أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

تركية لوصيف تكتب سيميائية الظلام والنور وتقنيات كتابة السيناريو في قصة “الطبيب الحزين

للقاص العراقي د. مصطفى لطيف عارف

 

تركية لوصيف

 

ما شدني في قصة الطبيب الحزين ليس موضوعها عن الحب الضائع وحده، فقصص الحب الضائع كثيرة في الأدب العربي، بل ما شدني حقا هو كيف كُتبت هذه القصة، كأنها لم تكتب كقصة قصيرة لتقرأ بل كتبت كسيناريو فيلم سينمائي قديم جاهز للإخراج، كل أدواتها ظاهرة من خلال الصورة السينمائية، من الإضاءة والصوت وحركة الكاميرا والاقتصاد في الحوار إلى توظيف الزمن والمكان كشخصيات درامية، وهذا ما يجعلها نصا قابلا للمشاهدة أكثر من كونها نصا قابلا للقراءة فقط. إن أول ما يلفت الانتباه هو طريقة الدخول إلى القصة، فالكاتب لا يبدأ من البداية المنطقية ولا يقدم لنا تمهيدا عن حياة البطل وطفولته ودراسته، بل يدخل بنا متأخرا جدا إلى قلب الحدث، وهي قاعدة ذهبية في كتابة السيناريو تقول ادخل متأخرا واخرج مبكرا، فنجد أنفسنا فجأة في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، برد قارص ينهش العظام، مطر غزير يطرق النوافذ، انقطاع تام للكهرباء، عمارة مظلمة تماما، بطل نائم متعب من عمل المستشفى، ثم جرس باب لا يتوقف عن الرنين بشكل هستيري وطرق عنيف يكاد يكسر الخشب، ثم جملة واحدة قصيرة تفجر الحدث الدرامي كله هي زوجتي تموت ساعدني، هذه هي ما يسمى في السيناريو بنقطة الانطلاق أو الحادث المحرض، لا يوجد وقت للشرح ولا للتعارف، هناك امرأة تموت ويجب أن يتحرك الطبيب فورا، وهذا التكثيف الزماني والمكاني في شقة واحدة وليلة واحدة هو ما يسمى بوحدة المكان والزمان التي تزيد من التوتر الدرامي وتجعل المشاهد محاصرا مع البطل في نفس الظلام ونفس البرد.
ثم يأتي استخدام التقنية الأهم التي بنيت عليها القصة كلها وهي تقنية العودة إلى الوراء أو ما يعرف بالفلاش باك، فبعد أن يصعد الطبيب مع الرجل إلى الشقة المظلمة وتبدأ المرأة بالصراخ من ألم المخاض، يقطع الكاتب الزمن الحاضر ليعود بنا عشرين سنة إلى الوراء، وهذا القطع ليس مجرد استرجاع للذكريات بل هو جوهر التجربة النفسية للبطل الذي يعيش حاضره وهو مسكون بماضيه، فالمشاهد أو القارئ يكتشف مع البطل تدريجيا من هو هذا الطبيب الحزين ولماذا هو حزين. وهنا تظهر ملاحظتي الخاصة التي سجلتها أثناء القراءة حول لغة الألوان في الذاكرة السينمائية، كانت الذاكرة لها ألوانها، إذا كانت قريبة كانت اللقطات بلون بني مائل للاصفرار يسمى السيبيا، وإذا كانت قديمة جدا كانت بالأبيض والأسود، وإذا كانت في الحاضر كانت بالألوان الطبيعية الحالية، وهذا بالضبط ما يطبقه الكاتب دون أن يصرح به، فحاضر القصة مصور بألوان باردة وكئيبة، ظلام دامس وبرد ومطر وشقة معتمة لا يدخلها نور، بينما ماضي الريف مع اشتياق نور كان مصورا بألوان دافئة ومشرقة، نهر جار وأشجار خضراء وسماء صافية وشمس، وهذا التضاد اللوني ليس زخرفة بل هو سيميائية كاملة، فالنور هو الحب والحياة والبراءة، والظلام هو الفقد والمنفى والقهر، والحب هو الذي ينير الحياة وبدونه يعيش الإنسان في الظلام، وهذا ما أكده البطل حين قال إنه كان يعيش الظلام منذ أن فقد اشتياق.
أما البطل نفسه فهو مرسوم بمنطق كتابة الشخصية السينمائية لخلق التعاطف الفوري، فهو لا يقدم كطبيب ناجح ووسيم بل يقدم في ماضيه كمراهق قصير القامة ليس وسيما ولا يملك من مقومات الجاذبية شيئا، وكانت البنات يهربن منه ويسخرن منه، فلم يجد ملاذا إلا الشعر، كان يكتب الشعر ويحمل فيض مشاعر كبيرة يريد أن يمنحها لفتاة أحلامه، وهذا التقديم يجعلنا نتعاطف معه فورا لأنه الضحية، وحين يلتقي باشتياق نور ابنة العقيد نور الدين، وهي فتاة محمية بمنصب والدها في الشرطة أو الأمن، لا تهرب منه كما فعلت الأخريات بل تستمع لشعره وتعامله معاملة طيبة ، فتكون هي أول واحدة ترى داخله لا خارجه، وهنا تحدث لحظة النور الأولى في القصة، لحظة يلتقي فيها شاعر منبوذ بفتاة تسمعه لكن هذا الحب البريء الذي ولد على ضفة النهر سرعان ما يصطدم بجدار السلطة الأبوية والاجتماعية، فوالد إبراهيم يتشاجر مع والد اشتياق بسبب مشاكل مالية، ويقرر كحل أن ينتزع ابنه من الريف ويسفره قسرا إلى بريطانيا لدراسة الطب ويطلب منه ألا يعود حتى ينال الشهادة، وهنا يفقد البطل البوصلة تماما، وهذه الجملة فقدان البوصلة التي سجلتها هي المفتاح السينمائي للفصل الثاني، فالشاب يضيع في المنفى والوحدة وقسوة الحياة في الغربة، ونحن نفقد معه اشتياق ولا نعرف ماذا حدث لها، وهذا الغياب الطويل هو ما يخلق التشويق.
ثم تأتي الصدفة التراجيدية الكبرى التي هي أداة أساسية في سيناريو الفيلم الميلودرامي، أن يعود الطبيب بعد عشرين سنة، وبعد أن أصبح طبيبا مشهورا، ليجد نفسه يسكن في نفس العمارة التي تسكن فيها حبيبته القديمة دون أن يعرف، وأن تأتيه ليلة ولادتها هو بالذات، هذه الصدفة قد تبدو غير منطقية في الواقع لكنها منطقية جدا في السينما، لأن السينما تقوم على تكثيف القدر. وهنا يبرز عنصر آخر من تقنيات السيناريو وهو مسدس تشيكوف، ففي بداية القصة قال البطل كنت شاعرا، وهذه الجملة وضعت كمسدس على الحائط في الفصل الأول، ويجب أن يطلق في الفصل الأخير، وفعلا فهمنا في النهاية لماذا كان شاعرا، لأن الشعر كان سلاحه الوحيد أمام قبحه وقصر قامته وسلطة أبيه، وحزنه كله هو حزن شاعر فقد قصيدته أما الأدوات البصرية والسمعية فهي مكتوبة باحترافية عالية، فالإضاءة ليست خلفية بل هي شخصية رئيسية، الظلام في العمارة والظلام في الشقة والشمعة الواحدة التي تضيء وجه المرأة المتألمة، كل ذلك هو إضاءة تعبيرية تقول إن هذا العالم بلا حب هو عالم مظلم، وانقطاع الكهرباء ليس ظرفا تقنيا بل هو انقطاع الأمل والصوت أيضا هو شريط صوتي كامل، جرس لا يتوقف وطرق عنيف ومطر وصوت ريح وصراخ ولادة يتحول فجأة إلى صمت إغماء ثم بكاء طفل وليد، كل ذلك دون الحاجة إلى موسيقى تصويرية، لأن الأصوات الطبيعية هي الموسيقى.


وأخيرا يأتي الاقتصاد في الحوار وهو أهم درس في كتابة السيناريو، فالسيناريو الجيد هو تسعون بالمائة صورة وعشرة بالمائة حوار، والحوار لا يشرح ما نراه بل يفجر ما لا نراه، والقصة كلها قامت على أربع جمل فقط، زوجتي تموت، ما اسمك، اشتياق نور، نسميه إبراهيم، هذه الجمل الأربع قلبت حياة شخصين، فحين سألها عن اسمها وقالت اشتياق نور سقط القلم من يده في حركة بطيئة محسوبة، وهذا السقوط هو ذروة القصة، لحظة اكتشاف الحقيقة أو ما يسمى بالكشف، ثم يأتي الصمت الطويل، لغة الصمت والدموع والندم والحسرة والألم، هي تنظر إليه نظرة المظلومة التي تزوجت مرغمة من ابن عمها السكير، وهو ينظر إليها كمن رأى قبر حبه يمشي أمامه. ثم تأتي الجملة الأخيرة الخالدة نسميه إبراهيم التي قالها الزوج وهو يسأل عن اسم الطفل، فتجيب هي بصوت يائس مكسور نسميه إبراهيم، هذه الجملة ليست مجرد اختيار اسم بل هي فعل تخليد رمزي ومقاومة أخيرة صامتة، كأنها تقول أنا أحببت إبراهيم وسأظل أحبه لكنني سأحييه في جسد جديد هو ابني.


—
لماذا هي قصة موجهة للشاشة وغير مكلفة للمنتج
—
وهذا هو ما يجعل الطبيب الحزين قصة موجهة للشاشة بامتياز وغير مكلفة للمنتج، وهذا ما شدني أكثر. فمن الناحية الإنتاجية، أول نقطة هي وحدة المكان والزمان التي توفر سبعين بالمئة من الميزانية، فالفيلم كله يحدث في مكانين فقط، مكان داخلي واحد هو شقة مظلمة بديكور واحد حقيقي، ومكان خارجي طبيعي هو ضفة نهر لمشهد الفلاش باك، وهذا يعني أن المنتج لا يحتاج إلى استوديو ولا إلى بناء ديكورات ضخمة ولا إلى تنقلات كثيرة، بل شقة واحدة تكفي و النقطة الثانية هي قلة الممثلين، ثلاثة ممثلين أساسيين فقط هم الطبيب إبراهيم وسمير الزوج واشتياق نور، مع كومبارس في مشهد الريف، وهذا يقلل أجور الممثلين وتكاليف الإعاشة والتنقل. النقطة الثالثة وهي الأذكى هي الإضاءة الطبيعية الرخيصة، فالظلام هو بطل الفيلم وانقطاع الكهرباء يخدمنا إنتاجيا، نحتاج شمعة واحدة ومصباح يدوي فقط، لا نحتاج معدات إضاءة ضخمة وغالية، والظلام يغطي عيوب الديكور ويخلق جوا سينمائيا مجانا و النقطة الرابعة هي غياب المؤثرات البصرية المكلفة، لا انفجارات ولا مطاردات سيارات ولا جرافيك، القصة كلها مشاعر ونظرات وصمت، والمؤثر الوحيد هو صوت مطر يمكن تركيبه في المونتاج، والملابس بسيطة جدا ملابس شتوية عادية وحقيبة طبيب وشمعة و النقطة الخامسة هي زمن التصوير القصي القصير، فالقصة تصلح فيلما قصيرا من عشر إلى خمس عشرة دقيقة يمكن تصويره في يومين فقط

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى