن الألم النفسي أصبح واقعاً يحيط به ولا يرى غيره . وهذه صورة فنية عميقة لوصف الخوف أو الحزن المدمر الذي يسيطر على الإنسان، ويأكل جسده، ويجعل الصدر ضيقاً، ويحول حياته إلى صراخ مستمر يملأ الكون. هنا يرسم جداية لوحة شعرية من صور شعرية صادمة. (10)
أما في المشهد الثاني فيقول: اتوسل بين يديها لا ادري كيف يكون العالم من غير ذئاب من يعتق ميرو من يمحو قمرا بريا ويمزق لحف الغيم على قمر مسته الريح وخربشة الاوراق بكاء.
هذا المشهد الدارمي الثاني يحمل دلالات أدبية ورمزية عميقة . يعبّر الشاعر عن حب شديد أو تعلق عاطفي يجعله يضع نفسه تحت رحمة هذه المرأة (بين يديها)، معترفاً بأن وجودها يمنحه الشعور بالأمان أو التوازن في عالم يراه قاسياً أو مليئاً بالوحوش (“الذئاب”)، لدرجة أنه لا يستطيع تصور حياته بدون وجودها أو بدون التحديات التي تمثلها. هذه الجملة هي عبارة عن صورة شعرية سريالية (خيال مكثف) تعبر عن الحزن، التلاشي، والفقدان. الجملة لا تُفسر تفسيراً حرفياً، بل تُفهم من خلال دلالاتها الرمزية. وخربشة الأوراق بكاء”: تصوير فني بديع يجعل من حركة الأوراق (أو الكتابة عليها) صوتاً حزينا. تتساءل في سياق رومانسي حزين أو فلسفي عن القوة التي تدمر البراءة (“قمراً برياً”)، وتكشف هشاشة النفوس (“قمر مسته الريح”)، وتحول الذكريات أو الكتابة (“خربشة الأوراق”) إلى مأساة وأحزان (“بكاء”). هي تعبير عن حالة من الضياع والوداع . قافلتي ذئب .. ونساء قافلتي تعوي والذئب كسير يا ليلي يعوي من غير نساء
هذا المشهد الدرامي الشعري يصف صورة فنية من الغزل العذري) وتعبر عن شدة الوجد، والوحدة، والعشق الحزين لليلى. تستخدم الصورة الشعرية الذئب رمزاً للوحشة، والكسر، والعواء المفرد، وهو مستوحى من قصة قيس بن الملوح (مجنون ليلى) الذي هام في الصحراء وأنس بالوحوش. “قمراً ذئبي اللون يغازل ليلى
صورة فنية تدمج بين الجمال (القمر) والوحشة أو الخطر (ذئبي اللون). قد يرمز القمر هنا إلى الشاعر نفسه في ليالي غربته، أو ليلى التي أصبحت حزينة ووحيدة. “يجتاح حديقتها الغناء”: كناية عن أن الحزن أو هذا العاشق (الذئب) اقتحم حياة ليلى الهادئة والمستقرة، مفسداً سعادتها. قافلتي ذئب .. ونساء: إشارة إلى قافلة ليلى (وربما ليلى فيها) تسير، بينما الشاعر وحيدٌ ذئب خارج القافلة)، أو ربما يقصد أن القافلة فيها ليلى (التي تحولت لجمال يخافه) ونساء أخريات، والشاعر وحده. “قافلتي تعوي والذئب كسير”: هنا يصف الشاعر حاله، فقافلته (روحه أو أصحابه أو قلبه) تصدر أصوات حزن وعواء، والذئب (الشاعر) كسيـر القلب، مهشم العاطفة. يا ليلى يعوي من غير نساء”: هذا هو ذروة الألم؛ الشاعر يعوي من الوحشة والوحدة، بلا رفيقة، بلا ليلى، وهو وحيد تماماً. الخلاصة: اللوحة الشعرية تعبر عن الغربة الروحية، والحب المستحيل، وحال العاشق الذي أصبح كذئب كسير في برية الحزن، يغازل ليلى من بعيد وينوح على فراقها.
أما القصيدة الثانية التي تتعالق مع اللوحة التجريدية على صفحة الغلاف هي بعنوان “”لوحة تجريدية”(2014) وهي من الشعر العمودي يشرح فيها جداية كيف يرسم كفنان تشكيلي لوحته وكيف تتولد الصورة بها في سياق الغزل: على خربشات وليد بهي أخاف الفراشة لونا وظلا وكيف استراح الفؤاد لخط وكيف الخطوط بك تتجلى: هذه الأبيات تحمل طابعاً رومانسياً تأملياً، يمتزج فيه الجمال بالهشاشة، وتتأمل في أثر الكلمات (الخطوط) ومشاعر القلب. يخاطب الشاعر شخصاً عزيزاً (أو ربما يصف حالة إبداع فني)، حيث يبدأ بوصف حالة من الرهبة والرقة تجاه الجمال (المتمثل في الفراشة)، ثم ينتقل للتعجب من كيف استطاع القلب أن يهدأ ويطمئن لكلمات أو رسائل خطّت (خط)، وكيف تتجلى وتظهر مواطن الجمال والمشاعر في هذا الخط. (على خربشات وليد بهي”: (قد يكون وليد شخصاً، أو وصفاً لخط بهي/جميل). الشاعر يقف متأملاً في كلمات مكتوبة بخط جميل، ربما هي رسالة أو قصيدة مكتوبة بخفة. أخاف الفراشة لونا وظلا”: الشاعر شديد الرقة والحساسية، فهو يخاف على الفراشة (التي قد ترمز للجمال الهش أو للرسالة الجميلة) من مجرد لونها أو ظلها، تعبيراً عن شدة الخوف من فقدان هذا الجمال أو إيذائه “وكيف استراح الفؤاد لخط”: يتعجب الشاعر كيف أن قلبه الذي كان قلقاً، قد اطمأن واستراح بفضل كلمات/ خط) كتبت إليه، فغالباً الخطوط المكتوبة تحمل مشاعر صادقة تطمئن القلوب. وكيف الخطوط بك تتجلى”: كيف تظهر مواطن الجمال والمشاعر في هذا الخط (الكتابة) عندما تكون مرتبطة بك/بإبداعك، فالخطوط أصبحت تجسيداً لجمالك وروحك (الذي يرمز له بالفراشة) يُدخل الطمأنينة على القلب. وكيف أعيش بلا خربشات لترشف عيني جمالاً أهلاّ فأنت الدوائر فوق النسيج وأنت النشيد بدربك هلا.
هذا البيت يمثل لغة شعرية وجدانية حديثة، غالباً ما تُستخدم في سياق الغزل العفيف أو التعبير عن الإعجاب الشديد بشخص يبعث الحياة والجمال في نفس الشاعر . يتساءل الشاعر متعجباً كيف يمكنه الاستمرار في الحياة والاستمتاع بجمالها دون “خربشات” (يقصد بها ربما لمسات المحبوب، أو كلماته، أو وجوده الذي يملأ الدنيا بهجة). ثم يصف هذا المحبوب بأنه كالدائرة الفنية المكتملة فوق نسيج الحياة، وأنه هو اللحن والأغنية الجميلة التي ترافق دربه، مرحباً به . خربشات قد تعني الرسائل الصغيرة، التوقيعات، اللمسات الفنية، أو حتى الحركات العفوية للمحبوب التي تترك أثرأ. لترشف عيني جمالاً أهلاً. تعني لكي تتامل عيني الجمال وتتمتع به ، وتستقبل هذا الجمال لكي تتأمل عيني الجمال وتمتعه به، الجمال بترحيب.
هلاَّ . وكعادته في معظم قصائده الغزلية يختم لوحته التجريدية بقوله: دعيني وليدا أخربش وجهاً واعبث طفلا وانت المصلى. أي اتركيني أكن في حالتي الأولى، كالطفل الرضيع (الوليد) الذي لا يملك من أمره شيئاً، في إشارة إلى الرغبة في التخلص من مسؤوليات الحياة وثقلها. أخربش وجها أكتب بعبث والمقصود ” هنا الحركات العشوائية التي يقوم بها الطفل الصغير بيديه على وجه أمه أو وجهه (براءة وعبث طفولي). وانت المصلى هو مكان الصلاة والسجود. شبه الشاعر المرأة (المخاطبة) بالمصلى، وهو دلالة على أنها مكان الطهارة، والسكينة، والملجأ الآمن، والمحراب الذي يجد فيه الطمأنينة وراحة النفس، تماماً كما يجد المصلي راحته في صلاته. يطلب الشاعر من المرأة أن تتقبله طفلاً صغيراً، يعبث ببراءة، ويخربش وجهها بحب، طالباً منها أن تكون له “محراباً” آمناً، يفر إليه من ضجيج الحياة وقسوتها، حيث يجد السكينة والتقديس في حضنها ومحبتها. البيت يبرز دور المرأة كملجأ عاطفي وروحي للرجل. (9)


أما القصيدة التي تلي “تجريد2 الوقت ” وهي تتعالق مع لوحة الغلاف التجريدية بموضوع الوقت : فقد يُقصد به إدراك الوقت كظاهرة مستقلة بعيدًا عن الأحداث المادية، أي التعامل مع الوقت كقيمة مجردة (دقائق، ساعات) بغض النظر عن انشغالاتنا .يترجل منا الحاضر خوفا في كهف الوقت يخبىء غربتها ويغيب : هذه العبارة أدبية بامتياز، تعبر عن الشعور بالوحدة وعدم الانتماء للوقت . والعبارة تصف هروب اللحظات الحالية بسرعة وخوف، حيث تضيع غربتنا ومشاعرنا في طيات الزمن (كهف الوقت) وتختفي، مما يعبر عن شعور بالضياع، أو سرعة مرور العمر، أو العزلة الوجودية. داخل هذا الكهف، ثم يختفي تحمل طابعاً شاعرياً وفلسفياً حول الزمن والوجود، ويمكن تفسيرها على النحو التالي: يترجل منا الحاضر خوفاً”: “يترجل” تعني ينزل عن حصانه أو يسقط، و”الحاضر” هو الوقت الراهن. المعنى هنا أن اللحظة الحالية تسقط وتفلت من أيدينا أو ترحل بسرعة الخوف من مواجهة المجهول، أو ربما بسبب شدة القلق. في كهف الوقت”: الوقت هنا مُشبّه بكهف ضيق ومظلم، وهو مكان غير معروف (كفارس يترجل) بدافع معروف أو مكان للاختباء، مما يوحي بالضياع أو العزلة. يخبىء غربتها ويغيب”. الحاضر الذي يترجل يدفن أو يخفي “غربة” الإنسان (شعوره ويغيب هو نفسه، مما يعني تلاشي لحظاتنا وضياعها في الماضي دون أن نشعر بها .دلالات العبارة: الخوف والخيبة: الخوف من الحاضر والمستقبل. زمن والنسيان: الوقت كـ “كهف” يخفي الذكريات والغربة. الغربة: الشعور بالوحدة أو الغربة في الوقت والزمان .
لا درب لنور الشمس الى كهف أسقط أيات الظل ما على وجع عتّقه (دالي ) في ساعات حيرى مسّت غير الوهم وبعض خيال : هذه الجملة “لا درب لنور الشمس إلى كهف”: كناية عن الانعزال التام، والظلمة النفسية، وانقطاع الأمل أو المعرفة (نور الشمس) عن الوصول إلى مكان عبارة أدبية/شعرية مكثفة، تحمل دلالات نفسية وفلسفية عميقة حول الألم، العزلة، والهروب من الواقع. إلى الكهف عميق ومظلم الذي يمثل الذات أو القلب استخدام الظل كرمز للهموم، أو ربما دلالة على الإشارات الآتية من عالم الظلام، بدلاً من آيات النور ” أسقط آيات الظل( الوجع (الألم) “عتّقه” أي جعله قديماً ومزمناً مثل الخمر المُعتق. و(دالي الرسام العالمي) ) على وجع عتّقه (دالي) .” أوقات مليئة بالتردد، الضياع، وعدم اليقين. في ساعات حيرى.
” هذا الوجع أو هذه الساعات لم تكن حقيقية أو ملموسة، بل كانت نتاجاً للأوهام، الخيالات، والضياع وبعض خيال ، الوهم.
تصف اللوحة الفنية حالة نفسية لشخص يعيش في عزلة داخلية عميقة (كهف)، حيث لا يصله ضوء الأمل (الشمس)، وحيث يعاني من ألم نفسي قديم ومزمن (وجع عتّقه) في لحظات حيرة وتردد، وتكشف العبارة أن هذا الألم كله مبني على أوهام، خيالات، وأمور غير حقيقية، أو أنه يعيش في سراب من الأفكار التي تزيد من ألمه. وللعلم يعتبر دالي من أهم فناني القرن العشرين، وهو أحد أعلام المدرسة السريالية. يتميز دالي بأعماله الفنية التي تصدم المُشاهد بموضوعها وتشكيلاتها وغرابتها، وكذلك بشخصيته وتعليقاته، وكتاباته غير المألوفة والتي تصل حد اللامعقول والاضطراب النفسي. وفي حياة دالي وفنه يختلط الجنون بالعبقرية، لكن دالي يبقى مختلفاً واستثنائياً في فوضاه، في إبداعه، في جنون عظمته، وفي نرجسيته الشديدة. وهذه اللوحة التجريدية تناص واضح مع دالي.(10)


قبضته الريح على صدر ايقظ شهوتها كي تلعق فتنتها وتذوب لاتعرف ما لون الوقت لصرختها نبذت في الكهف عقاربها : هذه الجملة هي عبارة أدبية/شعرية غامضة وذات طابع سريالي (خيالي) تعتمد على الرموز والمشاعر المكثفة قبضته الريح على صدر: تعبير يدل على أن قوة خفية (الريح، التي ترمز للمصير، الشوق، أو العاطفة الجارفة) قد أمسكت به أو دفعته بقوة، مما أحدث تأثيراً مباشراً وعميقاً في أعماق نفسه (الصدر). قد تعني أيضاً التيه أو أن أمراً عاصفاً تتحكم به. لهذا هذه الجملة لا تفهم حرفياً، بل تُفهم من خلال سياقها العاطفي والنفسي. ايقظ شهوتها كي تلعق فتنتها وتذوب: إشارة إلى إثارة الرغبة العارمة (الشهوة) لدى “الأنثى/المعشوقة” (أو النفس) لكي تستمتع بجمالها وسحرها (الفتنة) حتى مرحلة الفناء أو التلاشي تذوب) من شدة العاطفة. لا تعرف ما لون الوقت لصرختها: تعبير عن الانفصال عن الواقع والزمن بسبب شدة الألم، الصدمة، أو النشوة الصرخة). نبذت في الكهف عقاربها: الرمز الأقوى؛ “الكهف” قد يرمز إلى العزلة، الصمت، أو العقل الباطن، و”العقارب” ترمز للذكريات المؤلمة، الشكوك، أو الأفكار السامة. الجملة تعني أنها تخلصت من مخاوفها أو ذكرياتها المؤلمة ورمتها في عزلتها. فأصبح المتكلم في القصيدة بلا ملامح (لا لون له) أمام حجم الشعور الداخلي. لا ماض يدنيها ليقبّل ساعات دارت في عتبات الصمت لا حاضر يذكر طلتها لا حاضر يعرف اين تعيش اللحظة كي تدفن مستقبلها فوق جدار الرغبة صوما. هذه الجملة أدبية بامتياز، تحمل طابعاً شاعرياً حزيناً ومجرّداً، وتصف حالة من العزلة النفسية، والاغتراب، والضياع بين ماضٍ وحاضر. لا ماضٍ يُدنيها ليقبل ساعات دارت في عتبات الصمت” ولا الحاضر مبالٍ، مع رغبة في التضحية بالمستقبل من أجل كبح جماح رغبات معينة. المعنى: لا يوجد ذكريات جميلة أو ماضٍ قريب يمكن أن يقربها أو يأخذ بيدها لتقضي أوقاتاً في الحياة أو تأمل في هدوء. لا حاضر يذكر طلتها الذي تعيشه غيرمبالٍ بها (، لا أحد ينتبه لوجودها، أو يلاحظ “طلتها” (مظهرها، حضورها)، مما يدل على التهميش والوحدة. “:. الماضي بعيد عنها أو لا يحمل لها الدفء، مما يجعلها تعيش في صمت قاتل (عتبات الصمت) . “لا حاضر يعرف أين تعيش اللحظة”: هي مغتربة تماماً، لا أحد يدرك حالتها النفسية أو مكانها العاطفي في الوقت الحالي . “كي تدفن مستقبلها فوق جدار الرغبة صوماً”: معنى: هي تتخلى عن مستقبلها أو تضحي به (تدفنه)، ليس تضحية من أجل هدف سامٍ، بل “صوماً” (أي كبحاً أو امتناعاً) فوق جدار الرغبات والشهوات، في إشارة إلى المجاهدة النفسية الشاقة، أو ربما الغرق في رغبات معينة تلتهم المستقبل، معتبرة أن الرغبة هي “جدار” صلب لا يمكن تجاوزه إلا بـ “الصوم” (المنع) .الجملة تصف امرأة (أو حالة) تعيش عزلة كاملة، فاقدة للماضي الدافئ، ومنسية في الحاضر، وتعيش صراعاً داخلياً يجعلها تضحي بمستقبلها فوق حطام رغباتها، في حالة تشبه الصيام عن الحياة نفسها. وهذا يثبت أن هذه اللوحة التجريدية سريالية وتسدعي حضور دالي وفنه.
سريالي هذا الزمن المطعون بليل حيناً حينا بنهار قبّل شفتيها تحت سراج اعمى أغفى في صومعة الزمن المهزوم . هذه الجملة هي عبارة عن نص شعري مكثف بالصور السريالية والرموز، تعبر عن حالة من التناقض، الضياع، والعشق الجارف الذي يقلب موازين الواقع. “سريالي هذا الزمن المطعون بليل حيناً حينا بنهار”: سريالي: غير واقعي، يشبه الحلم، غريب، ومجنون. مطعون بليل/نهار: الزمن متناقض ومصاب بالاضطراب (يتقلب بين الظلام والوضوح قبل شفتيها تحت سراج اعمى أغفى في صومعة الزمن” . قبل شفتيها: هنا يركز على لحظة العشق والتقاء الشفاه. سراج أعمى: رمز غريب (سريالي) يشير إلى ضوء لا يرى، أو شغف موجود ولكنه بلا بصيرة أو هدى. غفى في صومعة الزمن: هذا السراج (العشق/الشغف) نام أو استكان داخل “صومعة” (مكان منعزل/حجز) في قلب هذا الزمن المضطرب.
لحظة القبلة والحب حدثت وسط ظروف غير القبلة كانت هي “النور” الذي جعل السراج الأعمى (الشغف الذي كان نائماً) يشتعل ويستيقظ، أي أن الحب أعاد الحياة والأمل بعد غفوة. واضحة (سراج أعمى)، حيث نام الحب واستكان .والقبلة تسكن بيت النار”: رمز للشدة، أو القلب الملتهب، أو الشغف العارم. لمعنى: هذا الحب (القبلة) يعيش في قلب الشدة والتهاب المشاعر. العبارة تصف الحب كقوة خارقة قادرة على هزيمة زمن مضطرب ومجنون (سريالي). إنها لحظة عشق مكثفة، بدأت بحب مستكين أو مخفي في (“سراج أعمى) . (11)
والقصيدة التي تلي “تجريد3 (صغيرة) تتعالق ايضا مع اللوحة التجريدية الموجودة على لوحة غلاف الديوان ما دونك البحار يا صغيرتي تجتاح في السهول والحقل يا صغيرتي يشتاق للعينين في تمرد الضياء : هذه الجملة هي عبارة صورة أدبية/شعرية رومانسية حزينة، تحمل معاني الشوق والبعد والتحدي، ويمكن تحليل معناها على النحو التالي: ما دونك البحار يا صغيرتي”: تعني أن هناك مسافات شاسعة وبعيدة (بحر) تفصل بين الشاعر والمخاطبة (“صغيرتي”). البحار هنا ترمز إلى العوائق الكبيرة، الغربة، أو البعد المكاني والنفسي. “تجتاح في السهول”: “تجتاح” تعني تسيطر، تغزو، أو تنتشر بقوة. قد تشير إلى أن هذا الشوق أو ألم البعد قد غطى كل مكان، تماماً كما ينتشر الوجع في السهول والحقول، وتدل على شعور الشاعر بأن ألمه شديد وواسع النطاق. والحقل يا صغيرتي يشتاق للعينين”: يرمز “الحقل” إلى الأرض، الوطن، أو الحياة البسيطة المستقرة. الشوق للعينين يعبر عن اللهفة لرؤية المحبوبة، وكأن الطبيعة نفسها تشارك الشاعر حزنه وتشتاق لجمال عينيها.في تمرد الضياء”: تمرد الضياء قد تعني وقت الشروق أو عندما يكسر النور الظلام. في سياق الشوق، وقد ترمز إلى أمل يلوح في الأفق رغم الألم، أو إلى قوة المشاعر التي تخرج وتتمرد على واقع الغربة والظلمة. .
يخاطب الشاعر محبوبته (“صغيرتي”) مبيناً أن البعد بينهما كبير كالبحار، وأن هذا البعد/الشوق يغزو قلبه ونفسه كما يجتاح الشوق الحقول، وكأن الأرض تشتاق لرؤيتها، وذلك كله يحدث في لحظات قوية من التحدي والضوء (تمرد الضياء) الذي يكسر العتمة. الجملة تعبر عن حنين شديد وامتزاج ألم البعد بجمال الطبيعة وشجاعة المواجهة. الشمس تعشق الصغار يا صغيرتي تجادل الصغار في لثغاتهم تعانق المجاز في ضحكاتهم تبوح للجبال والرمال . تأمّل في هذه الصورة الفنيّة التي رسمتِها الرمال . تصف هذه الجملة بكلمات شاعريّة وجميلة جدّاً، تصوّر الشمس ككائن حيّ، لطيف، وقريب من عالم “الشمس تعشق الصغار يا صغيرتي”: بداية دافئة تضفي على الشمس صفة العطف والحنان، وكأنها صديقة للأطفال. لطفولة الصغير. تجادل الصغار في لثغاتهم”: صورة بديعة تُظهر الشمس وهي تنزل لمستوى عقولهم، وتشاركهم حديثهم غير المكتمل (اللثغة) بفضول ومحبة. “تعانق المجاز في ضحكاتهم”: هنا أعمق صورة؛ فضحكات الصغار عفوية ومجنونة . (مجاز)، والشمس تحتضن هذا الجمال غير المنطقي. والبريء. تبوح للجبال والرمال”: الشمس لا تحتفظ بهذا السرّ، بل تنقله للطبيعة (الجبال والرمال) لتنشر دفء مشاعر الصغار في كل مكان. أشتاق يا صغيرتي فالصبح دون رشفة الفنجان والشفاه يا صغيرتي تمائم عمياء وانت يا صغيرتي في لوحة فنان رقصة أو قهوة ‘عباّد شمس حائر يا ضحكة السماء.
هذه الجملة هي عبارة عن نص أدبي رومانسي مكثف (شعر نثر)، الوصف الأدبي العاطفي، وتعتمد على المجاز وتصوير المشاعر. ، ويصف تأثيرها على حياته. يخاطب المحبوب محبوبته بـ “صغيرتي” (دلالة على الدلال والحب) . يقول إن الصباح ناقص ولا طعم له بدون فنجان القهوة (المعتاد) وبدون “الشفاه” (يقصد القبلة أو الحديث معها ) .”تمائم عمياء”: تمائم (التعاويذ) . هي الأشياء التي تُعلق عادةً (مثل الخرز أو الحجب) ظناً أنها تحمي من العين والسحر. تمائم عمياء: والتمائم أيضاً هي الأشياء التي تُعلق لجلب الحظ أو دفع الشر، وقوله “عمياء” قد يعني أنها تعاويذ لا تعمل، أو خالية من الروح، أو بلا قيمة، لأن الشفاء الحقيقي والتميمة الحقيقية التي تحميه هي “المحبوبة” نفسها وليس شيئاً مادياً. المعنى المجازي: قد يقصد الشاعر أن كل وسائل الحماية والتعاويذ المعتادة تصبح عاجزة ولا قيمة لها أمام سحر الفتاة وجمالها، وهي شديدة الجمال، والفتنة، كأنها لوحة فنية تشكيلية رسمها فنان محترف، وليست حقيقة. تعبير عن الإعجاب بملامحها الربانية. وانت يا صغيرتي في لوحة فنان. “رقصة أو قهوة عباد شمس حائر”: رقصة: دلالة على الحيوية، الخفة، والبهجة. قهوة عباد شمس حائر: صورة مبتكرة (استعارة)، حيث يشبهها بـ “عباد الشمس” الذي يتبع الضوء (الشمس)، ولكنه “حائر” لشدة جمالها وحيرتها الفنية، أو قد ترمز إلى مزيج من الألوان الدافئة والرائحة العطرة التي تمنح الدفء كالقهوة . يا ضحكة السماء وصف نهائي يجعل الفتاة مصدر البهجة والنور في حياة الشاعر، مثلما تضحك السماء بالشمس أو النجوم بعد الغيوم، هي تضيء يومه بضحكتها. الخلاصة: العبارة تصف فتاة بجمال فني ساحر (لوحة فنان)، جمالها يذهل ويحيّر (عباد شمس حائر)، يضفي على حياته البهجة (ضحكة السماء)، لدرجة أن أي وسائل حماية أو تعاويذ (تمائم عمياء) لا تفيد في رد هذا الشغف.
والقصيدة التي تلي “تجريد 4 (بيكاسو) : وهي لوحة فنية تتعالق مع اللوحة التجريدية التي تظهر على صفحة الغلاف. وهي تتكون من ثلاث مشاهد: القلب صومعة العباد يا طهورا في محاريب السؤال وأنا الخطيئة يا أنا انتً النخيل على مسير العيس تبكي والسُّعف انت أيا رسول الامنيات . هذه الجملة هي عبارة عن أبيات شعرية ذات طابع وجداني، صوفي، ورومانسي حزين، تعتمد على الصور البيانية والمجاز لإظهار شدة التعلق بالمحبوب (الذي قد يكون شخصاً، أو رمزاً للوطن، أو حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بناءً على مفردة “رسول” و”طهور”)، وتصور المعاناة والاشتياق في رحلة البحث عنه. القلب صومعة العباد. يشبه القلب بالصومعة (مكان تعبد الراهب المنعزل)، مما يعني أن القلب أصبح مكاناً مقدساً ووحيداً للتعبد والتعلق بالمحبوب. يا طهورا في محاريب السؤال. ينادي المحبوب بـ “طهور” (أي النقي، الشافي، المطهّر)، ويصف محاولة البحث عنه والسؤال عنه بـ “المحاريب” (مفردها محراب وهو مكان الصلاة)، أي أن حيرته وسؤاله عن المحبوب هو عبادة وشعائر. وأنا الخطيئة يا أنا. اعتراف بالذنب أو الشعور بالقصور أمام طهارة المحبوب. يا أنا ينادي نفسه، مما يبرز حالة التمزق الداخلي والصراع النفسي . أنتً النخيل على مسير العيس تبكي. تشبيه المحبوب بالنخيل في علوه وثباته وكونه مصدراً للخير (وهمي) . مسير العيس هي الإبل البيض، والإشارة هنا إلى قافلة الرحيل. تبكي والسعف تسبيه النخيل (المحبوب) بشخص يبكي والسعف هو دموعه أو اطرافه التي تئن، كناية عن الحزن الشديد على رحيل الذاهبين. ختم بلقب المحبوب بأنه “رسول الأمنيات”، أي أنه هو الذي يحمل معه الآمال والأحلام والأمنيات، وبدونه لا أمنيات. الشاعر يصف حالة من “العبادة الروحية” للمحبوب، حيث أصبح قلبه محراباً لا يسكنه غيره، وهو يرى في هذا المحبوب طهارة مطلقة. وفي المقابل، يرى نفسه ناقصاً أو خطّاءً. يصور المحبوب كرمز أصيل (النخيل) يقف حزيناً على رحيل المحبين، ويختم بكون المحبوب هو مصدر أمانيه في الحياة. والطلع فيك معتق هزي الدعاء وارسليه الى السماء الصالحين على المديد صَلبُتهم والمذنبون على بساط الريح كسلى
هذه أبيات شعرية تحمل طابعاً صوفياً وإيمانياً عميقاً، وتصور مشهداً روحانياً رفيعاً. والطلع فيك معتق
فيها إشارة إلى نضوج الثمرة أو اكتمال النور (الطلع) الذي طال انتظاره، ووصفه بـ “المعتّق” دلالة على الجودة، القِدم، والأصالة، ربما يقصد بها نور الإيمان أو القلب. هزي الدعاء وارسليه إلى السماء”: اقتباس لغوي روحي من قوله تعالى “وهزي إليك بجذع النخلة”، وهنا الأمر بتحريك الدعاء الصادق وإطلاقه “الصالحون على المديد صلبتهم”: أي أن أهل الصلاح والتقوى طالت عبادتهم وقيامهم (على المديد)، فكانت صلابتهم وقوتهم . والمذنبون على بساط الريح كسلى”: صورة بلاغية رائعة تباين المشهد، فالمذنبون أو المقصرون -في سياق التأمل- يعتمدون على الأماني (بساط الريح) والكسل، معلقين آمالهم على رحمة الله رغم قلة العمل. هذا الثبات والركوع والسجود. نحو السماء بلهفة وثقة. ألأبيات تدعو إلى اغتنام لحظات التجلي، وضرورة الدعاء الصادق، وتبرز الفرق بين أهل الجد في العبادة وأهل التمني. مدي الصلاة على الرمال وخربشي باللون وارسميني ظلك المشتاق أن نفر الحمام الى المآذن أعلني واننّي الرسول وأنني المفتون في لغة الجمال: هذه الكلمات تحمل طابعاً صوفياً وشعرياً يمزج بين الحب الإلهي والمديح النبوي، وهي تبدو كفقرة من مناجاة أو قصيدة نثرية في سياق المديح. “مدي الصلاة على الرمال وخربشي باللون وارسميني ضلك المشتاق أن نفر الحمام الى المآذن أعلني أني الرسول وأنني المفتون في لغة الجمال” تعبر عن حالة من الوجد والشوق، وتتضمن صوراً بيانية مكثفة .مدي الصلاة على الرمال”: إشارة إلى نشر محبة النبي محمد ﷺ وذكره في كل مكان. خربشي أن نفر الحمام الى المآذن”: صورة جمالية تعبر عن التوجه نحو الروحانيات (المآذن) والسكينة (الحمام). باللون وارسميني ضلك “أعلني أني الرسول. في هذا السياق الصوفي، قد تعني (الرسول هنا أي المرسل) أو المشتاق الذي يبلغ شوقه، أو هي استعارة لحمل رسالة الحب والجمال. المشتاق”: دعوة للتعبير الفني عن العشق والتعلق، وكأن العاشق يريد أن يكون ظلاً للمحبوب. المفتون في لغة الجمال”: تأكيد على أن الجمال هو اللغة التي يفهمها ويخاطب بها المحبوب. يبدو أن النص جزء من كتابات صوفية معاصرة أو مديح نبوي فني يركز على “جمال” الحقيقة المحمدية، كما ورد في سياقات مشابهة تصف الاتصال الروحي بالحقيقة المحمدية والتحرر من قيود الفهم المحدود. والمشهد الاخير هو عبارة جملة أدبية شاعرية، تحمل أبعاداً فنية ونفسية عميقة، وتستخدم لغة رمزية مكثفة. يمكن تفسيرها بناءً على سياق أعلنيني أزرقاً مثل بيكاسو”: هنا اشارة إلى “المرحلة الزرقاء” (Blue Period) في أعمال الرسام العالمي بابلو بيكاسو (1901-1904)، والتي تميزت برسوم داكنة، حزينة، ومعبرة عن الفقد، الفقر، والوحدة، حيث طغى اللون الأزرق على لوحاته تعبيراً عن حالة نفسية عميقة.(12) ومعنى البيت اطلبي مني أو اجعليني أغوص في حالة من الحزن العميق، أو الشجن الفني، أو الهدوء الوجودي، تماماً كما كان بيكاسو يرى العالم من خلال ألوانه الزرقاء. أزاول شهوتي”: لشهوة هنا لا تعني بالضرورة المعنى المادي المباشر، بل قد تشير إلى “الشهوة الإبداعية”، أو الرغبة الشديدة في ممارسة الحب، أو الشغف في الحياة والعمل. معنى: أن أمارس شغفي (بالحياة/الفن/الحب) من خلال هذا الشجن. يطلب القائل من المخاطَبَة (الحبيبة غالباً) أن تضعه في حالة من الحزن أو الهدوء العاطفي الشديد (اللون الأزرق ) , ليتمكن من ممارسة شغفه أو إبداعه (شهوته) في أجواء تجمع بين الشجن والفن، على غرار طريقة بيكاسو في إنتاج الفن من رحم الالم . ويتساءل جداية: هل كان بيكاسو سليل الريح يا أنثى العواء انتِ الرياح فعلميه انتِ الظفيرة والشجر. يبدو أن هذه العبارات هي سياقات وتناص ذات طابع شعري وأدبي وفني رفيع، تعكس رؤية فلسفية تربط بين الفن، الطبيعة، والمرأة. هل كان بيكاسو سليل الريح”: سؤال شعري يشير إلى عبقرية بابلو بيكاسو المتمردة، والتي لا تعرف الحدود، وكأنه ابن الريح التي تتحرك بحرية وتغير معالم الفن، تماماً كما غير بيكاسو مفهوم الرسم بلوحاته التي تحطم الزوايا وتكسر المفردات التقليدية. يا أنثى العواء.. أنتِ الرياح”: قد تكون إشارة رمزية للمرأة الملهمة، أو ربما لوحة “المرأة الباكية” التي رسمها بيكاسو حيث تمثل المرأة هنا مصدر القوة والعاطفة العاصفة (الريح) التي تحرك خيال الفنان. أنتِ الضفيرة والشجر”: دعوة للمرأة لتكون مصدر التوازن، والجمال (الضفيرة)، والنمو والتجذر (الشجر) في عالم الفنان. العبارة توحي بأن بيكاسو كان يحتاج إلى هذا التناقض القوي (الريح/العواء مقابل الشجر/الثبات) ليخلق فنه المتمرد والحزين في لوحاته . ومن الشعراء العرب الذين يشبهون بيكاسو مظفر النواب في قصيدته بكائية على صدر الوطن” . تتمثل علاقة شعر مظفر النواب ببيكاسو (الفن التشكيلي عموماً) في نقاط التقاء فنية، بصرية، ونضالية، حيث يُنظر إلى شعر النواب بوصفه “رسمًا بالكلمات” يشابه أسلوب بيكاسو في تحطيم المألوف وإعادة تشكيل الواقع. وفيها يمزج الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب في قصيدته النواب في هذا المقطع يمزج بين الفن (بيكاسو) والطبيعة والتمرد، مستخدماً لغة مشحونة بالعاطفة والرمزية التي تميز بها أسلوبه الشعري الفريد . وهذا ما فعله جداية في هذه القصيدة. فقد لقب مظفر النواب ببكاسو الشعر العربي. (13)
أللَوْنَ أَنْتِ فَراقِصِينِي … وَعَلِّمِينِي الرَّسْمَ يَا بِنْتَ الْحُقُولِ الرَّاقِصَاتِ … نِسَاؤُهُ فَوْقَ السُّهُولِ:
“أللون أنتِ فراقصيني”: يخاطب الشاعر محبوبته (أو الطبيعة/الأرض التي يرمز لها بالأنثى) واصفاً إياها بأنها “اللون” نفسه، أي مصدر الجمال، والحياة، والبهجة. ويطلب منها أن تراقصه، كناية عن المشاركة في احتفالية الحياة والحب . “وعلميني الرسم يا بنت الحقول”: يطلب منها أن تعلمه فن الرسم، ويقصد بذلك تعلم كيفية إدراك الجمال وتجسيده، واصفاً إياها بـ “بنت الحقول”، وهو رمز للخصوبة، الطبيعة، والبساطة. “الراقصات نساؤه فوق السهول”: يصف الشاعر الطبيعة (الحقول/السهول) بأنها حية وجميلة، حيث يرى نساء السهول (كناية عن الزهور أو سنابل القمح التي تتمايل مع الريح) يرقصن فوق الأرض، في مشهد يجمع بين الطبيعة والمرأة في تناغم. القصيدة تعبر عن عشق الشاعر للطبيعة والأرض، وتماهيه مع جمالها. هو نداء للحياة، يطلب فيه من “الحبيبة/الأرض” أن تمنحه الفرح والقدرة على رؤية الجمال ورسمه، في مقابل مشاعر القتل والدمار (حيث يذكر المصدر أن الديوان كتب في سياق تساؤلات حول عالم مسكون بالدمار. لا تتركي للريح فرشاة يعريها الذبول اطلقي كلتا يديه ونّغمي الايقاع يا امراة لحادي اللون في جسدي هذا البيت هو لوحة شعرية وجدانية بامتياز، غالباً ما تميل إلى أسلوب الشعر الحر الحديث (يُشبه في روحه أسلوب محمود درويش في “أثر الفراشة”(14) أو أدبيات الرمزية العاطفية. يخاطب الشاعر امرأة (محبوبة أو ملهمة) ويطلب منها بث الحياة في وجوده، وإنهاء حالة الركود والذبول العاطفي. هو طلب للتحرر والاندماج في إيقاع الحياة والحب، ليُعيد “لحادي اللون” (الشاعر الرمادي أو الباهت) ألوان الفرح والتنوع في جسده وروحه. لا تتركي للريح فرشاة يعريها الذبول. الفرشاة: ترمز إلى أدوات الإبداع، أو الروح/النفس التي ترسم حياتها. الذبولرمز للموت البطيء، الشحوب، أو الروتين. “لا تتركي نفسي أو حياتي فريسة للريح (الزمن/الظروف) لتذبل وتتعرى من جمالها”. اطلقي كلتا يديه: طلب للتحرر من القيود، ربما يقصد يديه هو (الشاعر) ليعمل أو يكتب، أو يدي المرأة لتنطلق في العطاء. ونغمي الإيقاع يا امرأة: اطلبي من المرأة أن تضفي نغماً عذباً وموسيقياً على حياته/على قصيدته، أي إحلال الفرح محل الحزن. لحادي اللون في جسدي: حادي اللون: (Monochromatic) تعني اللون الواحد (الأبيض والأسود مثلاً)، وهو رمز لغياب الألوان الحقيقية، والملل، والاكتئاب، أو الحب الباهت. المعنى: الشاعر يشعر أن جسده وروحه يعيشان حالة “أحادية” (باهتة)، ويطلب من المرأة تحويل هذه الرتابة إلى حياة ملونة ومتحركة. البيت هو دعوة للحياة، والحب، والإبداع، ورفضٌ للرتابة والذبول العاطفي، حيث تُعتبر المرأة هي المُلهمة التي تُعيد الألوان لحياة الشاعر الباهتة .(15) “يا لذة المعنى بقهوتها مُدي ظلالي”ا البيت يبدو أنه ينتمي إلى الشعر الصوفي أو الأدب الذي يتغنى بجمال القهوة وتأثيرها على العقل والروح، حيث يمتزج وصف القهوة المادية بـ”لذة المعنى” المجازية. : ينادي الشاعر/الشاعرة القهوة (أو لذة القهوة) طالباً منها أن تمد ظلالها، في إشارة إلى الرغبة في الاستمتاع ببرود وهدوء هذه اللحظة، حيث القهوة كأنها شجرة يستظل بها من ضجيج الحياة.
واعبدي”: (في سياق شعري وتأملي) قد تعني التفرغ للعبادة والتأمل والخشوع في هذا الوقت الخاص.
فأنا عباءتك الجميلة فارتمي”: صورة فنية بديعة تعبر عن الذوبان في هذه الحالة، حيث يصور نفسه كعباءة ترتمي وتستريح، دلالة على الانغماس الكامل والراحة والاحتواء الذي تمنحه قهوة الصباح أو المساء. هي كلمات تعبر عن ذوق رفيع ومحبة عميقة لطقوس القهوة. لمسات رقيقة تحمل شجناً صوفياً ونفساً شعرياً عالياً. هذا البيت فيه تناص مع الشاعر العراقي الكبير عبد الرزاق عبد الواحد، من قصيدته الشهيرة “قهوة” أو “صباح الخير يا قهوتي)يقول جداية بطريقته مخاطبا الحبيبة: يا لذةَ المعنى بقهوتِها.. مُدِّي ظِلالِي واعبُدي أنا عباءتُكِ الجميلةُ فارتمي.. وتجرّدي! هذا البيت يتناص مع قصائد عبد الرزاق عبد الواحد بقدرتها المذهلة على مزج التفاصيل اليومية البسيطة (كفنجان القهوة) بمشاعر عميقة من الاحتواء، والحنين، والغزل الرفيع. مدي بهذا الكف نحوي واشهدي انّي القبيلة والنخيل وطلعها صُبّي يقيني في فؤادك واسجدي
مدي بهذا الكف نحوي واشهدي. يطلب منها المشاركة والشهادة على علاقة وجدانية عميقة. عبّر بهذه الأبيات الوجدانية القوية عن مشاعر الشوق والاندماج العاطفي، حيث يُجسّد الشاعر ذاته كرمز للحماية والنماء (القبيلة والنخيل) في حياة محبوبته، طالباً منها اليقين المطلق في حبه. يطلب الشاعر في الأبيات أن تكون المحبوبة شاهداً على مشاعره وأن يملأ الثقة قلبها. صُبّي أمر (مؤنث) من الصب، وهو الإفراغ، وهنا يُستخدم مجازاً بمعنى غرس الإيمان الثابت أو الحب العميق. جملة “صُبّي يقيني في فؤادك واسجدي” تحمل دلالات صوفية وعاطفية عميقة، ويمكن تفسيرها على النحو التالي: يقيني: الإيمان الخالص، الثقة المطلقة، أو الحب الذي لا يشوبه شك. فؤادك: قلبك. المعنى: اجعلي إيماني/حبي الخالص يملأ قلبك تماماً، كأنكِ تصبينه صباً. اسجدي: أمر (مؤنث) بالسجود، وهو دلالة على الخضوع والعبادة والخشوع لله تعالى، أو هو سجود شكر على هذا اليقين/الحب. المعنى الإجمالي. الجملة تخاطب امرأة (أو النفس) وتأمرها بأن تملأ قلبها بيقين ثابت، وإيمان خالص (أو حب عميق)، وأن تخضع وتسجد لله شكراً وخضوعاً. “النخيل وطلعها” جملة عربية فصيحة تعني أشجار النخيل وثمارها في مراحل نموها الأولى، حيث الطلع هو الوعاء (الكوز) الذي ينشق ليخرج منه البسر أو الرطب قبل نضجه. تُشير العبارة إلى نخلة التمر، وتأتي غالباً لوصف مشهد جمالي أو طبيعي. معنى البيت “إنّي القبيلة، والنخيل، وطلعها. هذا البيت هو جزء من قصيدة شهيرة للشاعر العراقي بدر شاكر السياب، وتحديداً من قصيدته “غريب على الخليج . (16)

الخلاصة
يعتبر ديوان نداء الطين للشاعر والفنان التشكيلي عبدالرحيم جداية من الاعمال الشعرية التي تستوجب الدراسة والتحليل وربطها بديوانه واعماله النثرية وما كتب عنه حيث أنه يشكل تجربة شعرية تستحق أن تكون مادة اكاديمية تدرس في اقسام اداب اللغة العربية وآدابها نظرا لتميز مفرداته الشعرية وصوره الشعرية التي تمزج ما بين لوحات فنية درامية وصور شعرية تجسد احداث من الواقع، والفن والخيال الشعري. لقد تناول جداية في ديوانه هذا “نداء الطين” معظم اغراض الشعر من غزل ومدح وفخر ورثاء في سياقات مختلفة ومتعددة وابرزها السياقات الغزلية التي غاليا ما يبدا بها قصائده وينهيها بها. ولقد جسد في بعض قصائده احداث واقعية “كالشهيد” و” مشاعل في أرض غزة ” وانفجار ميناء بيروت في قصيدته “بيروت دالية السؤال”. يعتبر جداية من الشعراء الملتزمون بقضايا الشعر. وبتميز شعره الحداثي جعلته من الشعراء المبدعين في تصوير حروف شعرة بصور بلاغية من خلال فكره وفلسفته وايدولوجيته الخاصة التي عبر عنها بهوية شعرية خاصة به ومن خلال قاموسه الشعري الذي استخدمه في سياقات متعددة ومؤثرة. هذا الديوان يعتبر جزء من مسيرة حياة الشاعر عبدالرحيم جداية. ألا انني اجد بعض القصائد في هذا الديوان تمثل تأثر الشاعر بشعراء سابقون من عصور مختلفة (دمشق) (2007 وتنتمي للشر العمودي) وهي اقدم قصيدة في الديوان وآخر قصيدة “اغتيال” (2025 وتنتمي لشعر التفعيلة) وايضا تاثره برساميين عالميين مثل دالي وبيكاسو فاللوحة التشكيلية التي رسمها على غلاف الديوان تعالقت في السياقات مع القصائد التجريدية التي كتبها في بدايات حياته الشعريه ومنها: “لوحة تجريدية “(2014/ عمودية)، “تجريد 1 (الذئبة / تفعيلة) (بلا تاريخ)، تجريد2 (الوقت) (2014 / تفعيلة) ، “تجريد3 (صغيرة)( 2014 / تفعيلة) ، “تجريد 4 “(2014 / تفعيلة). هذه القصاءد عبارة عن لوحات فنية شعرية في غاية الاتقان ,وكنت أود أن يعاد ترتيب القصائد في هذا الديوان ترتيبا زمنياً حتى يتسنى للباحثين والنقاد والشعراء تتبع حياة ومسيرة هذا الشاعر المبدع.

 

الهوامش:
1.عبدرالرحيم مراشدة, تمثيلات الشعرية في النصوص الأبداعية . الشعر في الاردن نموذجاً, وزارة الثقافة, إربد 2022
2. ابراهيم خليل، روايات عربية تحت المجهر, فضاءات للنشر والتوزيع ، عمان 2020
3. موضوع كم
4. عزالدين المناصرة، “علم التناص والتلاص: نحو مشهد عنكبوتي تفاعلي ط1، الهيئة العامة لقصةر الثقافة، القاهرة 2011 .
5. عبدالرحيم جداية , نداء الطين” ، عمان, دار الخليج للنشر والتوزيع، 2025
6. نداء الطين / القصيدة
7.الاستاذ الدكتور ابراهيم الكوفحي في ندوة شعرية بعنوان “قراءة في تجربة عبد المنعم الرفاعي الشعرية في ديوانه المسافر” . رابطة الكتاب الاردنيين فرع اربد 2026.
8. صحيفة عمان, أمسية للشاعر عبدالرحيم جداية في منتدى البيت العربي الثقافي, عمان. 22 ديسمبر . 2021.
9. نقشو،التجريد في الشعر والادب, محاضرة لفرع كتاب حمص , 2020 .
10. محمد عناني، المصطلحات الادبية الحديثة: دراسة ومعجم إنجليزي عربي، مؤسسة هندواي، 2022 .
سلفادور فيليبي دالي ، ويكيبيديا , 2006.
: بحث دلالي متعدد اللغات بهم المحتوى العربي.Kezana AL 11.
12. بابلو بيكاسو, ويكيبيديا، عن الجزيرة نت, 2020.
13. جاسم المطير ، الدكتور قاسم حسين من ركاب سفينة الشعر مظفر النواب ببكاسو الشعر العربي ، جريدة الحزب الثوري العراقي، 2020.
14. محمود درويش, “أثر الفراشة، الديوان نت,
15. أحادي اللون ( monochrome) ، ويكيبديا، 2019 .
16. بدر شاكر السياب ، :غريب على الخليج”، الديوان نت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى