إلى روح سيد وكبار النقاد العرب يوسف سامي اليوسف:
بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ما الشعر العظيم؟
يبدو الشعر العظيم، في تصوّر الناقد الفلسطيني سيد وكبير النقاد العرب يوسف سامي اليوسف، تجسيداً نادراً لارتقاء الوجدان الإنساني؛ فهو ليس لعبة لغوية، ولا براعة بلاغية، ولا زخرفة لفظية، بل هو فعلٌ ينهض من أعماق الروح حين تتوتر التجربة حتى ذروة صدقها. الشعر عنده هو الحدّ الذي تنصهر فيه الذات بالعالم؛ نقطةٌ يلتقي فيها الجمال بالأخلاق، والرؤيا بالمعاناة، واللغة بكينونة الإنسان.
الشعر العظيم، في رأي اليوسف، هو ذاك الذي ينبع من تجربة روحية متوهّجة؛ تجربةٍ لا تحاكي الواقع، بل تعيد توليده من الداخل. ولذلك كان يصرّ على أن الشعر العظيم لا يُكتب بالعقل وحده، بل بـ حساسيةٍ قَلِقة تلتقط ما لا يُرى، وتسمع ما لا يُقال. فاللغة، مهما بلغت قوتها، ليست عنده إلا الجسر الذي تعبر فوقه حقيقة القصيدة—تلك الحقيقة التي تتجاوز حدود البيان إلى فضاء الكشف.

ومن هنا تتضح صرامته النقدية: فهو لا يحتفي بالشعر الذي يكتفي بالمهارة أو الصنعة، بل يُقيم قيمة الشعر في قدرته على جعل القارئ كائناً آخر. الشعر العظيم عنده هو الذي يُحدث “استنارةً داخلية”، ويستدعي طبقاتٍ من الذكرى، ويوقظ في الإنسان حسّه الميتافيزيقي ورغبته في التجاوز. إنّه شعرٌ يجعل العالم أكثر شفافية، وأكثر ألماً، وأكثر استحقاقًا لأن يُحَبّ.
ويرى الناقد الكبير يوسف سامي اليوسف أن عظمة الشعر لا تُقاس بشهرة الشاعر ولا بجزالة مفرداته، بل بقدر ما استطاع أن يخلق تماساً حقيقياً بين المعنى والوجود. إن القصيدة العظيمة — في رؤيته — هي لحظة يلتقي فيها الإنسان بحقيقته المجرّدة، فيشعر أن الكلمات ليست كلمات، بل كائنات حيّة تشقّ طريقها في أعماق الروح.
لهذا رفض يوسف سامي اليوسف كل شعرٍ يستعرض اللغة دون أن يوقظ القلب، وكل قصيدة تُنشئ زخرفًا ولا تُنشئ تجربة. كان يؤمن أن الشعر العظيم لا ينتمي للترف اللفظي، بل إلى الوجع الجميل؛ الوجع الذي يضيء، لا ذاك الذي يُطفئ.
وباختصار، يمكن تلخيص رؤيته النقدية في عبارة واحدة:
الشعر العظيم هو الذي يمنح الإنسان، ولو لحظة واحدة، فرصةَ أن يصبح أعمق مما هو عليه.





