أخبار عاجلةأراء حرةالرئيسية

د.نسرين محمود رضوان من البيانات إلى الحكايات : جبهات صناعة الوعي والهيمنة في إسرائيل

في دولة إسرائيل يتجلى الفكر الموجَّه نحو ريادة الأعمال الممنهجة بوضوح في المرحلة التي تلي الخدمة العسكرية، إذ أن الجيش ليس فقط مؤسسة أمنية، بل أيضًا مؤسسة لتجنيد كافة عناصر الدولة؛ فخلال الخدمة يكتسب الشباب مهارات السياسة الإسرائيلية الممنهجة، في سياق الخبرة التقنية خصوصًا في الوحدات التكنولوجية مثل : وحدة 8200.
وبعد انتهاء الخدمة، تُوجَّه طاقات هؤلاء الأفراد إلى إنشاء شركات ناشئة، ضمن منظومة اقتصادية مدعومة من الكيان عالميا . وهذا التوجه ليس عشوائيًا، بل هو سياسة مقصودة تقوم بتحويل المعرفة العسكرية ، والتكنولوجية إلى فكر سيادي موجه بالعالم.
وبالتالي ؛ لا تنفصل شبكة مشروعات إسرائيل عن بعضها بعضا؛ كالأمن السيبراني الإسرائيلي الذي لا يختلف عن أدوات القوة الناعمة الأخرى، وعلى رأسها أدب الطفل. فإذا كانت الجبهة الرقمية تحمي البنية التحتية لدولة إسرائيل، وتؤمّن حضورها الدولي في الفضاء السيبراني، فإن الجبهة الأدبية تسعى لحماية الهوية وصياغة الوعي بدءا من مرحلة الطفولة المبكرة.
إسرائيل تدرك أن حروب اليوم لا تُحسم بالسلاح التقليدي فقط، بل أيضًا بالسيطرة على المعلومات والشبكات. ولذلك أنشأت وحدات متخصصة مثل : 8200، إلى جانب عشرات الشركات الناشئة التي جعلت منها قوة عظمى في الفضاء الإلكتروني. هذه المنظومة السيبرانية تمثل حصنًا يحمي الأمن القومي ويتيح للهجمات الرقمية أن تكون أداة ردع لا تقل فاعلية عن الطائرات والدبابات.
وعلى الجانب الآخر، نجد الاستثمار الموازي في أدب الطفل العبري، حيث تعزز الهوية الصهيونية في وجدان النشء. فكما يُبنى جدار سيبراني لحماية الدولة، يُبنى جدار ثقافي يولد أجيال عنصرية .
وما يلفت النظر هو أن الأمن السيبراني وأدب الطفل، رغم تباين مجاليهما، يشتركان في الغاية ذاتها: التمكين والهيمنة. الأول يحمي الفضاء الرقمي من الآخر ، والثاني يفرض الفضاء الفكري أمام روايات الآخر العربي. كلاهما استثمار استراتيجي بعيد المدى، يدور في فلك فكرة واحدة : أن الصراع الحقيقي يبدأ من الوعي.
وعليه؛ في عالمنا العربي ، يجب وضع خطوات منهجية تعزز آليات التعامل مع العدو الإسرائيلي؛ فالمعركة على الهوية لا تقل أهمية عن المعركة على الشبكات. فالوعي الذي يصنعه الأدب، مثل : الحماية التي يصنعها الأمن السيبراني، كلاهما يحدد شكل المستقبل.
لم يعد الصراع في عالم اليوم مقتصرًا على حدود الجغرافيا أو ميادين القتال، بل امتد إلى فضاءات جديدة: الفضاء الرقمي من جهة، وفضاء الوعي والثقافة من جهة أخرى. وإسرائيل، التي عُرفت باستغلال الاستثمار في النشء الصهيوني ، تقدم نموذجًا صارخًا لهذا التداخل؛ إذ تجمع بين الأمن السيبراني كحصن تقني، وأدب الطفل كحصن ثقافي، ليشكلا معًا جبهتين متكاملتين في معركة الهوية والصراع.
الشركات الناشئة والفكر السيادي
يتسم الفكر السيادي الموجه في إسرائيل بكونه امتدادًا مباشرًا للتجربة العسكرية والمنهجية التي يخوضها الشباب خلال فترة الخدمة، حيث تتحول تجربة الشركات الناشئة إلى رأس مال بشري، ومعرفي يُستثمر لاحقًا في الاقتصاد العالمي. فالمؤسسة العسكرية تُعد مختبرًا عمليًا لإعداد العقول التي تشكّل جوهر قضية أمن إسرائيل.
وهكذا؛ يصبح الانتقال من الجيش إلى السوق العالمي، والحياة العامة جزءًا من ثقافة سيادية عامة تسعى إلى ترسيخ مفهوم “الأمن القومي في سياق الاقتصاد والمعرفة”، حيث تتجسد ريادة الأعمال في إسرائيل إلي أداة استراتيجية تبني المستقبل وترسخ النفوذ العلمي والتكنولوجي عالميًا.
الأمن السيبراني كذراع استراتيجي
تعد إسرائيل اليوم من القوى الخمس الأولى عالميًا في مجال الأمن السيبراني. وقد وضعت هذا المجال في صميم استراتيجيتها القومية، فأنشأت وحدات عسكرية متخصصة مثل : الوحدة 8200، التي تقوم بمهام التجسس الإلكتروني، وحماية الشبكات، وتنفيذ الهجمات الرقمية.
الأمن السيبراني بالنسبة لإسرائيل ليس مجرد حماية للبيانات أو المؤسسات، بل هو جدار رقمي للأمن القومي، وذراع هجومية تستخدمه الدولة لتوجيه ضربات دقيقة للآخر، كما حدث في الهجوم بفيروس “ستوكسنت” الذي استهدف البرنامج النووي الإيراني، كما يستخدم نفس النمط لضرب البنى التحتية التكنولوجية لدول الجوار.
أدب الطفل كذراع ثقافي
على الجانب الآخر، هناك جبهة أقل صخبًا لكنها لا تقل أهمية : أدب الطفل العبري. فالنصوص الموجهة للمتلقي الصغير ليست مجرد قصص للتسلية، بل حاضنة للهوية الصهيونية. من خلالها يتعرف الطفل العبري على مصطلحات : “الأرض الموعودة”، و”الشعب المختار”، والصراع مع الآخر”. إذ هذه النصوص تصاغ لتفرض الرواية الصهيونية علي العالم، تجعل الطفل مؤهلًا منذ صغره لأن يكون جزءًا من مشروع قومي صهيوني طويل الأمد، وهكذا يصبح الأدب وسيلة لـ”التمكين الفكري”، تمامًا كما يصبح الأمن السيبراني وسيلة لـ”التمكين التقني”.
تكامل الجبهتين
تعزز التجربة الإسرائيلية التكامل بين الجبهتين . فكما يُحصَّن الفضاء الرقمي ضد أي اختراق، يُحصَّن الفضاء الفكري ضد أي رواية مضادة. وكلاهما يستند إلى فلسفة واحدة: أن الصراع يبدأ من الوعي. الأمن السيبراني يحمي الدولة من هجمات إلكترونية قد تشل بنيتها التحتية، وأدب الطفل يحمي الهوية من هجمات ثقافية قد تضعف تماسكها الداخلي.
الهوية العربية
إن الصراع صراع وجود وليس صراعا علي الحدود؛ وحيث إن المعركة الحقيقية تبدأ من الوعي ؛ فإنه من الأولي الاهتمام بالبنية الثقافية العربية الحامية للهوية من التآكل أمام روايات العدو الصهيوني. فلم تعد الحروب تُدار في ساحات القتال فقط، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، وإلى عقول النشء ووجدانهم. ليصبح الإعداد الحقيقي للأمة العربية هو حمايتها من أي اختراق يستهدف محو هويتها.

د.نسرين محمود رضوان
عضو اتحاد كتاب مصر – شعبة الترجمة للطفل محو هويتها .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى