حين يصبح الشعر زادًا للروح: قراءة في ديوان “الشعر زادي” للشاعر الأديب عادل الفالوجي
بقلم: فاتن صبحي عبد المجيد
ثَمّة أشياء لا نحملها في الطريق بل تحملنا هي حين يثقل الطريق. والشعر واحد منها قد يكون كلمة ترمم القلب أو ذكرى تستبقي الغائب أو نافذة نطل منها على ما يؤلمنا ثم نمضي.
ومن هذه المساحة ياتي عنوان ديوان “الشعر زادي” للشاعر عادل الفالوجي عنوان يبدو بسيطًا لكنه يختصر علاقة الشاعر بما يكتب. فالشعر عنده ليس ترفًا ولا حروفًا وكلمات تصطف في قصائد وإنما رفيق يصاحبه في دروب الحب والحنين والصداقة والفقد والحكمة والإيمان والوطن. ولذلك تبدو القصائد على اختلاف موضوعاتها وجوهًا متعددة لتجربة واحدة يظل الشعر فيها حاضرًا بوصفه زادًا يرافق صاحبه في الطريق.
ويأتي الإهداء ليمنح هذا العنوان دلالته الاولى فالشاعر يهدي ديوانه إلى والديه وإلى معلمه للغة العربية وإلى كل الذين غرسوا في نفسه عشقها وإلى أصحاب الفضل عليه. وكأن ما تلقاه من محبة وتعليم ووفاء لم يبقَ في الذاكرة وحدها بل تحول إلى كتابة يحملها معه لتصبح الكلمة امتداد لما تركه هؤلاء في روحه.

ويأتي غلاف الديوان منسجمًا مع عنوانه بصورة لافتة فنرى امرأة يغلب على ملامحها الهدوء ومغمضة الغينين وقد تحول شعرها الأسود إلى مساحة تتناثر فوقها الحروف العربية حتى يبدو الشعر هنا وكأنه يحمل اللغة في داخله أو كأن الحروف قد نبتت من أعماقه. وتمنح العين المغمضة المشهد إحساسًا بالشرود والتأمل بينما يضفي حضور الألوان حولها قدرًا من الحيوية فيبدو الغلاف وكأنه يصور لحظة تولد فيها الكلمة من مساحة داخلية هادئة. ولا تبدو الحروف مجرد زينة بصرية بل جزء أساسي من الفكرة فالشعر في العنوان زادي وفي الصورة لغة تسكن الوجدان وترافق صاحبها أينما ذهب. وهنا يلتقي الغلاف مع الديوان في دلالة واحدة: الشعر ليس شيئًا خارج الشاعر بل شيء يسكنه ويحمله معه.
ويعلن الشاعر مبكرًا عن نظرته إلى الشعر في قصيدة “الشعر حياة” فيقول:
“يا ابني الشعر ده موهبة
مش خبرة بس وتجربة
يا ابني الشعر ده حياة
مش لفظ بس ومعناه”
فتبدو هذه الكلمات مفتاح للكثير مما سيأتي بعدها فالشعر عند الشاعر متصل بالحياة كما يعيشها لا بالفكرة المجردة عنها. ومن هنا تتجاور في الديوان قصائد الحب مع قصائد الشكوى والصداقة مع الأبوة والتجربة الخاصه مع القضايا العامة ثم ينفتح على الوطن والإيمان دون أن يفقد صلته بذلك الخيط الأول.
في قصائد الحب يكتب بعاطفة واضحة ولغة قريبة ويمنح الحب قدرة على ترميم ما أفسدته السنوات. ففي قصيدة “مناجاة الحبيبة” يقول:
فالحب هبة السماء ليمحو
عطب السنين بالروح والأحداق
مرري حبنا للحياة لتنمو
وتزدهر حياتنا بعد طول وثاق”
ثم يقترب في قصيدة “بوح للحبيبة” من نبرة الغناء فتتجاور الموسيقى مع نبض العاطفة:
لاح المساء بعطرك الفواح
وعزفت الأوتار لحنك البواح
ودقات قلبي بحبك صراح
وزهور عشقك بروحي نضاحة”
وفي قصيدة “أحب حبك” يصبح التكرار نفسه جزء من التعبير عن الحب المتبادل:
أحب حبك حبين
فحب لأنك حبيبتي
وحب لأنك تحبيني”
وهذه المباشرة واحدة من السمات الواضحة في تجربة الشاعر فهو لا يضع مسافة كبيرة بين إحساسه والقارئ وإنما يقدمه في صور سهلة التلقي وإيقاع قريب وعبارات لا تحتاج إلى كثير من التأويل. وهي ميزة تمنح النصوص حميميتها وإن كانت في بعض المواضع تقلل من مساحة الإيحاء كما أن بعض الصور تظل في دائرة المألوف وكان يمكن للصورة الأكثر خصوصية أن تمنح التجربة أثرًا أعمق.
ولا يقف الحب عند الحبيبة بل يمتد إلى الأبناء في قصيدة “ولادي” حيث تتحول الأبوة إلى معنى للامتداد والأمل فيقول:
“ولادي
ودادي وزادي
لأجل ولادي
القريب منهم
واللي قدر
على بعادي
ما أنا الأصل”
ثم يمضي في التعبير عن هذا الارتباط:
“وانا للفروع وادي
ودادي وزادي
وحبة فؤادي
لأجل ولادي
ولا في يوم
هانتظر منهم
أكثر من ودادي
دول هما زادي وزوادي”
وهنا يلتقي عنوان القصيدة بعنوان الديوان في نقطة شديدة الدلالة فالشاعر الذي يقول إن الشعر زاده يقول عن أولاده إنهم “زادي وزوادي” فيتسع معنى الزاد من الشعر إلى الحياة نفسها ومن الكلمة إلى الإنسان الذي يمنحها سبب للاستمرار. وتصبح الأبوة في هذا الموضع امتداد طبيعي لفكرة العطاء التي تسري في الديوان كله.
ومن الحبيب والأبناء إلى الصديق يبقى الوفاء خيط يصل التجارب بعضها ببعض. ففي قصيدة “يا صاحبي” يقول:
«يا صاحبي في وحشة
الهجر والفرقة
ابصر محبتك بقلبي
بالود متصلة”
فالغياب هنا لا يمحو المحبة وإنما يكشف قدرتها على البقاء وهي الفكرة التي تتكرر بأشكال مختلفة كلما انتقل الشاعر من علاقة إلى أخرى.
وفي قصيدة “تجربة طويت” يختصر علاقة كاملة في صورة الكتابة نفسها:
“كنت حرفًا في كلماتها
أو كلمة بين سطورها
وربما سطرًا ضمن صفحاتها”
صورة بسيطة في مفرداتها لكنها موفقة في معناها فالإنسان قد يحتل مساحة من حياة من يحب ثم يجد نفسه بعد الغياب مجرد أثر في صفحة أغلقت.
ومن هذه المساحات الخاصة يتسع صوت الديوان ليقترب من وجع الإنسان وهمومه. ففي قصيدة “الفقر غربة” يتحول الفقر إلى شعور بالاغتراب بينما تأتي قصيدة “صبرًا يا قلبي” محملة بروح المقاومة فيقول:
“صبرًا يا قلبي إن حاصرتك الذئاب
وضاقت بك السبل وحاربك اللئام”
وهنا يصبح الشعر مساحة لمواجهة القسوة وليس مجرد وصف لها فالقلب المخاطب يحاول أن يحتفظ بقدرته على الصبر رغم ما يحيط به.
ويصل هذا الامتداد إلى الشأن العام ويتسع صوت الشاعر من دوائر الذات إلى ما يشغله من قضايا الأمة فتظهر نبرة واضحة في قصيدة “هتاف للوحدة” التي يدعو فيها إلى تجاوز الفرقة واستعادة روح الوحدة مستحضرًا بغداد والبصرة في قوله:
“أيها العرب متفرقين
ومن مع عدوه اتحد
ابعثوا العراق للقلوب
وابعثوا الرافدين
وأحيوا بغداد وبصرة
في الوجد والزمن”
هنا لا يكتفي الشاعر بتسجيل الحنين وإنما يجعل من القصيدة صوتًا يدعو إلى التماسك مستعيدًا مدينتين تحملان في الذاكرة العربية الكثير من التاريخ والحضور.
وإذا كان صوت الشاعر قد اتسع في هذه القصيدة ليحمل انشغالًا يتجاوز الذات إلى قضايا الأمة فإنه يعود في قصائد أخرى إلى مساحة أكثر قربًا من الروح حيث يجد في الإيمان بابًا للرجاء والطمأنينة.

في قصيدة “ذكرى الحبيب” حيث يستحضر الشاعر النبي محمد عليه افضل الصلاة والسلام بقلب المحب:
“من وحي ذكرى الحبيب
سيدنا محمد سيد الخلق أجمعين
صلى الله عليه وسلم”
وتأتي قصيدة “باب الله مفتوح” ليمنح الديوان مساحة من الرجاء بعد مساحات الشكوى فتستقر الفكرة في أبيات مباشرة وواضحة:
“فاعلم أن كل مكروه يروح
والخير لشر دنا يزوح”
ثم يختصر الشاعر معنى الرجاء في ختام القصيدة:
فأبشر بخير
حبيب الروح
فباب الله مفتوح”
وهكذا يمضي الديوان من شعور إلى آخر دون أن يفقد نبرته الخاصة. وتساعد قصائده القصيرة على التقاط اللحظة الشعورية بسرعة غير أن هذا القصر يضع أمام الشاعر مسئولية أكبر في اختيار الكلمة والصورة فكلما قلت مساحة النص ازدادت الحاجة إلى التكثيف وإلى أن تحمل العبارة أكثر من طبقة من الدلالة. وقد نجح في عدد من النصوص في الإمساك بلحظة واضحة ومؤثرة بينما تبدو بعض القصائد أقرب إلى الخاطرة الموزونة أو الحكمة المباشرة وتحتاج إلى مزيد من الاقتصاد والفرادة حتى تكتمل شعريتها بصورة أقوى.
كما أن القافية والإيقاع يمنحان كثيرًا من القصائد نبرة غنائية محببة لكنهما في بعض المواضع يبدوان أكثر حضورًا من الصورة نفسها فتشعر أن الجملة قد سارت أحيانًا خلف القافية بدل أن تقودها الفكرة. وهي ملاحظة لا تنتقص من التجربة بقدر ما تكشف المساحة التي يمكن أن يتطور فيها صوت الشاعر كلما ازداد اشتغاله على التكثيف والصورة وترك المعنى يأخذ مداه.
ومع ذلك فإن قيمة “الشعر زادي” لا تتوقف عند اكتمال كل قصيدة بالدرجة نفسها وإنما في ذلك الخيط الذي يجمع الديوان كله شاعر يكتب الحب كما يكتب الفقد ويكتب الصديق كما يكتب أبناءه ويعبر عن ضيقه الشخصي ثم يرفع صوته في شأن الوطن ويعود في النهاية إلى مساحة الرجاء والإيمان. اختلاف الموضوعات هنا لا يشتت لأن ما يجمعها هو ذلك الاحتفاء بالإنسان ومشاعره والبحث عن معنى يبقى حين تتغير الوجوه والظروف.
وربما لهذا يبدو عنوان ديوان “الشعر زادي” منسجم مع كل قصيدة فالزاد هنا ليس الشعر بوصفه كتابة فحسب وإنما بوصفه ما يستعين به الشاعر على عبور الحياة: يحب به ويتذكر ويشكو ويصادق ويحب أبناءه ويرجو ويهتف لوطنه ويجد في الكلمة متسعًا لما يضيق به الواقع.
وحين نغلق الديوان يبقى العنوان حاضر في الذاكرة فالشاعر لم يجعل الشعر موضوع يكتب عنه بل جعله رفيق يكتب به ويحمل معه الحب والذكرى والالم والأبناء والرجاء والوطن. وهكذا يظل الشعر زاده وتظل القصيدة أثرًا من آثار الطريق.





