أ. د. نجيب أيوب يكتب فرعون موسى بين النص المقدس والأثر الهيروغليفي
(قراءة سيميائية بين دلالات اللغة والتأريخ الأثري)
تعد إشكالية فرعون مصر التاريخي في الآثار، وعلاقته بفرعون موسى -عليه السلام- في المقدسات، نقطة تقاطع ذات علاقات معقدة بين مكتشفات الأركيولوجيا (الآثاريات) من جهة، ودقة الفيلولوجيا (دراسة اللغة ونصوصها القديمة ومراحل تطورها ومقارنة نماذجها) من جهة ثانية، والنظر في جلال النصوص الدينية ومهابتها المثالية من ناحية ثالثة، هذا التقاطع المتشابك يُعَدُّ -بعد ما يُتداول مؤخرًا- من نفي بعض الآثاريين المعاصرين، لوجود الأدلة الأثرية لما يُعرف في النصوص الدينية بــ(فرعون موسى عليه السلام) مما أحدث لغطًا وجدالا وسجالا مُفرغًا بين غير المتخصصين من الطاعنين في الثوابت الدينية ومعارضيهم، بدون أدوات علمية دقيقة، وبلا جدوى معرفية مُفيدة.
فرحلة المفردة الهيروغليفية (بر-عا) عبر الزمان، بدءًا من رمزيتها المكانية، كدالة لغوية رامزة للمكان وللمؤسسة المصرية القديمة الحاكمة، أو لقصر الحكم هناك، ومرورا بتطورها الدلالي كلقب توقير ملكي، وصولا إلى تعريبها في نصوص القرآن والسنة، ومرورا بصياغاتها الصوتية في اللغات السامية القديمة، فلن تتناول المقالة هذه المفردة لمجرد التطور اللغوي لحقولها الدلالية فحسب، بل تُجَسِّدُ فلسفةَ الحكم والتقديس في بلاط حكم مصر القديمة -كما تشير إلى استيعاب المسموعات الإلهية لهذه الفلسفة منذ أسفار العهد القديم (بالعبرية التناخية)، وحتى آيات القرآن الكريم، ومرورا بإصحاحات الأناجيل العهد الجديد (كتاب البشارة) التي خلت من ذكر تلك المفردة أصلا، اللهم إلا ثمة إشارات ضمنية لقصة الخروج التوراتية.
ويظل الحسم الأركيولوجي (الأثري) في استكشافاته -التي نتابعها يوما بعد يوم- مستمرًا في تأكيده على خُلُوْ الخراطيش الملكية تماما من اللفظ الديني (فرعون) كاسمِ علمٍ دالٍ على شخص أو ملك من ملوك مصر القديمة بعينه، لكننا نلاحظ -بنظرتنا النقدية التفكيكية- أن هذه اللفظة (فرعون) لم تُشِرْ إلى شخصٍ محددٍ باسمِ علمٍ خاص، إنما هي تشير إلى مظلة لغوية استعارية وسياسية ودينية رامزة، استوعبت هذه المظلة مفهوم السلطة المقدسة والمطلقة في عصور مصر القديمة وفق رؤيتنا التي تغلب عليها الوجهة البلاغية السيميائية، فمقاربتنا في هذا لصدد بين تاريخ لفظة (فرعون) التي نراها لقبًا، وتاريخ شخصية فرعون موسى في المرويات الدينية.
ونبدأ بأحدث السياقات وهو السياق القرآني، لنجد أن لفظة (فرعون) قد وردت مجردة من أدوات التعريف المشهورة في لغة العرب، رغم ورودها مجاورة لأسماء أعلام أخرى (كقارون وهامان) وهذا يُعدُّ لدينا استعارةً لغويةً ورمزيةً، تُجَرِّدُ حالَ الاستبداد المرتبطة بهذه اللفظة من زمانها ومكانها، لتتجاوز حدود دلالة العلم الاسمية، وتتحول إلى رمز تاريخي وعلامة تشخيص إنسانية لكل طغيان يرتدي عباءة القداسة الإلهية باسم الدين.
فدراسة مثل هذه المفاهيم ومصطلحاتها التاريخية، تُمثل أهم الركائز التي يعتمد عليها البحث الأكاديمي الحديث، لإعادة قراءة التاريخ وفهم البنى الفكرية للمجتمعات القديمة التي كادت أن تُدرج ضمن اللغات المنسية، وفي هذا السياق تبرز هذه القضية على صعيد اللسان العربي ودلالاته (فرعون موسى: بين اللقب والاسم العَلَم) كإحدى أهم وأخطر الإشكاليات تعقيدا وجدلا، نظرا لتقاطعها الحيوي بين حقول معرفية متعددة ومتداخلة، منها: (علوم المصريات الفرعونية، والفيلولوجيا المقارنة للغات القديمة، وصولا إلى التحليل الإيقونوجرافي (وهو منهج دراسة الصور والرموز في الأعمال الفنية والآثار بشكل تفسيري، لمعرفة ما يعنه الأثر ولا نكتفي بسؤال ماذا نرى فقط) ثم قراءة النصوص الدينية المقدسة وتاريخ الأديان بوعي سيميائي تفكيكي موضوعي دقيق ومجرد.
ففي دهاليز التاريخ المصري البعيد، حيث تتشابك أسطورة السلطة في مصر القديمة مع عظمة الحجر المهيب الذي تركوه لنا أثرًا شامخا، تقف شخصية (فرعون) موسى -عليه السلام- كعلامة فارقة بين طغيان الحاكم خالد الذكر وبين شهادة الحق السرمدي، فلم يكن هذا الحاكم الملك مجرد نسخة من نسخ سِجِلات السلالات الملكية، بل كانت تجسيدا لكبرياء الذات البشرية في أوج نشوتها؛ لدى ملك حفر اسمه على جدران معابده بالذهب والنار، ثم وقف أمام دعوة نبيٍ لا يملك إلا عصاه وقلبه المُفعم بنور رسالته الفياض، ليقول ما علمت لكم من إله غيري، أليس لي مُلكُ مصر ……..؟.
غير أن كلمة (فرعون) نفسها تحمل سرًا لغويًا وتاريخيا يثير الشغف المعرفي، فهل كانت الكلمة مجرد لقب سياسي يُشير إلى البيت الكبير، الذي يُظلل بلاد القطر المصري حينها؟ أم كانت اسمًا علمًا لشخصٍ بعينه ملأ الأرض عتُوا وطغيانا ونفورا؟
لتدل الكلمة لا عن اسم علم لشخص بعينه، بل دلت على سمات عقائدية وسياسية لأي شخص يتسم بها عبر تاريخ الدول والممالك والجماعات.
هنا نقف على مفترق الطرق بين النص الديني ووجادات رقائق البرديات التي تنبعث منها إشراقات دلالة التسمية، لترويَ لنا وللأجيال حكاية رمز تجاوز حدود الزمان والمكان، لتغدو كلمةً ترمز لكل سلطان طغى واستبد وتَحَدَّى الحق المطلق الذي لا يزول، لقد تجاوزت دلالة كلمة فرعون أو (بر-عا) الحقول المفترضة لها إلى دلالات أهمها:
أولا:
الدلالة اللغوية والفيلولوجية (التفسيرية) من المصرية القديمة إلى السامية.
1- أصل الكلمة في المصرية القديمة (بر-عا) أي البيت العظيم، وتكوينها في اللسان الهيروغليفي من جزأين يؤديان المعنى الحرفي للتركيب (بر وعا) أي البيت الكبير أو القصر الملكي.
2- تطورها الدلالي عبر عصور الدولتين القديمة والحديثة:
كانت الكلمة في عصر الدولة القديمة تُشير حصرًا إلى مكان (القصر الإمبراطوري أو الإدارة المركزية) كما نقول الآن (البيت الأبيض أو البانتجون) ولم تُستخدم فقط للتحية أو للإشارة المباشرة إلى شخص الملك، الذي كان يُشار إليه بألقاب مثل: (نسو) أي الملك، أو (حيكا) أي الحاكم أو الإله الصغير المعبود.
وخلال الدولة الحديثة بدأت الكلمة تتحول مجازيًا؛ لتُشير إلى اسم الملك نفسه احتراما وتوقيرا وتجنبا لنطق اسمه مباشرة، وخلال العصر المبتدئ الثالث والأسرة 22 فما بعدها أصبحت (بر-عا) تُكتب مقترنة باسم الملك المباشر كلقب رسمي؛ فيقال مثلاً: “فرعون ششنق” (بر -عا ششنق)، مثلما يُقال: (الملك فاروق أو الملك حسين أو الملك فهد) مثلا.
3. انتقال الكلمة بمستواها الصوتي عبر اللغات السامية (الآرامية، العبرية القديمة، العربية):
– ففي العبرية التناخية (لغة الكتاب المقدس العبرية القديمة): كُتبت (فرووو).
– وفي الآرامية: كُتبت (فيرون) بزيادة النون المُتمِّمة التي تخضع لقواعد النطق والتعريب السامي.
– وفي العربية:
انتقلت (فرعون) كاسم ممنوع من الصرف على وزن (فِعْلَوْن) مثل: (قابوس، وطالوت وجَالُوت …..) وغيرها من الأسماء الأعجمية الممنوعة من الصرف عند نُحاة العرب، حيث تحولت النون المتمِّمة إلى جزء من البنية الصوتية للكلمة.
ثانياً:
الأدلة الأيقونوجرافية (وهو المصطلح الذي يُعْنَي بالتفسير الرمزي والعلاماتي للصور والأعمال الفنية وسيميائيتها) مع الأدلة الأركولوجية (الآثارية) في تحديد فلسفة الحكم:
1. غياب كلمة (فرعون) كـاسم علم في الخراطيش الملكية
والخرطوش الملكي (والخرطوش هو الإطار البيضاوي الذي يحيط باسم الملك لحمايته) كان للملك المصري القديم خمسة ألقاب رسمية:
(حورس – السيدتين – حورس الذهبي – اسم التتويج – ابن رع)
والثابت أنه لا يوجد خرطوش ملكي واحد تم اكتشافه في أثار مصر القديمة، يحتوي على كلمة (فرعون) كاسم شخصي للملك، والأسماء التي داخل الخراطيش هي أصحاب السلالات: (مينا، خوفو، سنوسرت، تحتمس، رمسيس، أمنحتب، ….. إلخ).
وهذا ينفي قطعياً بحسب المعطيات الأركيولوجية (الآثارية) أن تكون هذه المفردة (فرعون) اسما لشخص بعينه.
2. في الأيقونوجرافيا (وهو المصطلح الذي يُعْنَي بالتفسير الرمزي والعلاماتي للصور والأعمال الفنية وسيميائيتها) وطبيعة الذات الملكية
في الفن والأيقونوجرافيا المصرية: الملك هو المتلقي لطقس “الماعت” (الحق والعدل والشرعية النظامية).
يمثل الملك الحلقة البينية بين الآلهة والشعب، وعندما تجسد النصوص مشاهد الآلهة وهي تمنح الحياة للملك، يُشار إليه بألقابه الرسمية المحددة وليس باسم عام.
ثالثاً:
في السياق القرآني: يتناول القرآن الكريم لفظ (فرعون)بخصائص أسلوبية ودلالية لافتة للانتباه، فقد ورد اللفظ في القرآن 74 موضعًا في 67 آيةً موزعا خلال 27 سورة قرآنية، يمكننا تصنيفه في محاور: (إرسال النبي موسى إليه – تكذيبه له – إغراقه وجنده – جحوده للبينات – عذابه) كما ورد دائما معرّفا بنفسه وبدون أداة التعريف قال: (فرعون) وليس (الفرعون)، وجاء مقترناً بأسماء أعلام أخرى في مواضع متعددة مثل: (…. وَهَامَانَ، …. وَقَارُونَ) كما ورد اسم هذه الأعلام الأخرى، بصيغة النداء المباشرة على لسانه: “يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا” وورد على لسانه مخاطبا جموع المصريين بصيغة: “يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيري”.
فلم يكن (فرعونُ) اسما شخصيا كـ (أحمد أو حسين أو نجيب…. أو زيد أو عبيد) وُلد به حاكمًا لمصر، بل كان في أصله اللغوي والآثاري توصيفا ولقبًا ملكيا نابعًا من البيئة الإدارية المصرية القديمة (البيت الكبير) والذي تحول خلال القرن الأول قبل الميلاد إلى صيغة تكريم وتعظيم لملوك مصر القديمة كافة، كما نقول اليوم (دولة رئيس الوزراء فلان).
غير أن الطول الزمني لاستخدامه، وانتقاله عبر التاريخ في اللغات السامية المجاورة، أسبغ عليه صيغة (عَلَم الغلبة)؛ فصار يُطلق على حاكم مصر في زُمن مجادلة النبي موسى -عليه السلام- تماماً، وكما صار لقب (قيصر) دالاً على حاكم الروم، و(كسرى) على حاكم الفارس، و(النجاشي) على حاكم الحبشة، وإن كانت أصولها جميعاً ألقابًا ووظائفَ لا أسماءَ ميلادٍ خاصةٍ بأشخاصٍ معينين كأعلام لهم.
وإجمالا لم تقف هذه المقالة عند حدود التتبع اللغوي للمفردة، بل سعت إلى تفكيك البنية الدلالية للفظة (بر-عا) وتطورها عبر أربعة آلاف سنة من التاريخ المصري القديم، ولفظة (فرعون) الواردة في العبرية التناخية وفي النص القرآني كانت بمثابة رمزٍ يحملُ سماتٍ محددة، فالمسألة تتجاوز كونها بحثا في أصل الكلمة وتطورها الصوتي أو التركيبي أو الدلالي، لتلامس الفلسفة السياسية والدينية لنظام الحكم في مصر القديمة، وتوضح كيف انتقلت اللفظة عبر الألسن السامية لتتخذ أبعادا صوتية ودلالية جديدة، كان مُرْسَاها لفظة فرعون في القرآن الكريم.
لقد استهدفنا في طرحنا لمقالتنا هذه، تقديم رؤية علمية منهجية تعتمد المنهج السيميائي التفكيكي مستندة على تتبع خطوات البحث اللغوي اللساني والتأريخي، لنقارن بين المعطيات الأركيولوجية والتاريخية، التي توثقها الخراطيش التي حملت الألقاب الملكية في مصر القديمة من جهة، ومرويات النصوص المقدسة من ناحية أخرى؛ كي تكون هذه المقالة بذرةً أولى لأبحاث أكثر دقة وشمولية، تطرح تساؤلاتها المركزة على طاولة البحث التاريخي واللغوي والديني، لنصل إلى فهم أكثر دقة لطبيعة هذه اللفظة (فرعون) ومدى تعبيرها عن شخصٍ بعينه، أم هي تعبير مجازي استعاري يُعَبِّرُ بشكلٍ رامزٍ عن مظلة سياسية تجسد العناد والكبرياء والاستبداد البشري لمن يتجبر من الحكام المستبدين في كافة عصور التاريخ.
وبالتالي لا يحتاج إثبات العلاقة الدلالية بين فرعون موسى -عليه السلام- الذي ورد في المرويات المقدسة وفرعون الآثار، الذي ورد في تاريخ أشخاص ملوك مصر القديمة الهيروغليفيين بعينه، جهدا بحثيًا ولا جدلا صوفصطائيًا؛ فكلمة فرعون لا تعني علما ملتصقا بشخص محدد، وهذا وفق نتائج تتبع دلالة لفظ (بر -عا) عبر تاريخ الأسر المصرية القديمة، ففي الدولة القديمة كانت تعني الكلمة: (القصر الإمبراطوري، أو الإدارة المركزية) ولم تُستخدم بشكل حصري لتحية شخص الملك المصري القديم، الذي كان يُشار إليه بألقاب أخرى كـــ(نسو) الملك، أو (حيكا) الحاكم أو الإله الصغير المعبود، وخلال الدولة الحديثة بدأت الكلمة تتحول مجازيًا لتُشير إلى اسم الملك نفسه احتراما وتوقيرا وتجنبا لنطق اسمه مباشرة، وخلال العصر المبتدئ الثالث والأسر 22 فما بعدها أصبحت (بر-عا) تُكتب مقترنة باسم الحاكم المباشر كلقب رسمي؛ فيقال مثلاً: فرعون ششنق (بر-عا ششنق)، مثلما يُقال: (الملك فاروق أو الملك حسين أو الملك فهد) مثلا، بل جاءت مجردةً من أداة التعريف لتكون استعارة رمزية تدل على كل شخص اتسم في سيرته وصورته وسريرته بالسمات التي وُصف بها فرعون الخروج الذي ورد اسمُه في الألسنة السامية على اختلافها، وفي التورات التناخية (العبرية القديمة) وحتى نصوص القرآن الكريم، فكان اللفظ صفة عامة، وليس اسما محددًا لِعَلَمٍ نُجْهِدُ أنفسَنا في البحث عن ذاته الخاصة دون جدوى، وهذا يزيل اللغط القائم بين غير المتخصصين من التيارات التي تستهدف النصوص الدينية بالطعن والتشكيك من ناحية، وتيارات التصدي لهم من ناحية أخرى.
**************
أ د/ نجيب عثمان أيوب.
جامعة العاصمة
حلوان سابقا.





