زكريا صبح يكتب بين الواقعى والاسطورى فى عالم كرم الصباغ
قراءة فى مجموعة ممرات بيضاء لغزالة وحيدة

لم يزل الادب مهتما بالثنائية ، فمنها تتشكل عوالمه ، وبها يلعب معنا لعبة المفارقة ، و اليها تصير النتائج المحتملة ، كأننا فى دائرة مغلقة ننتهى من حيث بدأنا ثم نبدأ من حيث انتهينا. ، لكن مع كل دورة نعيش عالما مختلفا ، نعيش حيوات مختلفة ، على ارض مختلفة ، بين ظهرانى اناس مختلفين ، لكنها الثنائية المدهشة بين سماء وارض ، ليل ونهار ، رجل وامرأة ، طفل وكبير ، شر وخير ، فرح وحزن ، صحراء وحدائق ، رمال وغدير ، صباح ومساء ، بكاء وضحك ،
ربما كانت هذه المقدمة تمهيدا لعالم كرم الصباغ السردى
ونبدأ بما هو فنى ،

**ثنائية القصة والرواية
قصة ام رواية ، ريف ام حضر ؟ ربما كان السؤال النقدى الاول الذى يسعى الناقد للاجابة عنه ،ليس من باب الترف الفكرى ، بل من باب ايجاد نقطة البدء المناسبة ، ووصلا بالمقدمة التى تؤكد فكرة الثنائية التى ينتهجها الكاتب كرم الصباغ ، اقول وصلا بذلك فان السؤال الملح بعد ان تفرغ من قراءة النصوص سيكون : هل كنا امام قصص قصيرة ام امام رواية ذات مشاهد قصصية متتالية ، ؟
هل قلت متتالية ؟ ربما ايضا يكون هذا الاحتمال قائما ، واليكم التفصيل .
اذا اكدنا اننا امام رواية بعنوان (ممرات بيضاء لغزالة وحيدة ) فلن نكون مبالغين اذ العالم الذى يتحرك فيه الكاتب عالم واحد محدد هو النجع ، وايضا لسنا فى مبالغة من امرنا اذ الشخوص تكاد تكون محددة بل ومتكررة الظهور ، فاذا اضفنا الى ذلك اننا نكاد نجزم اننا امام فترة زمنية محددة ، عرفناها من خلال اعمار الابطال الذين يتناوبون الظهور على مسرح الاحداث ، هذه الفترة تمتد مابين الطفولة الى الشيخوخة منتهية بالموت ، ، اذن فمن هذه الناحية نستطيع تصنيف العمل بأنه رواية ،
لكن قد يقول قائل : مالم يكتب الكاتب نوع العمل على كتابه واصفا اياه بأنه رواية فليس من حقنا ان نمنحه مالم يمنحه كاتبه ، ولذا لابد من الالتزام بأننا امام مجموعة قصص كما صنفها الكاتب معتمدا على ان كل نص انما هو نص قائم بذاته ، له بطل محدد وزمن محدد وعالم محدد وفضاء نفسي محدد .

ودعنى اقر بذلك ثم اعقب قائلا : فماذا بعد ان تكتشف ان العالم واحد هو النجع وان الشخوص وهى تتحرك تكاد تلحظ تماسهم مكانيا ونفسيا و زمنيا ، ؟
لكن ربما يكون الاحتمال الامثل وهو الوسط بين فضيلتين ( القصة والرواية ) اقصد احتمال كون العمل متتالية قصصية
** ثنائية الشخوص
الكاتب الملتزم ، هو ذلك الكاتب الذى يلزم نفسه بالكتابة عن قضايا وطنه ، عائلته ، اهله ، ارضه التى يحيا عليها ، البشر الذين يراهم ، ويلمس معاناتهم ، وهنا تبرز ثنائية جديدة هى ثنائية الشخوص ، الكاتب هنا نوع بين شخوص العمل فجعل المرأة بطلة مطلقة فى نص مثل ( يد خضراء ) تلك العجوز المباركة ذات الكرامات التى احتجبت عن الناس عندما بالغوا فى كراماتها فاذا الجفاف يضرب النجع ويبقى بيتها اخضر تنتشر فيه الزهور والورود ، ولاحظ معى ثنائية الجدب والخضرة ، الجدب والورود ،
وقصة قراريط النعناع حيث المرأة بائعة النعناع التى اثرت تربية اخوتها وفاتها قطار الزواج ولكن القدر يحنو عليها بفرح فى الجنة ، ولاحظ معى ثنائية الحياة والاخرة وثنائية الزواج والعنوسة
ثم يجعل من الرجل بطلا مطلقا فى كثير من القصص مثل قصة (مرايا النهار) حيث كان البطل يعمل بائعا للكيروسين ثم ورث ابنه عنه هذه المهنة ، وقصة ( درويش ،) حيث رسم صورة لحارس مقام الدرويش ذلك المدعى الذى يستغل الدين فى سرقة الاخرين ولا يتورع عن سرقة المقام نفسه
، وكذا قصة ( مواقيت ) حيث رأينا كيف هجمت المدنية على الريف بمستحدثاتها لتنقرض صناعة سمكرى الوابر الجاز ،
ثم جعل من الرجل والمرأة بطلين لبعض القصص مثل قصة ( دهس النعال ) وقصة (عناق ) وكلتاهما تناقش قضية الفتنة والانتقام اثر خيانة المرأة فى مجتمع النجع
** ثنائية الموت والحياة
قلنا منذ قليل ان فكرة الثنائية فكرة خصبة تمنح الكاتب مساحة كبيرة لصناعة المفارقة فما بالنا اذا كنا امام ثنائية الحياة والموت ، هنا تتضح فلسفة الكاتب الوجودية التى ترى الكون متسقا متكاملا ،وترى الموت وهو يكمل الحياة ، وهنا تهتز لدينا نظرتنا تجاه الحياة والموت ، فلم يعد الموت هو نهاية الحياة بل اصبح بداية لحياة جديدة ، ولذا لا نستغرب ان تنتهى معظم القصص بالموت ،لكنها فى الوقت ذاته تؤكد على بداية حياة جديدة للابطال ، فبائعة النعناع مثلا تموت كمدا على عنوستها لكنها تزف بعد موتها زفافا اسطوريا ، يقول الرواى فى ص ٢٤ :
( احست بالدوار، وشعرت بأ َّن الموت يدنو منها، فهتفت قائلة : كيف أموت، وحياتي لم تبدأ بعد؟! قَّررت ت أن تقاوم إلى آخرنفس؛ لقد بد ت دائما صلبة كجبل أخفى داخل صخوره قلب أنثى يحترق. طرأت فكرة ما على ذهنها؛ فسكبت ماء الَّرَّشاش على ملابسها، وتمَّددت وسط حقلها، وأسلمت نفسها إلى نوم عميق ، بدا ملائما لتعبها الَّشديد. َّمر النَّهار تلو النَّهار، وغشتها الليالي َّتباعا، هي على حالها، تتقلب ذات اليمين، و ذات الشمال ، نمت عيدان النعناع شيئا ،فشيئا حتَّى صارت فرشا وغطاء، ووسط دوائر الخضرة هبطت حوريات من السماء، لمست اكفهن النَّاعمة تجاعيد وجهها فارتَّدت الوردة إلي نضارتها، زيَّنت الحوريات رأس العروس بتا ج منسو ج من عيدان النعناع الخضراء، و بدأ حفل الزفاف؛ فأقبل حبيبها القديم، وأخذ بيدها إلى دا ر دافئة لا تحاصرها الذئاب ليلا ولا تنبح حولها الكلاب نهارا )
هذا نموذج من رؤية الكاتب للحياة والموت ، مالم يدركه الانسان فى حياته سيدركه فى مماته ،عفوا ،اقصد فى حياته الاخرى

** ثنائية اللغة الفصحى والحوار العامى
لكل كاتب منهجية ابداعية تظهر اوضح ما تظهر فى لغته ، ولأن اللغة هى اساس النص السردى وعليها يقوم البناء السرد كله فان لكل كاتب فلسفته الخاصة باللغة ، فمنهم من يفضل السرد فقط متجاهلا الحوار ، ومنهم من يجعل من الحوار محورا لنصه ومنهم من يمزج بين الطريقتين ، فيجعل السرد متنا والحوار هامشا يدعم الفكرة ويطورها ،
ونحن هنا امام كاتب يقدس السرد مبتعدا قدر امكانه عن الحوار ، ولذا نراه فى معظم النصوص يعتمد الراوى العليم راويا مفضلا له لأنه قادر على سرد الحكاية من دون الحاجة الى حوار ، ثم ان الكاتب يقدس الفصحى التى تناسب السرد ، وربما هذا ما يفسر قلة الحوار او ندرته فى النصوص ، فجاءت نصوصه فى لغة عربية فصيحة رائقة رشيقة ، لا يمل القارئ من ايقاعها ومفرداتها ، وتراكيبها واستعاراتها ، وربما تتضح جماليات اللغة من خلال الاتى
** ثنائية التقرير والتصوير ،
الكاتب المجيد هو ذلك الذى يجعل من نصه لوحة مرئية ، ويكون القارئ كالناظر لها فى معرض كبير ، بيد ان النص السردى وهو يحيل عالمه المكون من لغة الى صورة فانه يبث فيها حياة وحركة ، وهنا تبرز قيمة التصوير على حساب التقرير ،
نحن امام كاتب يعى وظيفة الفن السردى فنراه يكتب نصوصه كأنها لوحات مرسومة مصورة بالقلم ، انظر معى وهو يقول فى ص ٢٥ من قصته ( امطار الناى ) : عربة تجرها خيول جامحة ، تنهب الارض بسرعة البرق ، فيعلو الغبار ، حوذى صارم القسمات ، يطوح طرف سوطه فى الهواء ، ويلهب ظهور احصنته الثلاثة الصاهلة ، )
هل نحن امام لوحة ؟ اظنك تقول نعم ، وهذا مبعث الاعجاب بهذه النصوص التى جعل من لغتها فرشاة قادرة على التصوير ، وجعل من لغتها الفصحى صورة متحركة ما كان للهجة العامية ان تسعفه فى ذلك
ثنائية الخيالى والواقعى
الفن ليس نقلا عن الواقع نقلا مباشرا ، بل هو احالة الواقع الى واقع جديد ( كأنه هو ) اى كأنه الواقع المعاش ولكنه ليس هو ، ولا يستطيع الكاتب فعل ذلك من دون خيال محلق ، ولذا كل من سيقرأ النصوص سيتأكد انه امام ( نجع ) ولكن اى نجع ؟ الكاتب لم يحدد له اسما ، ولسنا فى حاجة لذلك ، فهو نجع جديد يشبه نجعا ما ، والشخوص كأننا نعرفها ، كأننا رأيناها من قبل ، ولكنها ليست هى على وجه الدقة ، ولأن خيال الكاتب كان خصبا وعبر مقدرته اللغوية القادرة على التصوير فانه استطاع خلق عالم يشبه الواقع ، وعبر الخيال تلاعب بنا وحول من نظنه واقعى الى سحرى او اسطورى ( الواقعية السحرية ) اذ نرى الملائكة وقد التحمت بالبشر لأنقاذهم ، ونرى كائنات الكون من عصافير و زهور وسماء وقد تكاتفت لاسعاد هذه الشخوص المتعبة ،
اذن هى الثنائية التى نجح الكاتب فى التوفيق بين مكوناتها ( الواقع والخيال ) لنكون امام نصوص تصلح لأن تكون انسانية تخص البشرية فى عمومها ولا تقتصر على اهل نجع بعينه
** ثتائية الواقعى والرمزى ، والفلسفى والصوفى
اعتاد القارئ ( كل القراء ) اذا ما وجدوا انفسهم امام النص ( كل نص ) ان يقرروا بشأنه امرا ما ، هل كنا امام نص واقعى ام كنا امام نص رمزى ؟ فاذا كان الكاتب ينقل عن الواقع _ بشكل فنى _ لا يبتغى الا العظة والعبرة او بث الحياة فى شخوص مهمشة اراد لها الخلود على صفحات عمله ، اقول اذا كان هذا هو هدف الكاتب فنحن بلا شك امام نص واقعى ، لكن اذا اراد الكاتب لنصه ان يكون رمزا ، لا يكون الواقع فيه مقصودا لذاته فانه سيكون حريصا على تجريد نصه من المباشرة الى افق الرمز الذى يحتاج من القارئ ان يعمل فيه العقل لفك شفرته واعادة تأويله ، وكرم الصباغ فى نصوصه زاوج بين الصنفين فهناك نصوص تبدو شديدة الواقعية مثل نص مرايا النهار ، والحجالة ، ودماء طازجة ، قراريط النعناع وغيرها من النصوص التى نلمس فيها روح الواقع الذى حاول فيه الكاتب _ وقد نجح نجاحا كبيرا _ ان يبث الروح فى شخوص كادت الحياة ان تنساها الحياة ،بينما نجد قصصا يغلب عليها الرمز مثل قصة( امطار الناى ) ، فنحن امام شخصية ضبابية ، بدون اسم ، لكنه ربما يبدو كاتبا او فنانا ، ،
يسمع البوق الذى يطلقه الحوذى ، فيسرع البطل للملمة اوراقه قبل الرحيل
السنا امام رموز ؟ ، اليس الحوذى بعربته رمزا للموت ؟ ، اليس البطل وأوراقه رمزا للانسان الحى الذى ينتظر الموت فى كل لحظة ؟ ، ثم بعد الانتهاء من النص سيداخلنا شعور انه _ اى الكاتب_ كان يجرد لنا رحلة الحياة من الميلاد الى الممات ثم البعث ،
ومن النصوص التى تتسم بالرمزية كذلك نص ( شجرة )
** اما ما قصدته من ثنائية الفلسفى والصوفى ، فهناك من هذه النصوص ما يشى بأنه نص فلسفى محض ، يعبر فيه الكاتب عن فلسفته وموقفه الوجودى من الحياة والموت مثل نص (خد السحاب ) حيث يؤكد الكاتب ان الانسان ليس ابن الارض بل ابن السماء ، وهو هنا يقصد ان الانسان ليس ابن الارض فى سفليتها وسفليته بل ابن السماء فى رفعتها وطهارتها ، الانسان غريب على الارض ، الارض تصرعه وتشتهى دمه ، الارض فخ له ، بينما السماء ترحب به وتعيده الى انسانيته
فاذا ما جئنا الى النصوص التى يغلب عليها الطابع الصوفى ، فاننا نؤكد ان الروح الصوفى تتغلغل فى معظم النصوص ، لكن هناك بعض النصوص التى ما كان دافع كتابتها الا التحليق فيما وراء المادة ، والسباحة مع الروح فى ملكوتها ، مثل نص يد خضراء ونص سندس الطيبين ، وربما اتضح المعنى الذى قصدته من العنوان ، فالاخضر هو اللون المفضل للصوفية ، والسندس ينتظر كل من سار فى الطريق وصار الى الله ليجد السندس فى انتظاره
**ثنائية المنفصل والمتصل
هذه الثنائية تتصل بالبناء السردى ، فقد لاحظنا فى هذه المجموعة ان القصص جاءت بين نصوص متصلة بلا فواصل او تقسيمات او غير مقطعة الى مقاطع مرقمة وهما فى الحقيقة ثلاثة نصوص فقط من اجمالى اربعة وعشرين نص ، هذه النصوص الثلاثة التى جاءت متصلة هى فراشات بالية ، قراريط النعناع ، جمل وجمال ،
ثم جاءت بقية النصوص مقسمة الى مقاطع لكل مقطع رقم ، فجات بعضها فى ثلاثة مقاطع واخرى فى اربعة مقاطع واخرى فى خمسة مقاطع ثم بعضها فى ستة مقاطع ونص وحيد جاء فى سبعة مقاطع وهو نص دهس النعال ،
وهذا الشكل البنائى قليل الاستخدام فى القصة القصيرة باعتبارها دفقة سردية واحدة لا تحتاج الى مثل هذه الوقفات ، وربما كانت هذه التقسيمات هى ما تؤكد رأينا الذى سقناه انفا من ان هذا العمل ليس الا رواية مقسمة الى مشاهد سردية كبيرة لكل مشهد عنوان ثم جعل لكل مشهد كبير بعض اللقطات السريعة ( shots ) ، وهذا من شأنه عدم الاحساس بالزمن الذى طال فى بعض القصص حتى يخيل لنا اننا كنا امام مسيرة حياة كاملة ، لكن لأنه قسمها فقد خدعنا الكاتب وتماهينا مع الخدعة ، لكن فى الاخير تلتئم كل هذه المشاهد لتكون لنا لوحة كبيرة ، جدارية عملاقة تحكى لنا حكاية النجع وما جرى فيه وما جرى له
** فى النهاية اقول ، اننا كنا امام عمل يتكئ على الواقع بقدمين ويحلق فى الخيال برأس ، كأننا كنا امام عملاق اسطورى تكون امام اعيننا كلما انتهينا من نص اتضحت معالمه شيئا ما حتى اذا ما فرغنا من القراءة ، وجدنا انفسنا نغادر نجعا ما بكل شخوصه وصراعاته الدرامية ، ولحظاته الانسانية .





