سليم النجار يكتب رواية “غربان ديكسون” لجهاد الرنتيسي
رؤية سارد أو رؤية كاتب الرواية

رواية “غربان ديكسون للكاتب جهاد الرنتيسي بالغة الضبابية، لدرجة أنَّ السارد يُعبِّر عن شك يشمل المحكيَّ كله: وأنا أعرض هذه الرواية أتساءل؛ هل كانت هذه الرواية واقعية أم نتاج موقف سياسي؟ ألم يكن يعرف حقيقة ديكسون وبأنَّ ظهوره حقيقي وهو الحاكم لإمارة الكويت آنذاك! وهل كان الكاتب “جهاد” قد وظف الزمن الماضي ليستعمل الحاضر كموقف؟: (لديَّ من الأسباب ما يكفي لاستبعاد عفوية مقارنة ديكسون لأعراف البدو وتقاليدهم بحياة الغرب ص١٠).
نحن هنا أمام تهدئة طويلة وغنيّة عن كلّ تعليق، فلا علاقة لها بما يخصّ رؤية الكاتب التي امتزجت مع تاريخ الإمارة.
ولكن من الممكن أيضاً أن نمكث داخل النص وأن نقضي فيه بعض الوقت للكشف عن خفايا الفضاء. إنَّ إحدى الصور البلاغية التي أخذت طابع الموقف من الحالة الاجتماعية التي قدمت للكويت، وهذا الموقف ليس موقفاً اعتباطياً أو تحامل سياسي، بل هو رصد للتغيير الاجتماعي الذي طرأ على أهل الإمارة: (تقاسم الإرسالي والُمعتمد رغبة إبقاء الفلسطيني كائناً غير مرئي يغرق في سراب تلك البلاد ص٢٢).
حاول الكاتب الرنتيسي جاهداً البرهنة على أنَّ بإمكاننا الكشف عن الفضاء من خلال تمطيط زمن الخطاب وزمن القراءة في علاقتهما في الرواية: (أطلب منها التوقف عن معابثة الخيال، استغرَقَا في الضحك ص٣٠).
أما وقد إتخذ الوصف الآن بُعداً إنسانياً، فإنَّ القارئ سيبدأ في تمييز المنحدرات التي أراد الكاتب وصفها كحالة موضوعية وجدت في الإمارة في ذات الوقت، لكي يصل إلى ممرات وطرق أدت إلى شكل تصاعدي في السرد: (أي أسئلة تطلقها يقظتي في خيالات الجيران قبل نومهم ص٤٠).

ونلاحظ كون العلاقة بين هذين المحورين جزءاً من بُنية التوالد السردي في الخطاب، أنَّ الأسئلة كثيمة، متعدد الدلالات، وهو بذلك عالم ممتد ومتسع وشامل. وهذه إحدّى العناصر التي يتشكل منها في إطار العالم الروائي “الشخصيات”:
شخصيات محورية، نجد في الرواية شخصيات عديدة منها ما هو متصل بحكم الإمارة وشخصيات أخرى تعمل في فضاء الإمارة وتتقاسم كل مشاكلها مع الشخصية المحورية. اللافت في هذا السياق بأنه لا يوجد شخصيات نموذجية يمكن تأطيرها كتصنيف على أنها تملك خطاب محدد، بقدر ما تملك تعليمات من المستعمر الإنجليزي، وهنا ندخل في سياق مختلف نوعًا ما عن الخطاب السائد في بداية الرواية، فالخطاب هنا هو خطاب إحلالي يستعيد ثقافة المندوب الإنجليزي ليراقب خطاب الأهالي: (كانت الكويت وفلسطين خاضعتين للنفوذ البريطاني ص٤١)، وفي صورة أخري يقول الكاتب: (بحكم الانتداب، بالغ في شروحاته حين أوغل في تفاصيل الفارق بين الاثنين ص٤١).
يرمز الكاتب الى المندوب الإنجليزي للاستغلال والتمويه والتعرية لما يوصف من هم الأقدر على بناء دولة الكويت. ونتساءل بدورنا هل كان المندوب الإنجليزي بريء من هذه الوصف: (وجه البريطانيون حاكم الكويت في ذلك الزمن، قالها بهدوء، أبلغوه أن الفلسطينيين الأقدر على المشاركة في بناء الدولة ص٤٢).
عندما اختزلنا خصوصية خطاب “غربان ديكسون” في مبدأ التوالد السردي، كنا نعطي لهذا المبدأ دوره في ظبط الحكي وإعطائه منطقه الخاصّ، وبهذا المعنى تجاوز الكاتب في خطابه الخطاب التقليدي وانزاح عن الحكي التقليدي، واحتكم لخطاب خاص به. أو أعاد إنتاج خطاب متداول شفاهياً، وما فعله الرنتيسي كتابته نصاً، أو سعى جاهداً إلى بناء خطاب نقيض ما هو متدوال.
رواية “غربان ديكسون” الصادرة عن دار المرايا للثقافة والفنون – ٢٠٢٦، تجربة روائية ليست معزولة عن ثقافة ما يمكن تسميته “المسكوت عنه”.





