أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

رياض عبدالواحد يكتب قراءة في قصيدة ( ذاكرة الأرقام ) للشاعر عبدالسادة البصري

تتأسس قصيدة (ذاكرة الأرقام) على مفارقة مركزية تبدأ من النصيص نفسه ، فـ(الذاكرة) تنتمي إلى حقل الاستبقاء والحفظ بينما تحيل (الأرقام) إلى التجريد والقياس والترقيم. ومن منظور شكلي، لا ينبغي النظر إلى هذا التركيب بوصفه تسمية لموضوع القصيدة فحسب بل بوصفه مفتاحًا بنائيًا يضع المتلقي منذ البداية أمام توتر بين ما يُفترض أن يُحفظ وما يتحول إلى مجرد أرقام. وهذا التوتر يتنامى داخل النص عبر شبكة من الأفعال التي تبدو متعارضة: ابتكرنا، علبنا، أنزلنا، ينسلون، يتلفعن، عقدنا، استباحنا، رقدت. فالنص لا يصف حالة بقدر ما يصنعها لغويًا بواسطة تعاقب الأفعال والتحولات.
وتظهر قيمة الشكلانية بوضوح في العبارة:(يوم ابتكرنا النسيان) ، إذ إن الشاعر لا يقول (نسينا)، وإنما يحوّل النسيان إلى شيء قابل للاختراع. هنا يحدث الانزياح الذي يمنح العبارة شعريتها: النسيان، وهو فعل أو حالة ذهنية، يصبح منتجًا إنسانيًا مقصودًا. ثم تأتي العبارة: (علبتنا ذكرياتنا) لتضاعف هذا الانزياح؛ فالذكريات، وهي شيء معنوي، تُعامل بوصفها مادة يمكن وضعها داخل علبة. إن الفعل (علّبنا) لا يضيف صورة زخرفية فحسب بل يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاكرته: ما كان حيًّا ومتحركًا يتحول إلى شيء مغلق ومحفوظ.

الناقد رياض عبد الواحد ـ العراق

ومن الناحية الشكلية، تتجاور في هذا المقطع مفردات تنتمي إلى حقول دلالية متباعدة: النسيان/الذكريات/الغيم/الأجساد. وهذا التجاور هو أحد مصادر التوتر الشعري في النص. فـ(الغيم) لا يظهر في موقعه الطبيعي إنما يُسحب إلى تركيب (أنزلنا الغيم لشهوة الأجساد)، إذ تنتقل الطبيعة من كونها مشهدًا خارجيًا إلى مادة مرتبطة بالرغبة الجسدية. وبذلك تقوم القصيدة على إعادة توزيع الوظائف الدلالية للكلمات، وهي آلية أساسية في صناعة الأدبية وفق المنظور الشكلي.
أما الجملة (أطفالنا ينسلون واحداً، أثر آخر) فتُظهر عناية واضحة بالحركة الإيقاعية والصورية معًا. الفعل (ينسلون) أكثر إيحاءً من أفعال مباشرة مثل (يخرجون) أو (يولدون) لأنه يحمل في بنيته معنى الانفلات التدريجي والخروج الهادئ المتتابع. ثم تأتي عبارة (من بين أصابعنا) لتكمل الصورة، فيتحول الزمن أو الأبناء أو الحياة نفسها إلى شيء يتسرب من قبضة الإنسان. وهنا لا تتشكل الشعرية من الفكرة وحدها بل من اختيار الفعل وطريقة وضعه داخل السياق.
ويزداد البناء كثافة في قوله: (ونساؤنا.. يتلفعن بالهمس والازدراء). فالفعل (يتلفعن) يستدعي في أصله فعل الالتفاف والاحتجاب لكنه هنا يرتبط بشيئين مجردين: (الهمس) و(الازدراء). إن الشاعر يحول المعنوي إلى غطاء، ويجعل الهمس والازدراء كأنهما مادة يمكن أن تتلفع بها النساء. وهذا الانزياح هو الذي ينقل العبارة من التقرير إلى الشعر، إذ لا تكمن قوتها في ما تخبر به فقط إنما في كيفية بناء الخبر داخل اللغة.
ثم يأتي التحول التركيبي في: (لذلك… عقدنا الصلح مع أحلامنا). كلمة (لذلك) تؤدي وظيفة ربط منطقية لكنها في السياق الشعري لا تنتج نتيجة عقلانية مكتملة بل تخلق فجوة بين ما سبق وما يلحق. فالقصيدة لا تقدم تفسيرًا سببيًا مباشرًا إنما تستعمل أداة من أدوات الخطاب المنطقي داخل بناء شعري يقوم أساسًا على القفز والانزياح. ومن هنا تتولد إحدى جماليات النص: التجاور بين اللغة المنطقية واللغة المجازية.

الأديب عبد السادة البصري

وتبلغ المفارقة ذروتها في (فاستباحنا الليل بعتمته)، إذ إن (الليل) لا يُعامل بوصفه زمنًا إنما فضاءً يمكن اقتحامه واستباحته. ثم تأتي (بعتمته) لتعيد تثبيت العنصر الحسي داخل الصورة. وبعد ذلك مباشرة: (ورقدت العصافير). هذا الانتقال من (استباحنا) ذي الطاقة الحركية والجسدية إلى (رقدت) ذي الطاقة السكونية يخلق تضادًا حركيًا داخل البنية: فعلٌ يشي بالانتهاك والحركة، يعقبه فعلٌ يشي بالسكون والانطفاء.
أما الخاتمة (عند محطات العمر) فتستعيد بنحو غير مباشر نصيص القصيدة؛ فـ(المحطات) تستدعي الحركة والانتقال والزمن، بينما (العمر) يحيل إلى المسار الزمني للإنسان. وهكذا تنتهي القصيدة إلى صورة مكانية للزمن: العمر يصبح طريقًا، ومحطاته هي نقاط التوقف التي تراكمت فيها الذاكرة. وإذا كان النصيص قد جمع بين (الذاكرة) و(الأرقام) ، فإن الخاتمة تجمع بين العمر والمحطات، فتجعل الزمن شيئًا يمكن تقسيمه وقياسه والوقوف عنده.
ومن منظور شكلي خالص، يمكن القول إن شعرية النص تقوم أساسًا على الانزياح، والتكثيف، والمفارقة، والتجاور غير المألوف بين المفردات، وتحويل المجرد إلى محسوس. فالشاعر لا يقول إن الإنسان نسي ذكرياته بل (ابتكر النسيان ، ولا يقول إنه حفظ الذكريات، بل (علّبها) ولا يقول إن الأبناء غادروا بل (ينسلون من بين الأصابع) ولا يقول إن النساء يحملن مشاعر الرفض بل (يتلفعن بالهمس والازدراء). وبذلك تصبح اللغة نفسها موضوعًا للشعر لا مجرد وسيلة لنقل معنى سابق عليها.
وعليه، فإن قوة (ذاكرة الأرقام) شكلانيًا لا تكمن في حكاية النسيان والذكريات والحب والخراب إنما في الطريقة التي أعاد بها النص تشكيل هذه المفاهيم داخل علاقات لغوية غير مألوفة. إن القصيدة تبني أدبيتها من المسافة بين العبارة المألوفة والعبارة المنزاحة، وكلما اتسعت هذه المسافة، اتسعت طاقة النص على إنتاج الشعرية.

القصيدة

( ذاكرة الارقام)

يوم ابتكرنا النسيان،
علبتنا ذكرياتنا،وأنزلنا الغيم
لشهوة الاجساد !!!
أطفالنا ينسلون واحداً،
اثر آخر…
من بين أصابعنا
ونساؤنا..يتلفعن بالهمس والازدراء
لذلك…عقدنا الصلح مع أحلامنا،
فاستباحنا الليل بعتمته
ورقدت العصافير،
عند محطات العمر !!!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى