أخبار عاجلةالرئيسيةساحة الإبداع

محمد إبراهيم الفلاح يكتب مَملَكَـةُ الغِـربــانِ

في المَنفى السعيد يُجالسهُ السُّكونُ وَمع آخر هَبَّةِ نسيم كان طلال ينتظرُ إطلاق صافرة النفير لِتُغَيِّرَ عُروجَهُ إلى سدرة الأحلام وَتعودَ به إلى حيث وُلِدَ اضطرارًا لأبٍ لم يَرَهُ وَأمٍّ تزوجَتْ بأبيه مقابل ما دفعه لها أعيانُ القرية الذين كانوا يُنظِّمون مثلَ هذي المسرحيات الإباحية الهزلية في خيامٍ سوداء كانوا يسمون مَن يدخُلنَ فيها بالمجاهدات جهاد النِّكاحِ…
كان قد أعدَّ لمعركةٍ فاصلة بينه وَبين حليف قومهِ بالأمس القريب وعدوِّهم اللدود اليوم الذي تمرَّد عليهم بعد أن وَجَدَ صحيحَ العقيدة الذي تَمَنَّى عند شُيوخٍ أقنعوه بفسادِ عقيدةِ مَن آووهُ قبلَهُمْ وَمنْ قبلَهُمْ وَمنْ قبلَهُمْ.
كان طلال آخر مَنْ تَبَقَّى من سلالة قومهِ وَينتظرُ لقاء آخرَ مَنْ تَبَقَّى من قومِ الأعداء بعد أن فَنِيَ الجَميعُ وَلَمْ يَبقَ إلا الأرض شَهيدًا على المعركة بين الابن ذي العشرين خريفًا وَالأبِ ذي الأربعينَ خريفًا وكلاهما في ملامحه الإصرارُ على قَتلِ الآخرِ… وَمَع آخرَ طَعنَةِ سنكيٍّ وَجَّهها الأبُ بينَ خِصريّ ابنهِ فاضت دُموعُ الابنِ وَهو يَقرأُ أعلى جَبهةِ رأسِ أبيه المتشحة بالسواد _ وذلك بعدَ ان قطفها بسيفه_ ما كانت قد تَنَبَّأتْ لهُ به غَجريَّةٌ ذات يومٍ مرَّتْ به بمنفاه السَّعيدِ وَقرأتْ له ما تُوحي به خطوط كَفِّهِ التي أخبرتها فقالت:
“يَحملُ هَذا الكَفُّ رأسًا حَمِلتْهُ ظَهرًا، وَأشقَتْهُ عُمرًا، وترافِقُهُ قَبرًا وَتَقتُلُهُ نَذرًا.”
وَراحَ يَبحثُ عن قبرٍ يدفنُ فيه هذه الرأس وَهذا الجسم، فلم يجدْ قَبرًا وَلا حُفرةً فارغة بعدَ أنِ امتَلأتْ جميعُها بالأشلاء وَالجُثثِ، إلا قَبرًا كان لِجُنديةٍ قيلَ إنها أول مَن جاهدت جهادَ نِكاحِ في قَومها حتى أتاها الموتُ غدرًا على يَدِ زوجها قبلَ أن يَأخذَ ابنها إلى ثالث القبائل التي اعتنق مذهبها وكانت هذه القبلَ قبلَ الأخيرةِ في حياتهِ.. وَهناك دَفنَ الجسمَ دون الرَّأسِ التي لم يَجِدْ لها مَكانًا سِوى في قَبرٍ كان قد أعدَّهُ لِنَفسهِ تحسبًا لحدوث الطاعون الذي كان يضرب هذي الأرض مرةً أو اثنتين كل عام وَبعد أن اشتمَّ رائحته من بعيد سارع إلى الاختباء به وَأغلقَ على نفسه من أسفل وَظَلَّ سنينَ لا طعام له إلا الحشرات والزواحف وَلا شراب له إلا من بَولهِ وَما كان يسقطُ من أمطار وذلك إلى أن صحا يَومًا على صوت أطفال يعبثون حول القبر وَفي يد كل واحد منهم سَيفٌ يَطعنُ به ما كانت أحدثته الأمطار في القبر من ثقوب صغيرة للغاية ليُوَسِّعُوها وذلك بعد أن أخبرتهم مليكتهم العرافة الصغيرة أنَّ مَن يُحضر لها رأسَ قاتل أبيها وَيُعيد لها رأسَهُ ستصبحُ زَوجةً له مدى الحياة وَيصيرُ قائدًا للجيش… وَما إن ظهرَ بِرأسهِ حتى تناوبتْ عليه طعنات سيوف الأطفال وَرِماحهم وَأزالتْ الدِّماءُ ما كان على الرأس المدفون معه من رمال وبقايا شَعرٍ فَوَجَدَ مكتوبًا عليه ما آلَمَهُ أكثر من الطِّعانِ وبذات خطِّ يَدِ العرافة التي تنبَّأت له من قبلُ، وكان المكتوب كالتالي:
“يَحملُ هذا الرأسَ ابنٌ يقطفهُ سيفًا، وَيطلبهُ عُمرًا، وَيرافقه قَبرًا وَتقتلهُ أيادٍ أعلى القبر نَذرًا.”
واقتتَلَ الصغار حتى الموت على الرأس وَتَكسَّرَتْ السُّيوفُ وَلم يَنْجُ إلا رُمح كان بين نَصْلَيهِ رأسُ الأبِ وَحَملَ الرمح بين فكيه غراب هذي الأرض القحلة وَألقى الرمح أعلى قلعة المليكة الصغيرة التي وَفاءًا بِنذْرِها صارت زَوجةً لهذا الغراب وَظلا يَحكُمان المملكة بلا رعيةٍ سِوى الغِـربــانِ.

القاص والمترجم والشاعر محمد الفلاح ـ مصر

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى