أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

أ. د. نجيب أيوب يكتب في ضجيج العولمة.. الأدب المقارن من زاوية أخرى

 
 
 
     لا يختلف اثنان على أن العولمة معنى إنسانيٌ راقٍ وجميل و…..، لكن المُراقب لحراكاتها الأخيرة وتداعيات هذه الحراكات ونتائجها منذ الحربين العالميتين (الأولى والثانية)، يلاحظ أن أرباب فكر العولمة يستهدفون هيمنة ما لأطراف ما، ويحاولون فرض وصاية هذه الأطراف على شعوب الأرض، كي تفرض صيغًا ثقافية جديدة وترسم خرائطَ جديدةً وجائرةً لأقاليم الأرض، تتناسب مع أهداف هذه الهيمنة ومصالحها، التي تحكمها أدوات القوى الحربية والحصار بالسلاح وبالاقتصاد، وبتدفقات المعلومات التي تغرس الفتن والشقاقات بين الجماعات والشعوب.
تُستخدم في سبيل ذلك كل أدواتُ فرض الاحتياجات من دوافع المصالح الفردية والطائفية، لتتماشى مع الغرائز ونزوات الأفراد والمجتمعات، نحو الأنانية وتقوقع الذوات في دوائرها الصغيرة والضيقة، وتنتشر بالتالي النزاعات العرقية الإثنية وتظهر الصدوع الثقافية، وتنتعش الدعوات الشعوبية والانتماءات الطائفية والمذهبية (من إزكاء صراعات العرق والسلالة والدين) ويغرق العالم في أفكار العنف والإرهاب وممارساته الهَدَّامة، وبدلا من الاستفادة من منجزات التكنولوجيا وسيولتها المعلوماتية وتدفقاتها السريعة والذكية، في رفع شأن العلم وسد الفجوات بين شعوب الأرض، بإرساء قيم الإنسانية الراقية والنبيلة من الأخُوَّة البشرية واستيعاب التعددية وقبول الآخرين، مالت العولمة ميلتها الكبيرة المُنحازة والواضحة وتخلت عن ردائها الأخلاقي المُعلَن والمنشود، لنرى لزوجةً في تدفقات قيم التآخي الإنساني العام، وظهور النعرات التطييفية وترعرعها بشكل يستدعي الانتباه والتوقف مليًا، وإعادة النظر في توظيف كل إمكاناتنا ومعارفنا العامة والمتخصصة، لسد الفجوة وردم الهُوَّة بين شعوب الأرض بما فيها الفنون والآداب و(الأدب المقارن على وجه خاص) والذي يمكن توظيفه كلحمة بين شعوب إقليم الشرق الأوسط، الذي يعاني مما ذكرناه سلفا من ويلات العولمة الحديثة والمعاصرة.      
فــ(الأدب المقارن) من أهم حقول الدراسات الأدبية عامةً، ويُعد مؤخرًا من بين أكثر العلوم الإنسانية الحديثة والمعاصرة جذبا لاهتمام المعنيين بعلاقات شعوب الأرض وأعراقها، حيث يمتلك دورا فاعلا في إزالة الحواجز القُطرية واللغوية والحدود الاستراتيجية التي فرضتها السياسة بين الأمم، بالإضافة إلى ما فرضته العوامل الديموجرافية المستجدة في العزل بين شعوب العالم.
   فإذا كانت الدراسات الإنسانية تستهدف دورا محوريا في تفكيك بِنَى الكراهية واستعادة بناء جسور التواصل بين شعوب الأرض التي عانت طويلا من نزاعات سياسية وعرقية وعقائدية، لتقيم صروحا بحثية تُعنَى بفَهم الشعوب بعضُها البعض، وتتجاوز صِيَغَ التمييز النمطية التي سادت لعصور طويلة بين شعوب هذا الكوكب، بدوافع من صُعار السيطرة الاستعمارية المهيمنة مع أطماع الاستحواز الاقتصادي على الموارد والثروات. وقد أخذت هذه الصروح البحثية على عاتقها البحث في مجالات: (الأنثروبولوجيا الثقافية المقارنة، ودراسات الذاكرة الجمعية وأبحاث التاريخ الموحد، ونظرية الاتصال المشترك من خلال علم النفس الاجتماعي، مع الاستعانة بأنشطة اللسانيات الحديثة التي اتخذت، الترجمةَ جسرًا يربطُ عائلات اللغات المختلفة وفصائلها المتعددة) وكانت من ثمار هذه العلوم وتلك المجالات البحثية المرجُوَّةِ، كانت تقوية الأواصر التي تبدأ معرفيةً، لتتطور وتفكك الأساطير التي تزرع الكراهية وتبرر العداوات بين الشعوب الشقيقة من حيث الأصل التاريخي، لتضع الأجندات الممنهجة التي تقاوم عوامل الفُرقة والتباعد. والعلاقة التاريخية الموروثة بين ثقافة الأمة العربية وأخواتِها من ثقافات الشرق الإسلامي، والتي تمثلت في قوميات: (الفرس والترك والكرد والأورد والبشت والهنود…….إلخ) هذه القوميات التي وإن كانت تشكل هُويَّات تعددت في سَمْتِها اللغوي والثقافي والقومي، إلا أنها تجتمع جلُّها على هوية مشتركة، ألا هي الهوية الإسلامية التي غرستها الديانة الحنيفية التي كانت في جوهرها ذاتا حضاريةً ذات ثقافة مُتحايثة في سيرورتها عن غيرها من الذوات الثقافية الأخرى على مر تاريخ البشر، هذه الذات تمثل عاملا يجمع بين هذه الثقافات والثقافة العربية، الأصل المؤسس للكيان المُسمى بــ(الشرق الأدنى أو الأوسط) والذي يتجلى واضحا في لغات هذه الشعوب وعاداتها وتقاليدها وآدابها الرسمية والشعبة، وهذا يمثل داعيا إلى تبني نظرة توجيهية مختلفة، لآليات الأدب المقارن إلى الزاوية الأحرى بالاهتمام والمقارنة، بين الظواهر الإبداعية لدى الأجيال المتتابعة من أبناء هذه القوميات – كي يتحقق ما أشرنا إليه في صدر هذه المقالة – فالأدب المقارن يبحث في طيَّاته الروابط والتفاعلات والتأثيرات المتبادلة بين الآداب العالمية المختلفة، وبالتالي يلفت أنظار الشعوب إلى القواسم الثقافية المشتركة فيما بينها.    ويتلخص مفهومُ علم (الأدب المقارن) في دراسة الآداب خارج نُطُقها المحلية وحدودها الإقليمية المعيَّنة، كما يهتم هذا العلم بدراسة العلاقات بين الأدب من جهة، ومجالات المعرفة والاعتقادات المتباينة من جهة أخرى (كالعقائد، والفنون، والشرائع، والفلسفات، والعلوم الاجتماعية، والعلوم التطبيقية….. والعادات والتقاليد، والشعبيات …….وغيرها، مما يُسمى اليوم بالعلوم البينية). ونُعَرِّفُه باختصار موجز بأنه: (العلم الذي يُعنى بدراسة أدب لغة بعينها في علاقاته التاريخية والجمالية مع آداب لغات أخرى) وقد نشأ في صيغته العلمية الأخيرة خلال بدايات القرن التاسع عشر الميلادي في أوروبا، تزامناً مع النهضة الفكرية والصناعية في الغرب آنذاك، واستند في نشأته إلى عدة ركائز علمية وفلسفية، منها النزعة الإنسانية العالمية التي سادت مع عصر النهضة، وكانت رغبة العالم المتمدن المُعلنة، في إيجاد روابطَ مشتركةٍ بين البشر، تتجاوز الصراعات القومية والتناقضات العرقية والثقافية، وكانت هذه النزعةُ المعلنةُ سببا مهما من أسباب استنبات هذا العلم، كما كان لظهورالفلسفة الوضعية التي سادت في أوروبا خلال القرن 19 وحاولت تطبيق مناهج العلوم الطبيعية (مثل البحث عن العِلة والمعلول) على الظواهر الأدبية بواصفها عاملا مشتركا بين الأمم والأعراق لا يقل أهمية عن العوامل الإنسانية الأخرى. كما كان ظهور علم اللغة المقارن ونجاحاته عاملا مُلْهِمًا أيضا للأدب المقارن ومحفزا لمنهجه أيضا. ومن هذه المنطلقات بزغت فكرة الأدب المقارن وتبلورت علمًا له أُصوله التي تطورت عبر ثلاث مدارس رئيسية كالتالي: 
1. المدرسة الفرنسية (التقليدية) وهي أقدم المدارس وأكثرها صرامة، وتركز على التأثير والتأثر المادي التاريخي بين الآداب، أسسها
(أبيل فيلما) وهو أول من استخدم مصطلح (الأدب المقارن) في دروسه عام 1827م، ثم كان (فرناند بالدنسبيرجيه) الذي يُعتبر المؤسس الحقيقي للصورة العلمية لمنهج تلك المدرسة، وتابعهما باقي رُوَّاد كثيرون للمدرسة.
2. المدرسة الأمريكية (المدرسة النقديّة)
التي كانت بمثابة تمردٍ على صرامة المدرسة الفرنسية، حيث نادت بالتركيز على النصوص والمتشابهة فيما بينها لا على التاريخ فحسب، ورائدها المؤسس 
(رينيه ويليك) صاحب المقال الشهير (أزمة الأدب المقارن) 1958من والذي انتقد فيه المنهج الفرنسي وكان بمثابة إيذانا بظهور المدرسة الأمريكية، وتابعه رواد متعددون.
3. المدرسة السُلافية (الشرقية/الماركسية)
التي اهتمت بالتوازي الأدبي والظروف الاجتماعية والاقتصادية المشتركة للشعوب المنتجة للآداب وأسسها
(ألكسندر فيسيلوفسكي) الذي وضع أسس المقارنة التاريخية الاجتماعية بين الشعوب، وقد تابعه رُوَّادٌ آخرون للمدرسة.
ويُشار إلى أن العالم العربي قد شهد
 ظهور روادٍ كُثُر، تأثر هؤلاء الرُوَّاد بالمدارس الثلاث المذكورة، كان من أشهرهم:
(محمد غنيمي هلال، الذي أسس لاستقبال هذا العلم في البيئة العربية واستنباته بها، حيث ربط بين الوافد من أفكار هذا العلم من جهة والموروث الأدبي والنقدي العربي منذ القِدم من جهة أخرى) وتطورت هذه الأفكار في تناول كل من الرواد: (قسطاكي الحمصي، وفخري أبوالسعود، وحسام الخطيب).
    وللعوامل التاريخية المرتبطة بالنهضة الغربية والأوروبية على وجه التحديد، يلاحظ من يراقب المشهد انكفاءً واضحًا تجاه زاوية الغرب الأوروبي أو (الأوروأمريكي) على حساب الزاوية الشرقية التي تحوي كنوزا مما تشير إليه دعائم هذا العلم ومبادئة، بين آداب الفرس والأتراك والأكراد والأورد….. من شعوب المشرق الإسلامي التي تجمعها لِحمة ذات طابع خاص من جهة، والأدب العربي من جهة أخرى، وإن كانت قد داهمت هذه العلاقة صيرورات تاريخيةٌ مباغتة، إلا أنها تظل راسخةً في خَلَد الأجيال المتعاقبة من بني جلدات هذه الشعوب تربط بينها جميعا، وبين منطقة المركز المصدر لهذا الطابع الإسلامي الواضح وضوح الشمس في رائعة النهار ألا وهي منطقة الحجاز في جزيرة العرب، مهبط الوحي ونقطة الإشعاع، فالأدب المقارن إذن هو الجسر الفكري المعاصر الذي ننتظر أن يكشف عن عمق الروابط الإنسانية بين شعوب عانت وتعاني كثيرًا من عوامل التفريق والتشتيت السياسي والفكري والثقافي الراهن، وعندما نتحدث عن المقارنة بين الأدب العربي وآداب الشعوب الإسلامية المجاورة من (الفُرس، الترك، الكرد، والأورد)، فنحن أمام أرضية ثرَّة بالخصوبة المتجذرة والعلاقات الثقافية الرصينة، فآداب هذه الشعوب قد اشتركت لقرون عديدة في مخزون ثقافي غامر، ولم يقتصر هذا المخزون على الجانب العقائدي الديني أو البعد السياسي التاريخي أو التقارب البيئي الجغرافي فحسب، بل تَعَمَّق  الأمرُ إلى أعماق فكرية وسلوكية هيمنت ثقافيًا على كافة الممارسات والأداءات اليومية والموسمية المباشرة من هذه الشعوب فرديا وجماعيًا رسميا وشعبيًا، حتى تَجلَّى ذلك واضحا في منتوجاتهم الأدبية والفنية بدايةً من أوزان الشعر العروضية والأنغام المسموعة واستعارة المفردات، ووصولا إلى البنى التركيبية والأنساق الأسلوبية والأداء التصويري الفني، كذا في التخييل الدرامي سواء في الأداء اللغوي في خطابات الشعر أو في الأداء السردي في مَحكِيَّات هذ الشعوب.
فالتداخل اللغوي بين اللغة العربية وهذه اللغات الإسلامية الكبرى، لا يدل على مجرد اقتراض معجمي عابر، بل هو وثيقة تاريخية وحضارية تعكس قروناً من المثاقفة، والامتزاج الديني، والسياسي، والاجتماعي وبالتالي الأدبي الفني، فالاقتراض المعجمي المسطح، حدث ويحدث بين شعوب الأرض من خلال أبسط أنواع الاحتكاك وأقصرها فيما بينها، سواء تجاريا أو عسكريا أو لمجرد التقارب المكاني، والأمر غير ذلك بين شعوب المركزية الإسلامية الكبرى، التي أرست دعائمها البعثة الإسلامية التي أشرقت على كوكب الأرض منذ منتصف القرن السابع الميلادي، ولا تزال نابضةً بين ما يُقارب المليارين من البشر لليوم (يقترب هذا العدد من ربع سكان المعمورة الآن).
وفيما يلي سنقدم رصدا تقريبيًا لنسب حضور المفردات العربية في هذه اللغات ومعدلات نموها داخل النظم الاشتقاقية لهذه اللغات، يليه تحليل لأهمية هذا الكم المعجمي في فتح آفاق دراسات الأدب المقارن بين آداب هذه الشعوب.
أولاً: فمن حيث الاختراق المعجمي للعربية وعدد المفردات العربية في اللغات الأربع
 تختلف النسب من الناحية الإحصائية، تبعاً لطبيعة النصوص (أدبية كانت أو دينية أو عامية أو رسمية) لكن الاستقراء المعجمي يمنحنا الأرقام التقريبية التالية، التي تتفاوت نسبيًا بين العربية وأخواتها من اللغات الإسلامية الكبرى، لنأخذ من رصد هذه التفاوتات النسبية دلالات واستنتاجات تشير إلى عوامل التفريق -المُشار إليها سلفًا- في الاعتبار، ولنا في الفارق النسبي بين النموذج التركي وغيره من النماذج المقصودة بالدراسة الدليل والحُجة البَيِّنة، على استقرار النوايا المعاكسة لما يستهدفه الأدب المقارن ويَتغيَّاه من أهداف بشريَّة غاية في النُبل والسمو الإنساني:
1. أما اللغة الفارسية ـ وهي في مقدمة لغات الأرض تأثرا وتأثيرًا بالعربية ـ فبعد الفتح الإسلامي لبلاد فارس عام 31 هجري 651 ميلادي، تحولت الفارسية إلى الكتابة بالحرف العربي رغم احتفاظها شفاهيةً بالصوت الفارسي في شكلها الكلاسيكي، إلا أنها واستعارت كمّاً هائلاً من المفردات صوتًا وكتابةً، بدا ذلك واضحا في النصوص الأدبية الكلاسيكية الموروثة وحتى في المنتوجات الأدبية الحديثة غير التقليدية، يُلاحظ فيها التأثر بالوافد الروحي والعقائدي والتشريعي الفقهي والأخلاقي في باقة مفاهيمية نستطيع تسميتها بـــ(المضمون الحضاري والإسلامي)، مما جعل المراقبين يلاحظون أن نسبة الكلمات ذات الأصول العربية التي عبرت إلى الفارسية أكثر من 50% من مجمل كلمات اللغة الفارسية حتى اليوم، وتشتمل هذه النسبة المصطلحات الإدارية، والفلسفية، والصوفية، واليومية بشكل عام.
2. أما عن اللغة الأوردية 
فتُعد لغة الأوردو وريثة التشريع الإسلامي والثقافة (الهندو/إسلامية) ونظراً لأنها نشأت في بيئة امتزجت فيها الفارسية والعربية باللغات المحلية للقارة الهندية، فقد استوعبت الألفاظ العربية إما مباشرةً عبر النص القرآني وتشريعاته وروحانياته وأخلاقياته، أو عبر الوسيط الفارسي بحكم التجاور المكاني بين الشعبين، ويُشار إلى أن نسبة الألفاظ العربية والفارسية فيها تصل مجتمعة إلى أكثر من 60%، وتستأثر اللغة العربية بنصيب الأسد في مصطلحات الفكر، والدين، والأدب الرفيع لدى الشعب الأوردي.
3. أما اللغة التركية (العثمانية سابقاً والحديثة)
كانت اللغة التركية العثمانية محملة بالمفردات العربية مع الفارسية فيها تتجاوز 60% إلى 70%، وقد صُنِّف اللغة التركية العثمانية بأنها لغة هجينة في دوائر الحكم والأدب التركية خلال فترات ازدهار الخلافة العثمانية.
أما التركية الحديثة وبعد ما أدخلته الأتاتوركية العلمانية 1923م، ورغم حملات التطهير اللغوي المُتَعَمَد وما قام به أتاتورك من استبدال ألفاظ تركية قديمة أو غربية مستوردة بالألفاظ العربية التي تجذرت في حياة الأتراك منذ دخول الإسلام فيها، ومع موجة التغريب المقصودة والممنهجة -رغم ذلك- لا تزال المفردات العربية الحَيَّة في الحياة التركية المعاصرة تشكل حوالي 10% إلى 14% (ما يزيد عن 6000 إلى 8000 كلمة مستخدمة رسميا ويوميا)، وتتعلق بمفاهيم العدالة، والفكر، والمشاعر، والحياة اليومية على سبيل المثال كلمات: kitap كتاب، saat ساعة، adalet عدالة.
4. اللغة الكردية 
بحكم الجوار الجغرافي المباشر المستمر لقرون طويلة مع وجود الروابط الدينية المتينة في مناطق العراق وسوريا وإيران وتركيا، تزخر اللهجات الكردية (الكرمانجية والسورانية واللورية والزازائية والجورانية) وبخاصة اللهجة (السورانية) المزدحمة بالكلمات والتراكيب والصور ذات المعاني العربية، تتركز هذه المفردات العربية في مجالات العبادات، والمعاملات القانونية، والمنظومة الأخلاقية، والاصطلاحات البلاغية، في اللغة الكردية إلى نسبة تتراوح بين 30 % إلى 40 % وهذه نسبة لا يُستهان بها للألفاظ والدلالات العربية التي تتغشى الأداء اللغوي الكردي، رغم ترعرع دعوات الحرص العرقي الإثني والقومي الثقافي الخاص بالأكراد وتعدد اتجاهاتها بين الشعب الكردي.
ومن دلالة هذا الكم الهائل من الوجود العربي في تلك اللغات المذكورة، نستطيع أن نُوجِدَ تحفيزًا جادا لدراسات الأدب المقارن بين الأدب العربي وآداب هذه اللغات، ونسمي هذه الظاهرة نقديًا بــ(الثراء المعجمي) فهذا الثراء المعجمي المشترك ليس مجرد تشابه لفظي فحسب، بل هو بنية تحتية فكرية وجمالية موحدة، تجعل من الأدب المقارن بين الأدب العربي وهذه الآداب حقلاً خصباً ومحفزاً، وتتجلى تلك البنية العميقة في ظواهر لسانية وأدبية ونقدية تتعاور جميعها في تهيئة بيئة ثرة للدراسات المقارنة بين آداب تلك اللغات وهي: 
أ‌- وحدة الجهاز الاصطلاحي والبلاغي بين الأدب العربي وهذه الآداب الإسلامية الكبرى.
فالمفردة العربية المنقولة لم تنتقل مجردة، بل نُقِلت معها حمولتها التصويرية المجازية والبلاغية عامة.
ولذلك أثره عند إجراء الدراسة النقدية لمقابلة الظواهر الفنية، بين أطراف هذه الدائرة الكبرى من اللغات المتجاورة والمتجانسة، فمثلا المقارنة من حيث البحث عن المصطلح الصوفي بين العربية والفارسية والتركية، نلاحظ عندما نُُقَارِن مفاهيم مثل (العشق، الفناء، السلوك، التجلي) بين المتصوفة العرب (كابن عربي أو عمر بن الفارض) والمتصوفة الفرس أو الأتراك (كجلال الدين الرومي أو يونس إمرة)، فإن الباحث المقارن يجد لغة واصطلاحا شعريًا موحدا. هذا يُسَهِّل دراسة “التأثر والتأثير” دون عوائق ترجمية تفصل بين روحَيْ النصين.
ب ـ   استمرار النوع الأدبي المشترك بين العربية وآداب هذه اللغات، مع التطورات التي حتمتها الجغرافية والتاريخ
وبسبب هذا التمازج اللغوي بين العربية وأخواتها الإسلامية، انتقلت القوالب الشعرية والنثرية العربية بكامل أدواتها إلى تلك اللغات.
ولنأخذ نماذج للمقارنة: دراسات بنية القصيدة أو متابعة غرض الغزل أو غيره من الأغراض، أو تتبع فن المقامات ومساراته وتطوراته في تلك الآداب. يمكن للمقارن تتبع كيف تحور قالب (القصيدة العمودية) بأوزانها وعروضها العربية (بعد تكييفه) في الشعر الفارسي والأوردو، وكيف استلهم شعراء مثل “إقبال” (الأوردي) أو “فضولي البغدادي” (التركي) البنية المعمارية للأدب العربي لإعادة إنتاج نصوص قومية بأسلوب إسلامي عالمي.
ج ـ      التناص وتحولات المادة المعرفية والتصويرية من العربية إلى تلك اللغات.
فالكلمات المشتركة حملت معها القصص الإنساني والرموز التراثية العربية، منذ أوابد الجاهلية الموحية وحتى المعاني الإسلامية ذات الدلالات الروحية والتشريعية والأخلاقية المرشدة، شكَّل ذلك مادة مشتركة تبرهن على تفاعلات النصوص وامتزاجات الأفكار والخيالات، مع انتقال الحِيَل الفنية البلاغية العربية عبر هذه الآداب، وفق مفاهيم التناص فيما بعد الحداثة، لهي أدعى للرصد والتتبع من خلال قيم الأدب المقارن المتعارف عليها.
ولنا نماذج للمقارنة في هذا الصدد فمثلا: قصص (مجنون ليلى، وقصة النبي يوسف مع امرأة العزيز (يوسف وزليخة)، ومقارنتها بخسرو وشيرين). حيث تحولت شخصية (قيس بن الملوح) من فضاء البادية العربية البسيط والنقي، إلى فضاءات صوفية وفلسفية بالغة التعقيد في الملاحم الشعرية الفارسية، والدراسة المقارنة هنا تبحث في كيفية إعادة صياغة الرمز العربي بأدوات لغات مغايرة، معتمدة هذا الزخم المعجمي المتدفق بين لغات الدائرة الإسلامية الكبرى، ليُعطي دلالات فنية تخضع لقيم المقارنة، ولكن بروح معجمية متقاربة تَشْتَمُّ فيها عَبَقَ الموروث العربي بنكهة إسلامية على لسان فارسي أو تركي أو كردي…….
إن الانطلاق من هذا الرصيد المعجمي الضخم يمنح الباحثين في الشرق دافعًا لترسيخ المدرسة (الإسلامية/الشرقية) في الأدب المقارن. وهي مدرسة لا تبحث عن صلات طارئة بين نصوص الآداب فقط،  لكنها تنطلق من فضاء حضاري وثقافي مشترك في دائرة كبرى موطنها الأساس العالم الإسلامي، حيث يمثل الأدب العربي فيه النواة المرجعية، وتُمثل الآداب الأخرى الامتدادات الإبداعية المتفاعلة مع تلك النواة، التي تداخلت مع العربية تداخلا كثيفًا، ويبرهن هذا التداخل اللغوي الكثيف على أن هذه الآداب لم تكن جُزُرًا معزولة، بل كانت تغترف من بحيرة ثقافية واحدة، والكم المعجمي الهائل هو بمثابة الجسر المُمَهد الذي يغري الباحث المقارن بالعبور بين النصوص، مستندًا إلى أرضية دلالية يفهمها الشاعر العربي أو الفارسي أو التركي أو الكردي أو الأوردو على حد سواء.
وأظن أن ذلك سيكون اللبنة الأولى في بناء مدرسة شرقية للأدب المقارن تحمل من سماتها الخصوصية، ما يجعلها تتحايث عن غيرها من الدوائر الغربية، بدلا من هذا التماهي الراهن لدى اللاهثين وراء كل ما يرد من ناحية الغرب، وهذا ما يُعد تفكيكًا عمليا للتبعية العمياء لكل ما يحمل آثار الغرب. 
وإلى نماذج تطبيقية مقترحة لإجراء مقارنات منهجية بين الآداب المستهدفة من الدراسة
فيما يلي نماذج أدبية ثرية ومقترحات لمشاريع بحثية مقارنة، تحقق الأهداف الفنية من حيث: تتبع الأشكال والجماليات، وتحقق الرصد الثقافي من حيث فهم التثاقف وحوار الحضارات ومنافساتها. 
(الشاهنامة) الفارسية للفردوسي، و(الإلياذة) الترجمة العربية للبستاني:
تعد الشاهنامة والإلياذة (بترجمة البستاني) من أعظم الآثار الملحمية في الثقافة العربية والإسلامية، لكنهما تختلفان جوهريًا في النشأة والطبيعة والهدف:
1. ملحمة الشاهنامة الفارسية (للفردوسي)
• فمن حيث طبيعة العمل: ملحمة شعرية أصيلة ألَّفها الشاعر الفارسي الفردوسي في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) واستغرق فيها نحو ثلاثين عاماً.
• ومن حيث المضمون والهدف: صياغة تاريخ إيران الأسطوري والملكي منذ بدء الخليقة حتى الفتح الإسلامي، بهدف إحياء الهوية الثقافية واللغة الفارسية، والتي نعدها من قبيل الاتجاه الشعوبي.
• أما من حيث الأسلوب البلاغي: كُتبت على بحر المتقارب، (المقارب بالفارسية)، وتميزت بجزالة اللفظ والتركيز على الفخر الحماسي، والمزج بين الأسطورة والحقيقة التاريخية.
2. الإلياذة (تعريب سليمان البستاني)
• فمن حيث طبيعة العمل: مشروع ترجمة ونقل حضاري فذ؛ حيث قام البستاني عام 1904 م بنقل ملحمة هوميروس الإغريقية إلى شعر عربي عمودي منظوم.
• ومن حيث المضمون والهدف: نقل قصة حرب طروادة إلى الوجدان العربي لإثبات مرونة اللغة العربية وقدرتها على استيعاب الملاحم الكبرى التي تفتقر إليها البيئة العربية البدوية والصحراوية القديمة.
• أما من حيث الأسلوب البلاغي: فلم يكتفِ البستاني بالترجمة، بل صاغها في بحور شعرية عربية متنوعة تناسب تدفق الأحداث، ووضع لها مقدمةً نقديةً وتاريخيةً هائلة تُعد مرجعاً في الأدب المقارن، معتمدًا على إسقاطات تماثل الأساطير اليونانية بالتقاليد العربية.
يُلاحظ المُدقق في العملين الملحميين الفارسي والعربي، رغم التكامل الوجداني في رداء أُخُوَّةِ المُعْتقد، إلا أنه يُشتم فيما بينهما الصراع الهُوِيَّاتي، فــ(الفردوسي) يحاول التمسك بتلابيب التراث الثقافي الفارسي الساساني حفاظا عليه وخوفا من الذوبان في مواجهة التراث العربي، في حين يحاول البستاني إثبات قدرة اللغة العربية ومرونتها في استيعاب الملاحم الكبرى التي كانت العربية القديمة تعجز عن مجاراتها. كذا يمكن معالجة نماذج أخرى حول رمزية الخمر والجمال في التَصوُّف فارسيًا وعربيًا: بين الغزل العذري العربي عند (عمر بن الفارض‘ وابن عربي) العربيين من ناحية الأدب العربي، والرمزية العِرفانية عند (عمر الخيام، وعند حافظ الشيرازي) الفارسيين من ناحية الأدب الفارسي.
أما المقارنة بين نماذج من الأدب العربي والأدب التركي: وخان باموق، والأخرى عربية 
ولو حاولنا رصد تِقَنِيَّات (التناص) مع التراث الشرقي، سنرى أن باموق يستدعي الفنون الإسلامية (المنمنمات) والتاريخ العثماني في أداء وجداني يمثل حنينا للتركية الكلاسيكية (العثماسلامية)، ونرى أن محفوظ يستدعي بنية (ألف ليلة وليلة) الأسطورية من المخيال الشرقي الحالم، لتفكيك الواقع السياسي الراهن على جانبي المقارنة كفعل ثقافي مقاوم لأمواج التغريب المداهمة للهوية الشرقية في الجانبين.
إنه هاجس تهديد الهُوِية الذي داهم الكاتبين الروائيين التركي والعربي معا، في مواجهة موجات التغريب القسري.
وعلى صعيد الشعر نستحضر نموذج الشاعر التركي (ناظم حكمت) ونموذج بدر شاكر السياب، وتجربة كسر القالب التقليدي الشرقي للقصيدة العمودية، ومدى تَأَثُّر الشعراء العرب وثورتهم على الشكل الموروث للقصيدة الشرقية، وإسقاط البعد الإنساني بواقعية اشتراكية.
وإجمالا لا بد للمراقب من ملاحظة مهمة، وهي أن العلاقة (العربية/التركية) أدبيًا قد مرت بتحولين مهمين، هذان التحولان ينعكسان عن مرحلتين متباينتين: مرحلة (أدب الديوان) العثماني (الذي كان يقلد العربية والفارسية)، ومرحلة المثاقفة الحديثة والتأثر بالغرب والبحث عن هوية قومية تركية متمايزة عن العربية والفارسية، حتى ولو كان ارتماءً في أحضان الغرب على الشاطئ الآخر.
أما عن نماذج الأدبين العربي والكردي: فمن خلال ملحمة أحمد خاني الكردية (ميم وزين) الصوفية مقابل مسرحية أحمد شوقي الشعرية (مجنون ليلى) نلاحظ تَحَوُّل القصة الغرامية في السياق العربي إلى ملحمة قومية فلسفية، مستلهما بنية العشق العذري مختلطا بفيوضات فلسفة التصوف الإسلامي، لكنه حملها بحمولات رموزية تتعلق بالهوية الكردية المشتتة والمُطَّهدة بين عديد من الأقطار الفارسية والتركية والعربية (إيران وتركيا والعراق وسوريا) وهنا تتجلَّى مشكلة الجغرافيا المشتركة ومأساة التوزيع
وفي هذا السياق المقارن بين نماذج من آداب الدائرة (الشرق/إسلامية) كرديًا بين محمود وكيف جَسَّد مأساة الشعب الفلسطيني، وكيف يصيغ (شيريكو بيكس) جغرافيا الإقليم الكردي الممزقة وخريطته المشتتة بقصيدةٍ ملحميةٍ واصفةٍ هذه المأساة. وبالرغم من أن الأدب الكردي قد كُتب لقرون بحروف عربية، وتأثرت نخبته الكلاسيكية بالثقافة العربية الإسلامية، بحكم الجغرافية المشتركة، فإنه يتقاطع مع الموروث العربي حديثًا في قضايا التحرر، والعودة من المنفى ومناهضة الاضطهاد؛  ليرى دارسوا الأدب كيف تتحول “التيمة” الأدبية المشتركة من سياقها العاطفي/الروحي العربي، إلى سياق (سياسي/قومي/كردي) يبحث عن الخلاص والخروج من تيه الأكراد وشتاتهم.
أما عن الأدب العربي وأدب الأوردو: الأبجدية الروحية واغتراب الحداثة
 أما عن نماذج (الآداب/الأوردية) فلغة الأورد قد ارتبطت باللغة العربية برباط وثيق من خلال الخط والمفردات (والمفاهيم الإسلامية)، ويمثل أدبها مرآة هامة للتأثر بالأدب العربي، هذا رغم التباعد المكاني جغرافيا بين المنطقة العربية في أقصى غرب وجنوب قارة آسيا، وبلاد الباكستان وشبه القارة الهندية، ويبدو ذلك حينما نضع أفكار الشاعر (محمد إقبال) وشعره، بجوار فعل الشعراء العرب الكلاسيكيين كــ(محمد مهدي الجوهري، ومعروف الرصافي) وكيف وظَّف محمد إقبال الغزل التقليدي العربي حتى يبث أفكار الصحوة الإسلامية في مواجهة موجة التغريب الاستعمارية (الكولونيالية) وكيف جاراه شعراء العرب التقليديون خلال القصيدة الكلاسيكية والحماسية، لتتجلى أبجديات الروحية المشتركة بين العرب والأورد وتداعيات الاغتراب في ظلال الحداثة المداهمة، ولنا نموذج آخر من خلال (القصة القصيرة): لدى الأوردي (سعادت حسن منتو) مقابل القصاص العربي (يوسف إدريس) مقارنة ترصد (الواقعية الفجة) عند كلا الكاتبين الذين غاصا في قاع المجتمع، وناقشا المحرمات الاجتماعية والسياسية بلغة حادة ومكثفة، مما يحقق هدفاً مقارنًا في رصد تشابه الأزمات الاجتماعية لبلدان العالم الثالث فيما بعد الاستقلال، وبخاصة شعوب القارة الهندية والباكستان والأفغان مع العرب، ورصد عناصر اشتراك هذه الشعوب والأعراق والقوميات في أبجديات روحية واحدة، كما يتشاركون في مشاعر الاغتراب في ظل الحداثة المعاصرة وممارسات العولمة المائلة.  
والقيمة المضافة لهذه الدراسات المقارنة: أنها تكسر احتكار المركزية الغربية لدراسات الأدب المقارن (التي دأبت على مقارنة الأدب العربي بالآداب الأوروبية فقط ـ والفرنسي على وجه الخصوص ـ وتُثبت أن هناك روابطَ شكليةً وبنائيةً مستقلةً نشأت داخل منطقة الشرق الأدنى منذ القِدم، وداخل جُلِّ مناطق الأرض الأخرى بشعوبها وأعراقها المتنوعة، بل وبين مناطق العالم المتفرقة وبعضها في الوقت نفسه، وكل ما يستدعيه هذا الأمر هو إحياء أنشطة (الأدب المقارن) البحثية المقارنة، وخروجها من نُطُقها التقليدية إلى أُفق عقلاني أوسع ونظرة إنسانية أشمل، تتخلى هذه المقارنة عن لوازم الانبهار بالآخر المنتصر ومشاعر الدونية والانهزام النفسي لدى الضعفاء المغلوبين. أما من ناحية الثقافة، فــ(الدراسات المقارنة) تُسهم في تفكيك الصور النمطية بين هذه الشعوب، وتؤكد على (الوحدة في التنوع) ؛ حيث تُظهر الدراسات المقارنة للأدب، كيف استوعبت هذه القوميات المتجاورة المشترك الثقافي وصاغته وفقاً لخصوصيتها المحلية.
هكذا يمكن لـــ(لأدب المقارن) بجوار الاتصالات السياسية والدبلوماسية وشبكات الميديا الإعلامية ومؤسسات المجتمعات المدنية والحكومات، تعديل مسارات العولمة وجسر الهوة التي وضعتها السياسات المائلة من بعض أطرافها الطائشة، لتضع الجسور وتسد الفجوات وتزيل الفتن والانشقاقات بين الشعوب والثقافات وبين المذاهب والديانات، وبصفة خاصة في منطقة الشرق الأوسط الموعودة بمثل هذه الشقاقات، ونتمنى أن يكون أول الغيث، لتتبعة مقارنات ما بين آداب شرق آسيا وجنوبها، وكذلك آداب شعوب أمريكا الجنوبية والشمالية، وشعوب القارة السمراء مع آداب أوروبا…. إلخ.
****************** 
أ.د نجيب عثمان أيوب
جمهورية مصر العربية
جامعة العاصمة (حلوان سايقا)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى