أخبار عاجلةأراء حرةالرئيسية

فاتن صبحي تكتب إبداع العتبات وجماليات البنية والمفارقة

قراءة في مجموعة "حدث مألوف" للدكتور مصطفى عطية جمعة

يفتتح الدكتور مصطفى عطية جمعة مجموعته القصصية “حدث مألوف” بإهداء بالغ الدلالة: “إلى البسطاء… أولئك القانعون بعطاء الله الراجون مرضاته. “ويمثل هذا الإهداء المفتاح الأول لقراءة مشروعه السردي فهو يعلن منذ البداية انحيازه إلى الإنسان البسيط الذي قد لا يتصدر الأحداث الفارقة لكنه يصنع المعنى الحقيقي للحياة بقناعته ورضاه وإيمانه وأثره الصامت فيمن حوله. لذلك لا تبدو شخصيات المجموعة اختيارًا عابرًا وإنما امتداد طبيعي لهذا الإهداء حيث ينتمي معظمها إلى عالم الناس العاديين الذين تتحول تفاصيل حياتهم اليومية إلى مادة للسرد وتصبح مواقفهم البسيطة مدخلًا لاكتشاف القيم الإنسانية الكبرى.
ولا ينفصل هذا الإهداء عن عنوان المجموعة بل يبدو وكأنه يمهد له. فإذا كان الإهداء قد انحاز إلى البسطاء فإن عنوان “حدث مألوف” ينحاز إلى تفاصيل حياتهم اليومية وإلى المواقف التي يمر بها الناس دون أن يلتفتوا إلى ما تنطوي عليه من دلالات. ومن ثم تتكامل عتبتا الإهداء والعنوان في الكشف عن رؤية دكتور مصطفي عطية التي تجعل من الإنسان العادي ومن تفاصيل حياته البسيطة منطلق لبناء عالمه السردي.
ومن هنا يكتسب عنوان المجموعة دلالته العميقة فالمؤلف لا يبحث عن الوقائع النادرة أو المواقف الصاخبة وإنما يلتقط حدثا عابرا أو مشهدا اعتادت عليه العين حتى كادت تفقد الإحساس به ثم يعيد تشكيله سرديًا ليكشف ما يخفيه من أبعاد إنسانية واجتماعية ونفسية. ولذلك لا يصبح العنوان اسمًا لإحدى القصص فحسب بل يصبح عنوان للمشروع كله لأن جميع النصوص تنطلق من وقائع تبدو مألوفة لكنها تنتهي إلى مفارقة تكشف أن ما اعتدناه قد يكون أكثر الأشياء احتياجًا إلى إعادة النظر.
ولم يكن اختيار كلمة “حدث” بديلا عن كلمة قصة أو حكاية اختيار عابر بل يعكس وعيًا بطبيعة هذا الفن فالحدث لحظة خاطفة لكنها قادرة على أن تختزن حياة كاملة إذا وقعت في يد كاتب يمتلك حس الالتقاط أما وصفه بـالمألوف فيحمل مفارقة لافتة حيث يؤكد أن الأدب لا يحتاج إلى غرابة الواقع حتى يدهش وإنما يحتاج إلى عين ترى الاستثنائي فيما يظنه الجميع عادي.
ويأتي تقسيم المجموعة إلى “نفحات، لطمات، لثمات” ليؤكد أن المؤلف لا يرتب نصوصه ترتيبا شكليا وإنما يبني رحلة وجدانية وفكرية متكاملة. فالنفحات توقظ الروح وتفتح أبواب التأمل واللطمات تواجه الإنسان بما في الحياة من اختبارات وانكسارات أما اللثمات فتخفف وطأة تلك المواجهة وتعيد الاعتبار للقيم التي تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار. وهكذا يبدو التقسيم جزء من البناء الدلالي للمجموعة وليس مجرد وسيلة لتنظيم القصص.

 

ولا تقل عناوين القصص أهمية عن هذا التقسيم فهي عنصر فاعل في تشكيل المعنى. فكثير منها يأتي في كلمة واحدة أو عبارة موجزة لكنها تختزن الفكرة المركزية للنص ثم يأتي السرد ليكشف أبعادها أو يوسع دلالتها أو يقلب توقعات القارئ تجاهها. كما ترتبط عناوين القصص بعنوان القسم الذي تنتمي إليه وتتضافر جميعها مع عنوان المجموعة لتؤكد أن كل قصة تمثل وجهًا من وجوه الحدث المألوف الذي يتحول في النهاية إلى كشف إنساني يتجاوز حدود الموقف العابر إلى أفق أوسع من التأمل.
وإذا كانت العتبات الأولى قد كشفت عن وعي الكاتب بوحدة مشروعه السردي فإن متن المجموعة يؤكد هذا الوعي من خلال اختياره فن القصة القصيرة جدًا لا باعتباره شكلًا أدبيًا فحسب؛ وإنما لأنه الأقدر على التعبير عن رؤيته. فالمؤلف لا يعنيه تتبع الأحداث الممتدة ولا استقصاء التفاصيل الكثيرة بل يلتقط لحظة تبدو عادية في ظاهرها ثم يسلط عليها ضوءًا كاشفًا فتتجاوز حدودها المباشرة لتصبح مرآة للإنسان وللمجتمع ومن هنا لا تبدو نصوص المجموعة حكايات مكتملة بقدر ما تبدو لقطات إنسانية كثيفة تختزن في كلمات قليلة تجربة كاملة وتترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل واستنباط ما لم يصرح به النص.
ويتجلى ذلك في الطريقة التي يبني بها الكاتب قصصه، فهو يبدأ من زاوية ضيقة قد تكون كلمة أو نظرة أو موقف يومي عابر ثم يترك هذا المشهد الصغير يتسع في وعي القارئ دون حاجة إلى الإسهاب.
فلا وجود لوصف مطول ولا لشخصيات كثيرة ولا لأحداث متشابكة لأن كل كلمة تؤدي وظيفة محددة وكل جملة تحمل جزء من الدلالة حتى يصبح الاقتصاد في اللغة مصدر لثراء الدلالة والصمت بين الجمل شريك في إنتاج المعنى.
ولا يقتصر هذا التكثيف على المتن بل يمتد إلى العناوين التي تأتي في معظمها مفردة أو شديدة الإيجاز لكنها تجسد جوهر النص. فالعنوان لا يكتفي بالإشارة إلى القصة بل يدخل في حوار معها فيوجه أفق التوقع لدى القارئ ثم يعيد السرد تشكيل هذا التوقع أو يقلبه فيعود القارئ إلى العنوان بعد النهاية وقد اكتشف فيه معنى جديد لم يكن حاضر عند البداية.
أما النهاية فهي ليست خاتمة تقفل الحدث، وإنما اللحظة التي يعاد عندها تأويل النص كله. فالمفارقة في هذه المجموعة ليست وسيلة للدهشة المجردة وإنما هي القلب النابض للسرد لأنها تنقل القارئ من ظاهر الحدث إلى باطنه ومن الحدث العابر إلى دلالته الإنسانية. ولهذا تبدو كل قصة وكأنها تبدأ من المألوف لكنها تنتهي إلى كشف غير مألوف وهو ما يجعل عنوان المجموعة معبرًا عن فلسفة الكتابة نفسها وليس عن قصة بعينها.
وتتأكد هذه الرؤية إذا قورنت بعض نصوص المجموعة بما يقابلها في المجموعة القصصية “قلة ونعناع” وبخاصة قصتي “فستان زفاف” و”غصة”. فالفكرة الأساسية في القصتين تكاد تكون واحدة لكن طريقة معالجتها تختلف باختلاف الجنس الأدبي. ففي “قلة ونعناع” أفسح الكاتب المجال لتنامي الحدث وتطور الشخصيات والتفاصيل السردية التي تمنح القارئ متعة الرحلة بينما أعاد في “حدث مألوف” بناء الفكرة ذاتها وفق منطق القصة القصيرة جدًا فاختزل الزمن واستبعد كل ما لا يخدم اللحظة المحورية، وجعل النهاية بؤرة تتجمع عندها جميع خيوط النص. وهنا لا نكون أمام اختصار لقصة طويلة وإنما أمام إعادة تشكيل للفكرة في بنية سردية جديدة وهو ما يكشف وعي الكاتب بخصائص كل جنس أدبي وقدرته على تطويع الفكرة الواحدة بما ينسجم مع أدواته وإيقاعه.
ومن خلال هذا الاختيار الواعي يؤكد المؤلف أن القصة القصيرة جدًا ليست كتابة مختصرة، وإنما كتابة أكثر صعوبة لأنها تقوم على الاقتصاد في اللغة ودقة الالتقاط وحسن اختيار اللحظة والقدرة على صياغة كلمات تستوعب معاني كبيرة في بناء لغوي موجز. ولهذا جاءت نصوص المجموعة متماسكة تحمل كل واحدة منها عالما كاملا، لكنها في الوقت نفسه تتساند مع غيرها لتشكيل رؤية إنسانية واحدة

وتتجلى وحدة المشروع السردي بصورة أوضح عندما تُقرأ نصوص كل قسم في ضوء الفكرة التي تنتظمها. فالتقسيم الذي اختاره المؤلف ليس تقسيمًا شكليًا بل يكشف عن مسار وجداني وفكري تتكامل حلقاته
ففي قسم “نفحات” تبدو النصوص أقرب إلى لحظات إشراق تتسلل إلى النفس بهدوء؛ لتوقظ فيها معاني الرضا والصبر والتأمل. ففي قصة “ابتلاء” لا يقف الكاتب عند المحنة بوصفها معاناة وإنما يكشف كيف يستطيع الإنسان أن يحولها إلى باب يفضي إلى الرضا والتسليم فتصبح الشدة وسيلة لاكتشاف قوة النفس و ليست سبب لانكسارها. أما قصة “جدران” فتتجسد فيها الغفلة عن أقرب الناس حتى تتحول إلى جدران نفسية صامتة لا تهدمها إلا لحظة الوعي واستعادة دفء الأسرة.
ثم ينتقل القارئ إلى “لطمات” حيث تتغير النبرة ويصبح الإنسان في مواجهة مباشرة مع ما يكشف هشاشته أو يختبر قيمه. ففي قصة “نرجسية”
يرصد الكاتب تضخم الأنا حين يختزل البطلُ فرحةَ المولود في امتداد اسمه؛ فتغدو النعمة وسيلة لتمجيد الذات. وفي قصة” رُقي” التي تتناول تجربة مرض السرطان لا يتحول المرض إلى محور للسرد، وإنما يصبح نافذة يطل منها الكاتب على الإنسان وهو يواجه ضعفه ويعيد ترتيب أولوياته ويكشف قيمة المساندة والصبر والإيمان. وهكذا لا يقدم المرض بوصفه نهاية بل بوصفه تجربة تكشف معادن البشر وتبرز ما في النفس من خوف ورجاء في وقت واحد.
أما ” لثمات” فتأتي كأنها استجابة لكل ما سبقها إذ لا تنكر قسوة الواقع لكنها ترفض أن يكون هو الكلمة الأخيرة. ففي قصة “حدث مألوف” يبدأ السرد من مشهد اعتاده الناس حتى فقدوا حساسيتهم تجاهه ثم يفاجئ القارئ بما يكشفه هذا الاعتياد من خلل في الوعي الإنساني، ليؤكد أن أخطر ما يواجه المجتمع ليس الخطأ ذاته وإنما الاعتياد عليه. وفي قصة “المظلة” تتحول أداة بسيطة إلى رمز للعطاء المتبادل حين تنتقل من شخص إلى آخر مصحوبة بوصية أن تمنح لمن يحتاجها فتصبح المظلة رمز لتداول الخير بين الناس وليست مجرد وسيلة لاتقاء المطر. وتمضي “التذكرة” و”الوصية” و”صبحك الله بالخير” في الاتجاه نفسه لتؤكد أن الكلمة الطيبة والوفاء والإيثار ومساعدة الآخرين ليست مواقف عابرة بل قيم قادرة على ترميم ما تصدع في العلاقات الإنسانية.
ومن خلال هذا التنوع لا تتبدد وحدة المجموعة بل تزداد رسوخًا فالنفحات تهيئ النفس واللطمات تختبرها واللثمات تداويها. وهكذا تتحول الأقسام الثلاثة إلى مراحل في رحلة واحدة لا تنتهي بانتصار الألم ولا تكتفي بالاحتفاء بالخير وإنما تؤمن بأن الإنسان مهما أثقلته الحياة يظل قادر على أن يجد في داخله ما يعيده إلى الاتزان وأن يمنح غيره ما يعينه على مواصلة الطريق.
ولا يقف المشروع السردي للمؤلف عند حدود التأمل في النفس الإنسانية بل يتسع للمجتمع بكل ما يعتريه من قضايا وتحولات غير أن هذه القضايا لا تطرح في صورة مباشرة أو خطابية وإنما تتشكل من داخل الحدث نفسه فتبدو جزء من نسيج السرد لا فكرة مفروضة عليه. ولهذا يجد القارئ نفسه أمام موضوعات تمس حياته اليومية كالمرض والحرب وتفكك العلاقات والأنانية والشيخوخة وهي هنا ليست كحالة عمرية بل كحالة إنسانية تختلف دوافعها وصورها من قصة لأخرى، مثل التعليم والتكافل والرضا وصلة الإنسان بربه، وجميعها تُقدَّم عبر مواقف إنسانية نابضة تجعل الفكرة تُدرَكُ بالإحساس.
ومن اللافت في هذا المشروع أن المؤلف مهما اقترب من الألم لا يترك القارئ أسيرا له. فهو يكشف مواطن الخلل لكنه يفتح في المقابل باب للأمل ويقدم نماذج إنسانية مضيئة وكأنه يؤمن بأن وظيفة الأدب لا تقتصر على تشخيص الواقع بل تمتد إلى استنهاض ما في الإنسان من خير. ولذلك تحضر الرحمة والإيثار والوفاء والرضا والتكافل في قصصه بوصفها أفعال قابلة لأن تمارس وليست شعارات.
ويتجسد هذا المسار في عدد من نصوص المجموعة ففي المظلة يتحول العطاء إلى رسالة تنتقل من إنسان إلى آخر وفي التذكرة يصبح المعروف البسيط أثرا يمتد ويتجدد بينما تؤكد الوصية أن القيم التي يغرسها الآباء في نفوس أبنائهم تظل حية قادرة على أن تنبت من جديد كلما وجدت من يرعاها. وفي القصص التي تواجه القارئ بواقع مؤلم، كما في قصص المرض أو الحرب؛ يظل الكاتب حريصا على أن يضيء الجانب الذي يمنح الإنسان القدرة على الصمود فلا يكون الألم نهاية الحكاية؛ بل بداية لاكتشاف معنى أعمق للحياة.
ويبلغ هذا المسار الإنساني ذروته في قصة “الضحكة الحلوة” حيث تختزل القصة مأساة الحرب في لحظة إنسانية خاطفة؛ في امرأة فلسطينية تقف أمام بيتها الذي صار ركامًا، غارقة في حزنها فيطلب منها مصور صحفي أن تبتسم ليلتقط لها صورة. ومن هذه المفارقة الموجعة يصنع الكاتب صورة تتجاوز حدود المكان والزمان فالابتسامة ليست إنكار للفقد وإنما إعلان عن بقاء الكرامة الإنسانية رغم الخراب. وهكذا لا يكتب عن الحرب بوصفها حدث سياسي بل عن الإنسان وهو يحاول أن يحافظ على إنسانيته وسط كل ما يدفعه إلى الانكسار.
ولا يكتفي الكاتب بإثارة هذه القضايا بل يوازن دائمًا بين تشخيص الخلل وتقديم النموذج المضيء. فإذا كشف أثر الأنانية قدم في المقابل الإيثار وإذا عرض قسوة المرض أبرز الصبر والتماسك وإذا اقترب من أوجاع الحرب استحضر الكرامة والأمل، وإذا رصد برود العلاقات الإنسانية؛ أضاء قيمة الكلمة الطيبة والتكافل. ومن هنا تبدو الشخصيات الإيجابية في قصصه جزء أصيل من مشروعه السردي وليست حضورا عابرا، لأنها تمثل النموذج الذي يسعى إلى ترسيخه في وجدان القارئ مؤمنًا بأن الأدب لا يغير الواقع بالمواعظ وإنما بما يتركه في النفس من أثر يدفعها إلى مراجعة ذاتها والإيمان بأن الخير مهما بدا بسيط يظل قادر على صناعة الفرق.

فاتن صبحي – ناقدة مصرية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى