منال رضوان تكتب التباس المفاهيم بين الفطرة والغريزة والحق والحرية.

بين حين وآخر يتصاعد نقاش واسع حول المظهر، من نمط الملابس، إلى إباحة سلوكيات منفلتة، بدعوى أنها تندرج تحت ما يُسمّى الحرية الشخصية.
حتى إن كان هذا الزعم لا يتوافق مع السياق العام، في المقابل نلمح التشدق بحرية الآخر في الانتهاك أو الاستباحة؛ بدعوى أن هذا حقه طالما أن المعتدى عليه مارس حريته كما يراها!
هذا الجدل، في جوهره، يكشف عن خلطٍ مفاهيمي بين ما هو فطري، وما هو غريزي، وبين الحرية كإمكان متصور، والحق الذي يمكن أن يكون معيارا مُحدِدا.
عليه ينبغي العلم أن ثمّة مسافة مفهومية دقيقة تفصل بين الغريزة كاندفاع أولي، وبين الفطرة باعتبارها انتظامًا أخلاقيًا سابقًا على الإدراك التراتبي، كما يفصل حدٌّ مماثل بين الحقّ كاستحقاق معياري، والحرية كإمكان رحب.
إن طمس الفواصل بين المصطلحات، زيادة على كونه يسبب ارتباكًا للغة، فإنه قد يُنشئ التباسًا في الوعي ذاته؛ حيث يُستدعى المصطلح إلى خارج سياقه، وتُوصَف القضايا بأدوات لا تنتمي إلى بنيتها الأصيلة.
من ثمّ؛ فإن خدمة فكرةٍ ما لدى البعض، لا ينبغي لها أن تتمّ عبر ليّ ذراع المصطلح، أو هدم الأركان القائمة لنظريةٍ لم يثبت ضعفها بعد؛ لأن هذا المسلك لا يُنتِج معرفة بقدر ما يُنتج خطابًا مخاتلًا، سرعان ما ينهار عند أول مساءلة جدّية، أو احتكاك حقيقي.
علاوة على ذلك؛ فإن الفكرة التي تحتاج إلى تشويه المفاهيم، أو التغافل عن القواعد العامة كي تصمد ؛تكشف عجزها البنيوي عن الإقناع، وقد تتحول من أفق للتفكير إلى أداة للهيمنة الرمزية، أو الشطط غير المبرر عند الاستسلام لها، والركون إلى زخرفها.
بناءً عليه نصل إلى نقطة مفادها: أن الحرية ليست فرضيةً فضفاضة تُمارَس خارج أطرٍ جادّة تُحدِد دوائر الحقوق والواجبات.
أذكر أنني طالعتُ مقطعًا مصورًا لمناقشة دارت بين أحد الآباء وجارته، كان ابنها يرتدي ملابس الفتيات داخل حديقة المنزل، طالب الرجل ألا تسمح السيدة للطفل بذلك؛ بدافع خوفه من أن يُحاكي ابنه هذا السلوك غير السليم.
انقسم المتلقون إلى فريقين: فريق رأى أن حرية الطفل في ارتداء ما يشاء حقٌّ لا يُنازع، وفريق آخر اعتبر أن من حق الرجل فرض إرادته حمايةً لابنه.
هنا تتجلى أزمة الخلط المفاهيمي؛ إذ تعمّد كل فريق المزج بين الحق والحرية، فاختلط تبعًا لذلك الحد الآمن بين الصواب والخطأ.
بينما لو عُولجت المسألة على أساس أنه حتى وإن كان من حرية الفتى أن يفعل ما يريد داخل نطاقه الخاص، وفي سن معينة يدرك الفرق فيها بين اللائق وغير اللائق، فهذا في مقابل حق الجار ألا يتأذى أو يُفرَض عليه نموذج سلوكي يخاف على ابنه منه،
فلو تم ذلك
لانبثقت معان أخرى للفهم، وأُعيد ترتيب الترجيحات من منظور أكثر اتساقًا وعدلًا يندرج ضمن ما يسمى بالقواعد العامة المنظمة لسلوك الفرد نحو جماعته، وهو ما يعرف في الفقه الإسلامي بفقه الأولويات والموازنات؛ بغية درء المفاسد وتقديمه على جلب المنافع، كما يقيد بالاحتكام إلى رسالة بولس إلى أهل رومية (١ – ٢٢ : ٢٨) الخاص بتحريم تلك المسألة وما يؤدي إليها من سلوك غير طبيعي.
ينسحب هذا الخلط على قضايا أخرى، بالكيفية ذاتها التي ينسحب فيها على الشذوذ أو العلاقات غير الطبيعية، أيًّا كانت تصنيفاتها (من محارم أو تبادل أو غيره)؛ إذ يُستدعى مفهوم الفطرة لتبرير ممارسات لا تنتمي إليها بحال، بينما الأدق توصيفها في إطار الغريزة.
وهنا يتوجب إدراك أن الفصل الدقيق بين المصطلحين ليس ترفًا لغويًا ولا تنظيرًا خاويًا على عروشه، وإنما هو ضرورة معرفية تضبط الوعي، وتمنع تسييل المفاهيم.
فالمرجعية هنا لا تُفهم كمعيار انفعالي، بقدر اعتبارها نظامًا أخلاقيًا يشكل حدود التمييز بين ما هو منضبط وما هو اندفاعيّ، وبين ما ينتمي إلى بنية الإنسان باعتباره كائنًا عاقلًا، وما ينحدر إلى مستوى الاستجابة الغريزية المنفلتة.
بهذا المعنى، يمكننا استنتاج أن التكريم الإنساني لا يقوم على الإباحة فقط، وإن كانت الأصل، بقدر ما يقوم على التمييز، وتهذيب فطرة تميز الإنسان عن الحيوان الذي لا تخضع غريزته وتفتر، إلا عند الترويض أو الترهيب؛ فقد قال تعالى:
بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون [الروم ٢٩
: ٣٠]
لنظل نجاهد أنفسنا محاولين إخضاع الرغبة إلى المعيار الفطري؛ لا تطويع ذلك المعيار السليم وتحويله إلى وعاء للرغبة.
منال رضوان – ناقد أدبي (مصر)





