خديجة مسروق تكتب السرد الدرامي في رواية ‘ خلف ستائر فيينا ‘ للروائية ‘ لوريس الفرح ‘

النص الإبداعي المعاصر عبارة عن نسيج فني متشابك تلتقي فيه مجموعة من العناصر الثقافية , و تندمج فيه بعض الأنواع الأدبية ,حتى فقد الجنس الأدبي هويته و شكله , و صار هجينا يصعب تصنيفه لا سيما الجنس الروائي. و ذلك ضمن العملية التجريبية . فكل تجريب هو حركة أدبية انتقالية من الثبات إلى الاستمرارية لتحقيق الديمومة و التطور .
في ثلاثمائة و أربع عشرة صفحة نسجت الروائية ‘الفرح لوريس ‘ خيوط روايتها ‘ خلف ستائر فيينا ‘ التي صدرت في 2022.
كانت حبكة النص على طريقة حبكة الرواية الكلاسيكية متسلسلة تسلسلا منطقيا منسجما , مع وجود السارد العليم الذي يملك القدرة على الوقوف على الأبعاد الداخلية و الخارجية للشخصيات و رصد تحركاتهم .مع احترام الروائية لقواعد النص الروائي التجريبي .
أحداث الرواية تدور بين سوريا و العاصمة النمساوية فيينا .
تتوزع على الفضاء النصي مجموعة من الشخصيات ( ريم , تيم , لين , رامي , تالا ) امتزجت الروائية بهؤلاء الأبطال الذين عبروا معها تفاصيل الحكاية ,حتى بدت واحدة منهم .
التيمة المهيمنة على النص هي تيمة التضحية . يقوم أبطال الرواية بدور التضحية حدّ المثالية .
فإلى أي مدى كانت تضحية هاته الشخصيات ؟ و هل الحب يتطلب التضحية دائما ؟
وهل القدر وحده يرسم مصير الإنسان , أم الإنسان أيضا له دوره في تقرير مصيره ؟
‘ ريم ‘ وحدها بأنوثتها الصاخبة كات تفجر بركان العواطف المتأججة داخل ‘ تيم ‘ .
‘ ريم ‘ و ‘ تيم ‘ عاشقان إلى أبعد الحدود. من عائلتين سوريتن عرفتا بالثراء . تتنقل عائلتهما بين سوريا و فيينا . عاشا قصة حبّ عنيفة , جمعتهما أشياء كثيرة . بعد تخرجهما من أكاديمية الفنون الجميلة إحترفا مهنة الرسم , و أقاما مع بعضهما كثيرا من المعارض المشتركة و الفردية الناجحة ..
ليؤكد لها حبه كان ‘ تيم ‘ قد أهدى ‘ ريم ‘ في عيد ميلادها الخامس و العشرين نقشا خط عليه بالألمانية ‘ أنت ضلع من ضلوعي ..انتشلت منه و إليه تعودين ‘ ..
مع اقتراب زفاف ‘ ريم ‘ و ‘ تيم ‘ يلح ‘تيم ‘ على خطيبته المريضة بالقلب , أن تزور الطبيب إطمئنانا على صحتها ., يتفاجئان بنتيجة الفحوصات التي قضت على كل أحلامهما .’ ريم ‘ ليس بإمكانها أن تحمل لخطورة ذلك على صحتها …
الحدث الرئيس في الرواية يدور حول علاقة ‘ تيم’ بـ’ ريم ‘ تفرعت منه مجموعة من الأحداث الثانوية . فهل يستمرا مع بعضهما و يتم زواجهما ؟
تصريح الطبيب كان صادما لهما . ‘ تيم ‘ الشاب الذي كان مولعا بالأطفال حدّ الجنون يتهاوى حلمه أمامه .. عليه أن يضحي بحلمه في إنجاب الطفل الذي لطالما تمناه , أو يضحي بحبه الكبير لـ’ريم ‘ ..
‘ ريم ‘ التي عشقت ‘ تيم ‘ بكل جوارحها وتواعدا على أن لا يفترقا , تجد نفسها بين نارين , إما أن تضحي بحبها لأجل ‘ تيم ‘ الذي تحب, و لأنها تحبه يستوجب عليها التضحية لأجله. أو تكمل مشروع زواجها منه, فتكون ساعتها أنانية و الحب لا يستقيم إذا وجدت الأنانية بين الحبيبن .
يضعها والد ‘ تيم ‘ ‘ نجم الأسمر ‘ بين خيارين , إذا قبلت بالزواج من ابنه لن يقبل يوما أن يراهما يتبنيان طفلا ليس من صلب ابنه . فلاوجود للتبني في عائلتهم ,أو عليها بالإنسحاب .
اختفت ‘ ريم بآلامها أياما , ابتلعت أوجاعها , جمعت كل ما لديها من ‘ ممكنات القوة و الضعف و الحبّ الذي بات يترنح داخلها بين التضحية و الحاجة ‘ ص 23. القرار كان حاسما , قررت الإستسلام لقدرها فجاء ردها طعنة لتقضي على ‘ تيم ‘ . تقضي على نبضات آخر شريان يمدّه بالحياة .
تطلب منه أن يلغي فكرة الزواج بها, و يتزوج من أخرى بإمكانها أن تحقق له حلمه في إنجاب الأطفال .مع وعدها له بأنها ستظل وفية للحب المقدس الذي يجمعهما .
فهل تتقبل رؤيتها له مع امرأة أخرى ؟ و كم يكفيها من الصبر لتحمل ذلك ؟ و هل ‘ تيم ‘ قادر على العيش مع امرأة سواها ؟
الحياة ليست دائما على مقاس رغبات المرء مهما امتلك من المال و النفوذ . الأقدار وحدها تتحكم في مصائر البشر . ‘ تيم ‘ يصر على قراره بإتمام زفافه من ‘ ريم ‘ مؤكدا لها أن أمر إنجاب الأطفال لا يعنيه . الحب وحده هو الذي يمد المرء بالحياة . فإلى أي مدى سيقاوم حبه للأطفال ؟ ‘ ريم ‘ لن تسامح نفسها يوما لو رأت في عينيه لمحة ندم …
‘ تيم ‘ تحت ضغط ‘ ريم ‘ يتزوج بـ ‘ لين الأبيض ‘ سورية هي الأخرى من عائلة ثرية محافظة . فتاة مثقفة جدا تحب مطالعة الكتب و قراءة الروايات . علمت بعلاقة ‘ تيم ‘ المقيم بـ ‘ فيينا ‘ بـ ‘ ريم ‘ لكنها قبلت به . لتتخذه تذكرة عبور لاوربا و تتخلص من قيود والدها .
تريد ‘ لين ‘ تحقيق أحلامها بمواصلة دراستها بألمانيا القريبة من النمسا . وعد ‘ تيم ‘ زوجته ‘ لين ‘ بأنه سيكون وفيا لها كزوجة فقط , و أمْنت نفسها بأنه سينجذب لها مع مرور الأيام .
فما الذي تخبؤه الأيام ؟ و أي امرأة منهما ‘ ريم ‘ أم ‘ لين ‘ سينالها القسم الأكبر من الوجع ؟
تتصاعد وتيرة الأحداث , و يأخذ السرد منحى آخر يكسر أفق توقعات القاريء .
أقام ‘ تيم ‘ مع زوجته في منزل أخيه ‘ رامي ‘ بـ ‘ فيينا ‘ حيث يعمل الأخوان هناك . ‘ تيم ‘ حمّل ‘ رامي ‘ مسؤولية ‘ لين ‘ في غيابه . فأصبح ‘ رامي قريبا جدا من زوجة أخيه , يعطف و يحنو عليها في غياب أخيه ‘ تيم ‘ شبه الدائم.
إلى أن تطورت العلاقة بينهما و تعلقت روحيهما ببعضها البعض . و لم تعد ‘ لين ‘ تعنيها عودة زوجها . و تغير ‘ رامي ‘ في علاقته بصديقته ‘ تالا ‘ التي كان يشعر بالراحة وهو بقربها . ترصدت ‘ تالا ‘ أخباره اشتعلت لهيبا من الغيرة , فأضرمت نيران الحقد داخل ‘ تيم ‘ الرجل الشرقي الذي يغار على شرفه .
و في صحوة ضمير متأخرة أيقظتها نيران الغيرة . أراد ‘ تيم أن يتأكد من أمر خيانة زوجته له من عدمه . يهجم عليها كوحش كاسر يغتصبها , يسلبها بكارتها, شرفها, روحها ..
‘ رامي ‘ لأنه اختار الرجولة التي عرف بها ,اختار المحافظة على الأمانة التي أؤتمن عليها ..
يحدث شرخ كبير في العلاقة بين الأخوين .. الحدث كان أليما أصابهما في المقتل . كل منهما يمشي في طريقه .. شعور بالأسى تملكهما .. كلاهما يحمل نفسه مسؤولية ما جرى ..
‘ ريم ‘ تنام في المشفى , تصارع الألمين . ألم المرض و ألم ما يحدث مع حبيبها .ترى نفسها المسؤولة الوحيدة عن المأساة التي يعيشها ‘ تيم و رامي و لين و تالا ‘ ..
‘ لين ‘ هي الأخرى تدخل المشفى .. يخبرهم الطبيب بأنها حامل .. ‘ ريم تفارق الحياة بعد أن علمت بذلك ..
‘ تيم ‘ لم يحتمل خبر موت ‘ ريم ‘ .. كل شيء توقف عن النبض مع توقف قلب ‘ ريم ‘ . تاه في حقيقة رحيلها .. رغم الحب الذي جمع قلبيهما إلا أنهما لم يستطيعا أن يعيشا الحياة معا ..
أمام هذا الوجع الذي يمزق قلب ‘ تيم ‘ امتدت يد لتنتشله من عذابه و ضياعه , و حدها يد ‘ رامي ‘ كانت قادرة على فعل ذلك ..
حين تؤول التضحية إلى مأساة و تسلزم المأساة الكثير من التضحيات .. استطاعت الروائية صياغة دراما سردية داخل نصها .
و كان للغة سطوتها في حبكة الرواية بصورة شاعرية عذبة تؤكد للقاريء أنه أمام تجربة روائية ثرية و متكاملة .
كما توزعت الأدوار على أبطال الرواية بشكل محكم ودقيق ..
اعتمدت الروائية على فنية السرد البطيء مع اشتغالها على عنصر المفاجأة الذي من شأنه أن يدهش القاريء ويخلق فيه بعض التشويش .الشيء الذي أضفى جمالية متفردة على نص الرواية ..
إن دعتك الحياة فلا تقطب لها حاجبيك ,هذا شعار الروائية . فالحياة ليست دائما تبسط يديها للمرء .
خلف ستائر فيينا تكمن الحكاية .فيينا مدينة الفن و الموسيقى قصدها أبطال الرواية بحثا عن الحرية و الجمال , لكنها وأدت أحلامهم وولوا مدبرين إلى شامهم يجرون أذيال الخيبة و الخذلان .
‘ لين ‘ في ثيابها في أخلاقها في ثقافتها , في الأغاني التي تسمعها ‘ أم كلثوم وماجدة و فيروز ‘ . في كتبها التي تقرأ , قرأت ميخائئيل نعيمة و الحمار الذهبي وو, كانت تمثل صورة الشام العتيق..
‘ لوريس الفرح ‘ تعرض للقاريء فلسفتها في الحياة ‘ هل بإمكاننا العيش دون انتماء لشيء ..؟ هل بإمكاننا الإستعاضة عن الحبّ بالحياة ؟ ‘الحياة المطلقة تراها الروائية مجرد عدد من دون معدود ..
قاريء الرواية يشعر أنه أمام سيناريو يستحق أن يجسد فيلما سينمائيا . ينحى النص بفنيته و حواراته إلى السينما أكثر منه للرواية ..
كان للعناصر الثقافية حضورها الطاغي . كعنصر التاريخ الذي وقفت عنده الروائية عبر محطات عدة بدت فيها مؤرخة . نذكر على سبيل المثال في حديثها عن امبراطورة النمسا و قصة زواجها . تؤرخ أيضا لبعض المعالم التاريخية بالنمسا كرموز حضارية تستقطب السياح . تحاول إفادة القاريء ببعض المعلومات مثل الأوريببن حين تعرفوا لأول على القهوة في العام 1683..
كان للشعر حضوره القوي , حيث تستفح الروائية كل جزء من أجزاء الرواية بمجموعة من الأسطر الشعرية , تدعم بها سرديتها تؤكد أنها في الأصل شاعرة . فالكتابة بالنسبة لـ ‘ فرح لوريس ‘ ليست للجبناء ‘ أقول دعني أستلّ منك القلم .. دعني أتوه في لفظ معانيك ….. فكل صياغاتك لن تقف أمام حرف من حروفي …فأنت اعتليتني بكل تفاصيل رفعتي … لكن بالشعر … أنا أعتليك ‘ص 281..
على الرغم من الحياة الدرامية التي عاشها أبطال رواية ‘ خلف ستائر فيينا ‘ ,إلا أن الروائية تمكنت من إخراج الحدث الدرامي ببراعة من مأساويته إلى فضاء التفاؤل و الإقبال على الحياة ..
بكل ما لديها من قدرة على صناعة الحدث الروائي , ‘ الفرح لوريس ‘ وفقت في وضع حبكة سردية متكاملة , تجعل القاريء يشعر و كأنه أمام لوحة فنية رسمتها يد خبيرة في صنع الجمال بكل شاعرية .
خديجة مسروق / كاتبة وناقدة من الجزائر