أراء حرةالرئيسية

عماد خالد رحمة يكتب دراسة في قصيدة “أصابع البيانو” للشاعرة العراقية نيسان سليم رأفت

_ قضية الذات في مواجهة الغياب.

تبدأ الشاعرة العراقية نيسان سليم رأفت بـ«اليوم… من على ضفافِ ذاك النهر نثرتُ أممَ نصوصي وبكرَ أشعاري»—مشهد دخولي لزمن السرد الشعري من منبعٍ متفجر رغم قحط الواقع. هذه الذات الشعرية تتعانق مع نهر الزمن، في مشهد استعاري رمزي يستبطن الحضور/الغياب، والإبداع/الحرمان، وارتداد النصوص إلى فضاء الرحيل والنزوح.
_ البنية الدلالية والرمزية.

النهر رمز للذاكرة والجريان، والدفق الشعري كان «بكر أشعاري… أينعت في مواسم القحط»—هنا الصراع بين إنتاج الإبداع في فترات جفاف حضاري ووطني.
الرداء الأسود الذي تخلع عنه الشاعرة هو استعارة للعزلة النفسية والكآبة، وتخلعه إشارة لزوال الظلمة ودخول الضوء.
استعارة «أصابع البيانو» في قولها :
«أمسكتُ بيديك… كانت أصابعك تشبه أصابع عازف بيانو»

ترمز إلى تقاطع الصوت واللمس والإحساس، وتستحضر الإيقاع الموسيقي كعلاقة حسية عميقة. أصابع البيانو هنا ليست مجرد عضو بدني، بل شعرٌ ناعمٌ، نغمٌ يشدّ القارئ نحو الآخرِ الغائب.

_ التحليل الأسلوبي والإيقاعي.

توظيف الفواصل الطويلة (….) واستدعاء عبارات اليوم/أمس/الولادة/الأمس يخلق إيقاعاً شعورياً داخلياً يشبه عزف البيانو نفسه: نغمات وانتقالات، انقباض وانبساط. كما تحتوي الأبيات على التناصّ الزمني، تقول الشاعر نيسان :
«أعيد أكتافي إلى الوراء وأغير من وضع ساقي»—تحول داخلي في الزمن الذاتي.

الإيقاع يتدارك التوتر العاطفي من خلال توازنات صوتية بين تكرار (اليوم…) وبين تقنيات بلاغية مثل السجع الداخلي: «المدن… النزوح… القحط».

_ التحليل النفسي والعاطفي.

الذات في مواجهة ضعفها وغياب الآخر، تبحث عن التماسك العاطفي، تقول :
«أخبرني… وبعد اليوم كيف ألد الشعر دونك»
جملة مفتوحة؛ تضخّم الشوق، وترصد سؤالًا وجوديًا عن العلاقة بين الحب والإبداع. هنا، الشعر محدود بغياب الآخر، والشاعرة ترى أن الحب هو القوة التي تملأ فضاءها «منثور البنفسج على سفح المدى».
الشعور بالخوف يتجلّى بـقولها :
«أرتعشت أطرافي كخوف الطيور من صوت البندقية»
استخدام الطبيعة للتصوير النفسي يعكس اضطرابًا داخليًا. الطير رمز للذات المكلومة، والبندقية رمز التهديد، في مواجهة الآخر.

_ التأويل الهيرمينوطيقي: التفسير ما وراء السطح.
النص يحيلنا إلى تجربة النزوح، الحروب، وجراح الوطن، ولكن بحس رمزي داخلي: طرح الشعر كمرآة للذات داخل التاريخ، والآخر كغائب أو محتل. قراءة هيرمينوطيقية توصّل إلى أن الشاعرة تمارس تضاد الذات/الآخر ليس فقط كقضية سياسية، بل كمعركة داخلية مع الذاكرة والجسد.

_ الصور الشعرية والرؤى العاطفية.
وأنتشي بما تبقى لي: تعبير عن انعتاق من الحزن عبر المادة المتبقية، لون الضوء الشعري في ظل اللون الأسود للألم.

رأسي كما ينسل السيف من غمده: استعارة للقوة المكبوتة التي تستعد للخروج، إشارة إلى الحسم والقرار الذاتي.

ثياب أيامك تعوم كالسمك الميت على سطح المحيط: وصورة قوية تعكس موت العلاقات، وخلو الحضور من الحياة، في مقابل مساحة فسيحة: المحيط = الفراغ.

_ التكوين العاطفي والهيكلة النفسية.
النص ينتقل بين الوعي واللاوعي، بين الجرأة والانكسار، عبر مقاطع تموج بالشوق والغياب، ثم تتحول إلى بطش عاطفي: البندقية، السمك الميت، الرداء الأسود… تتداخل هذه المعاني لتعكس تجربة النزوح والاحتلال الداخلي، لكن في الوقت نفسه ينبثق عنها تشبّث بالإبداع والحرية.
_ خلاصة فلسفية نقدية

الشاعرة نيسان سليم رأفت تشكّل نصّاً يدمج بين الأنا الشعرية والمكان والآخر، وفيه تتحول أدوات الصدمة (النزوح، الغياب) إلى شعرٍ موشح بالبداع الداخلي. الذات هنا تستعيد عهدها مع الزمن، مع الحب، مع الشعر. إنها نص حرّ في بنائه البنيوي، لكنه عميق في دلالاته النفسية، ويؤسس لمقاربة فلسفية شعرية تتخطى التقليد، نحو أصالة تعبيرية تعيد تأسيس صوت الذات العربية النازحة، المغتربة، الباحثة عن الذات، عن الحب، عن الشعر.

نص القصيدة:

أصابع البيانو
اليوم ….
من على ضفافِ ذاك النهر
نثرتُ أممَ نصوصي
وبكرَ أشعاري التي أينعت في مواسم ِالقحطِ
أفكرُ بذاكَ الذي لم ينتبه
كيفَ عكرتْ صفوَ ملامحهِ السنواتُ
وتشربتْ جريان نزوحه ِالمدنُ
أليوم ….
سأخلعُ عني ذاكَ الرداء المليء
بالألوانِ السوداء
وأنتشي بما تبقى لي
كأن أرفعَ رأسي
كما ينسل السيفُ من غمدهِ
أطالع ُالشمسَ وأن كان َوقت الغروبِ
أعيد ُأكتافي إلى الوراءِ وأغير ُمن وضعِ ساقي
أعودُ إلى عزِّ إيامي
وأستذكر ماقاله لي
عند َولادتك
….. …..
أمسكتُ بيديكَ
كانت أصابعك تشبه أصابع عازف بيانو
نظراتك لم تكن طائشة
كانت تحملُ في صفائها
سنواتٍ غائمة
حينها أرتعشت أطرافي
كخوفِ الطيورِ من صوت ِالبندقيةِ
جفلت ُوأنا أرى طالعك،
ثيابَ أيامك ،
تعوم ُكالسمكِ الميت ِ
على سطحِ المحيطِ
أخبرني …..
وبعد اليوم
كيف َ ألد ُالشعر َدونك
والحبُّ لدي يملأ منثور َالبنفسج
على سفحِ المدى
وقبلٌ دبقة ٌ بوسعها أن تغطي الأماكنَ التي تركناها مكرهين
…… …….
ما زلت أحلم أن أعيشَ للمئة
أواكب كل َّ التفاصيل التي أكرهها….
أحمر ُالشفاهِ على فستاني الأبيض َ…
جعلني أبدو ملاكاً هارباً من الربِّ…
بوسعي أن أضاعفَ العمرَ

فقط…
لو حظيتُ بضمّكَ !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى