من أنا بقلم/ شريف عبد الوهاب
من أنا
بقلم/ شريف عبد الوهاب
وكيل وزارة الإعلام
كان يظن أن أكبر أزمات الحياة هي ارتفاع الأسعار،
ثم اكتشف ـ متأخرًا ـ أن المشكلة لم تكن في الأشياء التي يشتريها،
بل في الإنسان الذي أصبح مطلوبًا منه أن يدفع ثمن كل شيء… حتى حقه في الطمأنينة.
استيقظ ذات صباح على خطاب من اتحاد الملاك.
العمارة العتيقة التي عاش فيها سنوات عمره فقدت بريقها،
والسكان مطالبون بالتبرع لترميم الواجهة والمصعد والمدخل.
تأمل الجدران المتشققة طويلًا،
وشعر أن العمارة تشبهه على نحو مخيف؛
كلاهما يشيخ بصمت،
وكلاهما يتماسك بصعوبة،
وكلاهما يُطلب منه أن يدفع حتى لا ينهار.
خرج من بيته هاربًا من التفكير،
فمرّ بالنادي ليسدد الاشتراك ويجلس قليلًا،
كمن يبحث عن هدنة قصيرة مع الحياة.
لكن لافتة ضخمة استوقفته:
“تبرعوا لتجديد حمام السباحة والحدائق وشراء مزيد من الكراسي حتى يعود بريق ناديكم.”
ابتسم في مرارة.
حتى راحة البال أصبحت مشروعًا استثماريًا يحتاج إلى مساهمين.
جلس يتأمل الوجوه حوله،
فاكتشف أن البشر لم يعودوا يعيشون كما كانوا،
بل صاروا يجرون خلف التزامات لا تنتهي؛
أقساط… فواتير… اشتراكات… تبرعات…
وكأن الإنسان الحديث لم يعد كائنًا حيًا،
بل ماكينة دفع متنقلة.
عاد إلى البيت، فاستقبلته زوجته بأوراق المدرسة.
زيادة جديدة في المصروفات،
وتبرعات إضافية “للارتقاء بمستوى التعليم”.
قرأ العبارة طويلًا،
ثم سأل نفسه:
كيف أصبح الارتقاء نفسه مشروعًا يُباع بالتقسيط؟
ومتى تحولت المعرفة من نورٍ يحرر الإنسان… إلى خدمة إضافية تُضاف على الفاتورة؟
رنّ هاتفه.
رسالة تطلب التبرع لطفل مريض.
ثم اتصال من مستشفى.
ثم رابط لجمعية خيرية.
الجميع يطلبون التبرع…
ثم رسالة على “واتساب” من القرية الساحلية التي يمتلك فيها وحدة صغيرة اشتراها بالتقسيط من خلال الجمعية التعاونية للإسكان التابعة لعمله:
تبرع لرفع قضية ضد المطور العقاري…
وتبرع لحل أزمة المياه…
وتبرع لتنظيف الشاطئ.
أغلق الهاتف،
لكنه أدرك أن العالم لم يعد يسكن خارجه فقط،
بل اقتحم جيوبه وأعصابه وروحه.
حتى البحر…
ذلك الكائن الأزرق الذي كان يذهب إليه ليغسل تعبه،
أصبح هو الآخر يطلب تبرعًا حتى يظل أزرق.
وفي يوم الجمعة، قرر أن يذهب إلى المسجد.
قال لنفسه:
“هناك فقط سأجد شيئًا لا يُطلب فيه مقابل.”
جلس منصتًا إلى الخطيب وهو يتحدث عن الرحمة والسكينة والزهد في الدنيا.
شعر بشيء من الطمأنينة يتسلل إلى قلبه،
كأن الكلمات تربت على روحه المتعبة.
لكن قبل انتهاء الصلاة،
أمسك الإمام بالميكروفون وقال بصوت هادئ:
“ولا تنسوا التبرع للمسجد… فهناك توسعات ومصاريف كثيرة.”
هنا فقط رفع الرجل رأسه إلى السماء.
لم يغضب.
لم يسخر.
بل شعر بشيء يشبه الانكسار النبيل؛
ذلك الانكسار الذي يصيب الإنسان حين يكتشف أن العالم كله تحول إلى يدٍ ممدودة.
مدّ يديه بالدعاء وهمس:
“يارب…
الجميع يطلبون مني أن أتبرع لهم…
فمن يتبرع لي بقليل من الطمأنينة؟
من يسدد عجز الروح حين تُرهقها الحياة؟
ومن يعيد للإنسان شعوره بأنه ليس مجرد محفظة تمشي على الأرض؟”
وفي تلك اللحظة أدرك الحقيقة الأكثر قسوة:
أن الفقر الحقيقي ليس نقص المال…
بل أن يعيش الإنسان عمره كله ممولًا لكل شيء،
إلا قلبه.
وأدرك أيضًا أن مأساة العصر ليست في غلاء المعيشة فقط،
بل في أن الإنسان فقد معناه وسط زحام الأشياء.
فالمدن تكبر…
والأبراج ترتفع…
والإعلانات تملأ السماء…
لكن الروح الإنسانية تنكمش بصمت.
لقد أصبح الإنسان يعرف ثمن كل شيء…
لكنه ينسى قيمة نفسه.
ومن هنا جاء السؤال الذي ظل يطارده في آخر الليل:
من أنا؟
هل أنا ذلك الكائن الذي يحلم ويشعر ويتألم؟
أم مجرد رقم حساب…
ومحفظة نقود…
وممول دائم لعالم لا يشبع؟
وعندما لم يجد إجابة…
أدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان،
ليس أن يفقد ماله…
بل أن يفقد نفسه دون أن ينتبه.



