أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

محمد علي محيي الدين يكتب عبد السادة البصري شاعر الجنوب وصوت الجمال المتأمل

في أقصى الجنوب، حيث يلتقي الماء بالملح وتتعانق أشجار النخيل مع رياح البحر، وُلد الشاعر والأديب والإعلامي عبد السادة البصري، المعروف باسم عبد السادة البصري، عام 1961 في مدينة الفاو بمحافظة البصرة. هناك، على حافة الخليج، تفتّحت موهبته الأولى، ونهل من طفولة محاطة بالماء والقصب وعبق الموانئ التي كانت تعجُّ بالحكايات القادمة من كل صوب.
أكمل دراسته الأولية في البصرة، ثم التحق بأكاديمية الفنون الجميلة وتخرج في قسم المسرح حاملاً شهادة البكالوريوس، ليجمع منذ بداياته بين الشعر والمسرح والفكر والنقد، في شخصية تجمع ما بين الشاعر المتأمل والفنان الذي يرى الكلمة مشهداً متحركاً نابضاً بالحياة.
منذ منتصف سبعينات القرن الماضي بدأ يخط قصائده الأولى، ونشر باكورته الشعرية عام 1979 في دولة الكويت. ومنذ ذلك التاريخ، لم ينقطع عن الكتابة والإبداع، إذ أصدر ما يزيد على (14) مجموعة شعرية تركت أثراً في المشهد الثقافي العراقي والعربي، وكتابين نقديين، ومجموعة مقالاته التي نشرت في الصحف وجمعها في كتابين أعدهما للطبع، منها:
لا شيء لنا (عمّان، 1998) الذي أُعيد طبعه في سلسلة “إبداعات عربية” عام 2004، تضاريس (البصرة، 2000) ، أصفى من البياض (2008)، هكذا دائماً (دمشق، 2012)، لم أستعر وجهاً (دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2015)، المعنِيّ أكثر مني (المغرب 2015، ثم القاهرة ودمشق وبابل 2016)، غرقى… ويقتلنا الظمأ (بغداد) فضلاً عن كتابه النقدي على مقربة منكم الذي تناول فيه قراءات في الشعر والسرد والمسرح، وكتاب عزفٌ جنوبيّ لنايات شمالية الذي كان دراسة رائدة في الشعر الكردي المعاصر.
يُعدّ عبد السادة البصري واحداً من أبرز الأصوات الشعرية التي حافظت على وهج الشعر العراقي الحديث، جامعاً بين الرهافة الجنوبية والوعي الجمالي، وبين التجربة الذاتية العميقة والانشغال بالهمّ الإنساني. وقد رأى فيه النقاد صوتاً متفرداً يزاوج بين البساطة الشفافة والعمق الفلسفي، ويجعل من مفرداته اليومية جسراً نحو المعنى الكوني. يقول أحد النقاد إن شعره “يطل من نافذة الجنوب على العالم، لا بوصفه منطقة جغرافية بل حالة وجودية تتقاطع فيها الأسطورة والماء والوجع والجمال”.
تنوّعت تجارب البصري بين الشعر والنقد والمسرح والصحافة، فكتب المقالة والتحليل والتحقيق الثقافي، وأسهم في تطوير الخطاب النقدي في الصحف والمجلات العراقية والعربية. وله أعمدة ثابتة في صحف مرموقة، من بينها:
– عمود “ليس مجرد كلام” في جريدة طريق الشعب.
– عمود “تقاسيم على الهامش” في جريدة الدستور البغدادية.

– عمود “نقطة، رأس سطر” في مجلة الشرارة.
كما شارك في جميع المهرجانات الشعرية العراقية الكبرى، من بينها مهرجان المربد الذي شغل فيه موقعاً تنظيمياً بارزاً ضمن لجنته العليا منذ عام 2004. وترجمت قصائده إلى لغات عدة: البلغارية، الفارسية، الإنكليزية، الكردية، السريانية، والبرازيلية، كما دُرست نصوصه في أطاريح أكاديمية داخل العراق وخارجه، حتى أن إحدى رسائل الماجستير في إيران تناولت أثر السوسيولوجيا في شعره، وتُحضَّر أخرى عن تأثير البيئة في تجربته الشعرية.
يُعرف عبد السادة البصري أيضاً بنشاطه الثقافي الواسع، إذ يرأس ملتقى جيكور الثقافي، وهو عضو في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق واتحاد الأدباء العرب والنقابة الوطنية للصحفيين العراقيين ونقابة الفنانين واتحاد الإذاعيين والتلفزيونيين. أما تجربته الإنسانية، فقد كانت مطبوعة بملامح الصبر والمعاناة، إذ تعرض للاعتقال والسجن أكثر من مرة في زمن النظام الدكتاتوري، لكنه ظل مخلصاً للكلمة الحرة، مراهناً على الأدب بوصفه فعلاً للمقاومة والجمال.
ويرى النقاد في شعره مزيجاً من الصدق والجرأة والدهشة، إذ لا يكتفي بتسجيل المشهد، بل يغوص في أعماقه بحثاً عن جوهر الإنسان وسط تحولات الزمان والمكان. تتجاور في قصيدته الرمزية بالواقعية، والحلم بالخذلان، والماء بالنار، في لغة شفافة تنضح بالعاطفة الجنوبية وتتعالى عن الزخرف اللفظي.
يقول عنه أحد النقاد العرب:” إن عبد السادة البصري يكتب شعره كما لو كان يرسمه، يترك في بياض الصفحة مساحة للدهشة، وفي ظلالها رائحة الطفولة ونخيل البصرة. إنه شاعر يكتب الحياة كما هي، لا كما ينبغي أن تكون.”
وفي شهادات أخرى، وُصف بأنه “شاعر الجمال المتأمل”، و”صوت الجنوب الذي يحمل ملوحة البحر في حروفه”، و”أحد أكثر الشعراء العراقيين إخلاصاً لتجربته ووعيه النقدي”.

لقد ظل عبد السادة البصري، على امتداد أكثر من أربعة عقود وما يزال ركناً من أركان الثقافة العراقية، ووجهاً من وجوه الإبداع الأصيل الذي لم ينقطع عن نبض الوطن رغم الغربة والقهر والتحولات. شاعرٌ أخلص للكلمة فبادلته وفاءً، فبقي اسمه منقوشاً في ذاكرة الشعر العراقي المعاصر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى