الرئيسيةدراسات ومقالات

رواية تحتمس ٤٠٠ بشرطة بين الخيال العلمي والنقد المجتمعي تحليل د. صبري زمزم

تأليف أحمد بهجت

 

كتبت هذه الرواية وصدرت طبعتها الأولى عام ١٩٩٤، والزمن الفعلي للرواية هو عام ٢٠٢٠ أي بعد ربع قرن تقريبا من صدورها، أراد الأستاذ أحمد بهجت أن يستشرف المستقبل، ويرسم صورة لمصر في هذه الآونة، ومن هنا جاءت صفة الخيال العلمي المرتبط بالتقدم العلمي والتقني، ومحاولة مصر اختراق المجال الفضائي وصولا إلى القمر عبر الصاروخ المصري.
وأول ما نطالعه في الرواية هو عنوانها، الذي هو أول عتبات النص، فإذا وقفنا أمامه بالتحليل وجدنا أنه يتكون من ٣عناصر، الأول هو تحتمس، وغني عن البيان أنه يشير إلى أحد أهم ملوك مصر الفرعونية الذي ارتبط اسمه بأمجاد وبطولات وانتصارات عظيمة وفتوحات جعلت مصر دولة مهيمنة، والجزء الثاني هو ٤٠٠ و الجزء الثالث بشرطة، وهذا يذكرنا بترقيم المواصلات العامة خصوصا أتوبيسات النقل العام التي كانت تميز بين الأرقام المكررة بشرطة على الرقم وأحيانا شرطتين حيث كانت الأرقام محدودة، وهو ما أراده المؤلف رقما وعنوانا للصاروخ الفضائي المصري،

إيذانا بدخول مصر عالم الفضاء، فأعدت مصر رحلة إلى القمر بهذا الصاروخ الذي يحمل من رواد الفضاء رجلين وامرأة، واعتبرته سبقا وريادة في هذا المجال، وجاء السرد متواصلا، على لسان السارد العليم من البداية حتى النهاية بلغة عربية خفيفة ظريفة، تعتمد على الجمل القصيرة الخفيفة الظل في سردها وحوارها الذي استخدم فيه الكاتب اللغة العامية المصرية القريبة من الفصحى إلا في بعض الكلمات، و وضحت الروح الساخرة الناقدة من خلال الحوار بين أبطال الرواية، سواء فيما بين رواد الفضاء أوالمسئولين، أو بين الوزراء ورئيس الحكومة، أوغيرهم فشاعت روح البهجة والفكاهة في العمل مما زاده قبولا لدى القارئ وتشويقا، فصنع المؤلف توليفة عجيبة بين الرواية والخيال العلمي والأدب الساخر، مع النقد اللاذع بطريقة غير مباشرة، عن طريق وصف الأحداث وتفاعل الشخصيات مع المواقف بطريقة عفوية غير مفتعلة، فوظف كل عناصر الرواية لتقديم وجبة روائية خفيفة على قلب القارئ، فزادته استمتاعا.

وجاءت الأحداث مرتبة ترتيبا زمنيا متتاليا سلسا دون ارتداد في الزمن إلى الفلاش باك، فبدأت الأحداث بانطلاق الصاروخ إلى القمر وسط فرحة واحتفالية من الشعب المصري على المستوى الرسمي والشعبي والفني والإعلامي، والجميع يترقب نزول أول مصريين على سطح القمر، فكانت الإذاعة تذيع كل الأغاني القديمة والحديثة التى ورد فيها القمر مثل قمر له ليالي وغاب القمر يا ابن عمي ويامه القمر ع الباب، ولكن أولى المفاجآت الصارخة، اكتشاف عيب في الصاروخ وهو أنه لا يمكن فتحه من الداخل، بل من الخارج فقط ليضعنا الكاتب أمام لغز وهو كيف سيخرج رواد الفضاء من الصاروخ إذا هبط على القمر؟
أما المفاجأة الكبرى التي كشفت عنها أجهزة الرصد أن الصاروخ تجاوز القمر وأصبح في طريقه إلى المريخ، ليبرر المسئولون ذلك بالطموح الذي اكتسبه الصاروخ من روح المصريين، فلم يرضى بالقمر وفي إمكانه الانطلاق إلى ما هو أبعد من ذلك؟ في محاولة للتغطية على فشل المهمة.
وبالتواصل مع الرواد نكتشف تهريب تفيدة لبعض المأكولات والتي انبرت لإعداد وجبات ساخنة من الملوخية ومحشي الكرنب، وما إن أكلوا حتى انطلقت الغازات الناجمة عنها إلى خارج الصاروخ، لتلقطها أجهزة الاستشعار الأمريكية في قاعدتها العسكرية التي تحتل المريخ، وتعجز عن تحليلها وبيان نوعها أو مدى خطورتها، فيجتمع مجلس الأمن الأمريكي ويقرر التصدي للصاروخ المصري المغير ، ويوجهون ثلاثة صواريخ في الوقت الذي يتخلى فيه الرواد عن آلة توجيه الصاروخ وينشغلون بمتابعة مسار الصواريخ الأمريكية لينحرف صاروخهم المصري لتطيش الصواريخ الأمريكية منفجرة بعيدا عنهم فينفتح باب الصاروخ، لتقفز منه تفيدة وهي تصرخ فيحدث صوتها ذبذبات وموجات صوتية قوية دمرت القاعدة الأمريكية ليفكر المسئولون الأمريكيون في الاستسلام لهم، ثم يرسلون وزير الخارجية الأمريكي إلى القاهرة ليلتقي رئيس الوزراء ويتم الاتفاق على أن يسلم المصريون أنفسهم في مقابل قرض ميسر لشراء ياميش رمضان، ويختلفان على صيغة البيان كل يحاول الحفاظ على كرامته أمام العالم فعلى حين اقترح الأمريكان ذكر استسلام المصريين أصر رئيس الوزراء على أنهم نزلوا ضيوفا على القاعدة الأمريكية وأنهم سيعيدونهم إلى القاهرة مع خصم ثمن الصاروخ من مرتبات رواد الفضاء المصريين لأنه عهدة حكومية في إشارة إلى استمرار الروتين والبيروقراطية.
*ولم ينس الأستاذ أحمد بهجت التعريج على عادات وسلوكيات الشعب المصري مثل اهتمام الحكومة بتوفير ياميش رمضان عن طريق القروض.
– وانفجار مواسير الصرف الصحي الذي حاصرت مياهه وزير الفضاء وحالت دون نزوله فأرسلوا له طائرة هليكوبتر تلتقطه كن فوق سطح عمارته.
– وأشار إلى عادة تشجير أي منطقة يزورها مسئول كبير ثم إزالتها بعد الزيارة.
– وحرص الأستاذ أحمد بهجت على رصد ردود فعل الصحافة بمختلف أنواعها ما بين حكومية تبرر وتعلل وتوافق على قرارات الحكومة أيا كانت، في حين تخالف وتندد صحف المعارضة وتطالب الحكومة بالاستقالة، وحافظ على سمت كل جريدة الأهرام والأخبار والجمهورية ، وابتكر جريدة التبرير، واسمها ذو دلالة واضحة.
– و رصد الصراع بين الوزراء وإلقاء المسئولية كل على الآخر، ولجوء رئيس الوزراء إلى القسم على المصحف حتى يصدقه وزير الخارجية الأمريكي بأن الصاروخ المصري ضل طريقه وليس عليه أي نوع من الأسلحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى