العكاري في ديوانه : ريحانة الهوى دكتور ربيع عبد العزيز
أستاذ النقد الأدبي كلية دار العلوم- جامعة الفيوم
بين دفتي هذا الديوان إحدى وثلاثون قصيدة عمودية، تسبقها مقدمة يخاطب فيها الشاعر أحرار سوريا والعالم، يعرب فيها عن سعادته بالحرية المستعادة التي ينعم بها بعد أن ذاق مرارة الحرمان منها ، واضطر إلى الاغتراب زهاء خمسة وأربعين عاما أمضاها في واحة الأحساء؛ التي تسخو بالدفء والأُنْسِ على من يأوي إليها ويخالط أهلها.
ريحانة الهوى قصيدة عينية مطلقة، اتخذها الشاعر عنوان ديوانه؛ وهو اختيار له ما يبرره، فالعنوان يتمتع بالتكثيف اللغوي حتى إنه يضمر أكثر مما يعلن، وفيه حذف يحرر المتلقي من الاسترخاء، ويبعثه على التفكير لا فيما يقصد إليه الشاعر بريحانة الهوى فحسب، بل في تقدير المحذوف؛ سدًّا للثغرة التي تركها الحذف. بل إن المجازية في لغة العنوان تشاغب ذائقة المتلقي وتعزز لديه نوازع التأويل وإيجابية التلقي. ومن العنوان تتمدد شعيرات دلالية تصله بأكبر عدد من قصائد الديوان؛ ففي قصيدة ريحانة الهوى نجد فيوضا من الشوق والحب للوطن، ونجد المتكلم فيها يعاني من التمزق، ويسعى- في الوقت نفسه – إلى بعث الإحساس بمعاناته في نفس المتلقي؛ كل هذا تتردد أصداؤه بقوة في أكثر قصائد الديوان، وهو يعطي ريحانة الهوى جدارة أن تكون عنوانا مركزيا؛ يقول العكاري:
هي الشامة العليـاء والعـز وشْمُهـا**
هي المجد والتاريخ سفرا تــوزعـــا
لتبرق أعمــاقـي- حنـانيـك- لهفـــة**
فقلبي وروحـي والحنايــا بهــا معــا
وشـــوقي إليهــا كـــل حــين متيــم**
وحبي لهـا للأنجــم الزهـــر أسمعــا
ملاعــب أمسي والصبــا وطفولتي**
وهــدي كتــاب اللـه للـروح أمتعــا
ليكشف مــا استخفى وسر صبابتي**
فنــار الهــوى شبت بقلبي تلـوعــا
أودعهـــا والــروح تبقـــى حبيسـة**
لهــا وبهـــا عـود الحنايـا تضـوعــا
فجلق مأوى الروح والقلب والهــوى**
حيـاتي وذخـري طيلة العمر منزعـا
فهذا الحديث المفعم حُبًّا للوطن ومعالمه ، الزاهي بتاريخه وأمجاده، يكاد ألا يزايل العكاري في الكثرة الكاثرة من قصائد ديوانه. إننا أمام عاشق فريد؛ فهو لا يعشق حسناء دمشقية تسكره بالهوى وتضنيه بالهجر، بل يعشق دمشق والغوطة وجلق وقاسيون وحماة؛ وها هو ذا يفصح عن هواه الدمشقي في مستهل قصيدته مهجة الأحرار:
دمشق هواك أغنيةٌ ** وصفو الود ريح صبا
وفي قصيدته: وأنا الدمشقي الذي ذاق الهوى، يغرد حبًّا للشام ، ويأسى لاغترابه المكاني:
قـــد عشت أنشد للشـــآم مغردًا ** والآه تعـلــو بالتــأوه مشبعـةْ
والناي يشجي والنسيب توهجي ** أمضيت وجدا أربعين وأربعـةْ
وركبـت آلاف البحـــور مغامـرًا ** والقلبُ جمرٌ والسرائرٌ موجعةْ
إن الشاعر المعذب بحب الوطن، والمنفي عنه قسرا ، يعود إلى وطنه بعد أن استعاد حريته. وهو قوي الحس بأن الكون يشاطره بهجته، وبأنه كمن في حلم من أحلام اليقظة، أو كأنه طفل أشرق وجهه فرحة بالعيد:
كأنما الكـــون حـولي بـات مبتهجًا ** والبشر يطغـى ويهمى بالتجـاويــد
والأرض والجو والأنفاس طيب لقًا ** وجوقة الوصل عرسٌ فاح بالعــود
أذاك حـلــم؟ وكـــلٌّ عــاد يـــذكرني ** وعــدتُ كالطفل يحيـا فرحـةً العـيـد
ويعود الشاعر مرة أخرى ليظهرنا على أن الدنيا وعناصر الطبيعة، تتجاوب معه فرحة بالوطن المحرر؛ ففي قصيدة لا تاج يعلو فوق تاج الغار يقول:
فالأرض لبَّتْ والمـــآذن كبرتْ ** يا فرحـة الدنيـا بذا الإعصارِ
ياللسحـاب كـأنمــا أنشــــــودة ** تحكي العطاء ونشوة الأبرارِ
والغيث مــدرار كمثل فـراتهــا ** وازدادت البركــات بالأمصار
يا ما أُحيلى أرضهـا وسهولها ** وبسط الجنان بأجمل الأزهـار
وازدانت الدنيــا بإكليـــل العـلا ** لا تاج يعلـو فـوق تـاج الغـار
وبدهي أن تتعدد أشكال الانزياحات الأسلوبية في قصائد الديوان؛ منها الانزياحات الدلالية التي يعد التشبيه من أكثرها حضورا وإيثارا لدى العكاري؛ نجد لذلك مثلا قوله في قصيدة: على محياك يا شام:
بدور تهـــادى!! يا لهــذا التألــق؟** ويا لليالي في فضـاءات جلـق!
…..
كـأن الليــالي في بــرود سنائهــا ** أحــاديثُ نجــوى تالـدٍ بتشوقِ!
ويا لابتهاج النور والهديُ رفعــةٌ ** كــأن ذرا العليـاء شـامـة جلــق
كــأن محيا البـدر مرسمهـا عـلا ** ومعلم صرح المجد هام التفوقِ
ومن ذلك قوله في قصيدة حماة أغنية التاريخ:
أرض كمثل جنـــان الخلــد طينتها ** ظـــلٌّ ومـاءٌ وأشجــارٌ وأنهــارُ
كانت وتبقى كمثل الشمس طلعتها ** بهيةَ الحسن يعلو وجهها الغار
ومنها قوله في قصيدة مجنونة أنت:
كأنما الروضُ صحنُ الدار جَنَّتهُ ** والماءُ يرقـص ميَّاسًـا وميَّـالا
والعكاري في تشبيهاته لا يحاكي الواقع المشهود ولا ينقل صورًا فوتوغرافية من بيئته، بل يصف إحساسه بما يصور من مفردات البيئة؛ فهو قوي الحس بأن أرض حماة طينتها ” كمثل جنـــان الخلــد” ، وأن حماة طلعتها ” كمثل الشمس “. ويعتمد في تشبيهاته على مدركات الحس، وإن عوَّل على المُبْصَرَات أكثر من تعويله على المسموعات والمذوقات والمشمومات والملموسات . وأحيانا يكون طرفا الصورة من مدركات البصر، ومع هذا يشف الطرفان عن سعة خيال العكاري ورهافة حسه بالمكان؛ ففي قوله: ” كأن ذرا العلياء شـامة جلــق” ينتمي الطرفان إلى مدركات البصر، ولكن خيال الشاعر يُشَخِّصُ المشبه به : جلق/ دمشق؛ جاعلا منه شخصا على وجهه شامة ؛ تمنحه جمالا فوق جماله، وتبعث في نفس المتلقي شعورا بالمتعة. وأحيانا أخرى يشبه المبصرات بالمسموعات فيضفي على تشبيهاته مسحة من الطرافة؛ كما في قوله: ” كأن الليالي …أحاديثُ “؛ فالمشبه : الليالي ؛ مدرك بصري، أما المشبه به؛ فهو الأحاديث؛ وهو مدرك سمعي بداهة.
ومن الانزياحات الدلالية ما جاء في قول العكاري:
ورضعت ماء العزِّ، عشتُ مُكَرَّمًا ** بين الأُبَاةِ ضراغما وأُسُودا
فليس للعز ماء حتى تُرْضَعَ، ولكن خيال الشاعر يبتكر تلك الصورة التي تبعث على استعادة قول عنترة مع اختلاف السياق والناتج الدلالي:
لا تَسقِني مــاءَ الحَيــاةِ بِذِلَّةٍ ** بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ
ومنه ما جاء في قوله من قصيدة : والنور سر الكون:
دأبي كقنديـل أُنِيْرُ بليلها ** أشدو التفاؤل للورى موالا
فالشاعر الذي ” يشدو التفاؤل” إنما يجسد التفاؤل؛ محولا إياه من معنى مجرد لا يدرك بالحواس إلى معنى مُحَسُّ تشدو به ألسن الورى وتسمعه آذانهم؛ مما يعكس يقين الشاعر من أن الحياة آمال لا تنفد وينبغي ألا تنفد؛ فإن نفاد الآمال أدعى إلى اليأس والتخلف وبلادة الحس وغير ذلك مما لا يليق بكرامة الإنسان بوصفه خليفة الله المنوط به عمارة الكون.
أما الانزياحات التركيبية؛ فمنها قول العكاري في قصيدة : وعدت كالطفل يحيا فرحة العيد:
فالنار كانت حنايا الروح مسكنها ** من النوى والجوى.. أحيا كمفئود
فخلافًا لقانون الرتب النحوية ، يدفع الشاعر الفُضْلَة : ” من النوى والجوى” إلى صدر الجملة الشعرية؛ مقدما إياها على العمدة: الفعل أحيا ؛ لافتا بصنيعه هذا نظر المتلقي إلى أن النوى والجوى أنزلا بقلبه أفدح الفزع، وي لكأن شيئا لم يورثه الفزع إلا الاغتراب المكاني.
ومنها قوله يسترحم الله في ختام قصيدة طير حياتي :
وإليك ترتفع الأكُفُّ ضراعة ** طلبا لعفوك واسع الرحمات
فالجار والمجرور “إليك” فُضْلَةٌ كما هو معلوم، ولكنه جاء في صدارة الجملة الشعرية؛ فتقدم على العمدة: الفعل وفاعله ” ترتفع الأكف”، وفي هذا يعدل الشاعر عن اللغة المثالية ؛ واضعًا نصب عينيه أن اختصاص الله وحده بأن تُرْفَعُ إليه الأكف هو الناتج الدلالي الذي يستهدفه بالدرجة الأولى، ولا سبيل إلى تحقيق هذا الناتج إلا إذا تقدم الجار ومجروره على الفعل وفاعله. ولو تقيد الشاعر باللغة المثالية وقانون الرتب؛ لكان عليه أن يقول: ” ترتفع الأكف إليك”، غير أن هذا القول يفتح الباب لإضافة شركاء : أصحاب المقامات والأضرحة؛ يرفع البسطاء إليهم الأكف تضرعا، ويتمسحون بأضرحتهم؛ ولهذا فالعدول هنا من مقتضيات الدلالة وإحكام العبارة عنها قبل أن يكون من مقتضيات البحر العروضي.
وأما الانزياح الصوتي؛ فمنه ما جاء في قول العكاري من قصيدة: أم الحضارة شامة أُموية:
حسناء لم يمح الزمـان بهاءها ** كحلاء، نجـلاء العيــون بهيـةْ
غيـداء تبهرنا شمـوس عراقـــة ** لميــاء مبسمها الرؤى دُرِّيَّــة
وطفاء يا حسن الضفائر والربـا ** حوراء عاشقة الورى حوريةْ
فيحـاء غوطتهــا تميس نضــارة ** شَمَّــاء تتخـــذُ النجــوم مطيـة
فالهمزة صوت يتميز بالشدة والجهر، ويتواتر في تسع صفات متعاقبة؛ هي : حسناء وكحلاء ونجلاء وغيداء ولمياء ووطفاء وحوراء وفيحاء وشمَّاء. ويحتفظ صوت الهمزة بموقعه في نهاية كل صفة ، كما تحتفظ الصفات التسع بوزن صرفي واحد هو وزن فعلاء؛ كل هذا يخلق- من ناحية – إيقاعا صوتيا يثري موسيقى الحشو، ويحقق تواصلا فعالا مع المتلقي، ويشف – من ناحية أخرى- عن نفسية العكاري وثقافته ورهافة حسه بأصوات اللغة، وعما ينفق من جهد سخي حتى يهتدي إلى هذا الكم من الصفات المتماثلة بناء صوتيا، وحتى ينقل إلى المتلقي إحساسه بالموصوف وفتنته بجماله.
وأما الانزياح المعجمي؛ فمنه قوله في قصيدة: وأنا الدمشقي الذي ذاق الهوى:
مُـدِّي يـديك وعـانقيني عـاشــق ** نفسي فداؤك لا تبالي الهيزعة
……
والباذخ العرنين يشجب ذا النوى ** ونعـم ما يجلــو غبـار الخيضعة
جاء في المعجم الوسيط أن الهيزعة : الجلبة والفزع ، وأن الخيضعة : اختلاف الأصوات في الحروب، والمعركة، والغبار. وواضح أن الدالين من مهجور الدوال. غير أن العدول إلى دال مهجور يظل سائغا إذا لم يكن منه بد؛ كالغريب من أسماء الأمكنة والألبسة والورود والقادة والأسلحة والطير. كذلك يظل العدول إلى مهجور الدوال سائغا إذا تخير لها الشاعر موقعا يُذهبُ غرابتها أو يقلصها على أقل تقدير؛ بحيث يحقق الدال تواصلا مع المتلقي. وبرغم غرابة دال الهيزعة فقد تمكن العكاري من إذهاب غرابته؛ فالمتلقي الذي يتأمل قول الشاعر: ” نفسي فداؤك لا تبالي الهيزعة ” يدرك بقليل من الجهد أن الهيزعة التي يراد للمخاطب إلا يبالي بها؛ ليست إلا الفزع. والمتلقي الذي يتأمل التركيب الإضافي ” غبار الخيضعة ” يدرك بأقل مجهود أن دلالة الخيضعة تنصرف إلى المعركة.
ومهما يكن من أمر؛ فديوان ريحانة الهوى امتداد لديوان فليهنك النصر، والعكاري في الديوانين تتنازعه معشوقتان: سوريا بوصفها الوطن وملاعب الطفولة والصبا والشباب، وهجر/ الأحساء بوصفها المكان الذي أذهب عنه صقيع الغربة ، ومنحه الدفء؛ فكان له ظلًا ظليلا. وكم كان العكاري صادقا لا مع نفسه فحسب، بل مع من يعرفون عبقرية الأحساء مكانا، ويعرفون أصالة أهلها وأريحيتهم التي قلما نجد لها نظيرا. وعن توزع عاطفته بين معشوقتيه كان العكاري يُصْدِرُ في قوله:
لا لست أُنْقِصُ قدر العشق في هجر ** يا نعم معشرهم …تحكيه دنيانا
……
تطـير روحــي هُيـامًـا للقـــاء هــوًى ** ومهجـة القلـب للأحسـاء عرفانــا
ويـا لبـــوح لهــا فـي الـــروح متـكـأً ** والنفس ولهى إلى الفيحاء تحنانـا
فشطر قلبي لهجــر عشــت أذكرهـــا ** وقبة النَّسر مسرى الروح مهوانا
والنهر ريــان يجري والنسيم هــوى ** ضفـائــر الحــب للعشــاق شطآنــا





