الخطّاف السردي: إغراء البداية وتأسيس الدهشة في المجموعة القصصية ” قلب منقّط “
للكاتبة القطرية ندى الشهراني رؤية: منذر كامل اللالا

الخطّاف السردي: إغراء البداية وتأسيس الدهشة في المجموعة القصصية ” قلب منقّط ” للكاتبة القطرية ندى الشهراني
رؤية: منذر كامل اللالا
” قصصنا شجرة لا تكف عن النمو، ولا تخضع لقوانين الطبيعة؛ الولادة والموت،
قصصنا شجرة ابدية، تنمو وتتسع اكثر وأكبر.” ” ندى الشهراني “
ليس هناك حصر للقصص والروايات الرائعة التي خلفها المبدعون عبر العصور، لكن هناك ما يشبه الإجماع على روعة وتميز عدد محدود من “البدايات” التي افتتح بها بعض المبدعين أعمالهم. والمقصود هنا ليس مجرد التشويق العابر، بل تلك البدايات التي تملك سحراً يترك بصمة “الميسم” في نفس القارئ، بحيث إذا تذكرها بعد أعوام، استعاد حرارة العمل الأدبي كله. ولنعلم مقدار أثر هذه الأيقونات الافتتاحية، يكفي أن نتأمل اعتراف غابرييل غارسيا ماركيز حين قرأ مفتتح قصة فرانز كافكا ” المسخ “، حين وجد غريغور سامسا نفسه قد تحول إلى حشرة ضخمة؛ إذ أدرك ماركيز حينها أن كل شيء ممكن في القص، وكان ذلك الحافز الذي أطلق شرارة “الواقعية السحرية” لديه.
في مجموعة ” قلب منقّط ” للقاصة ندى الشهراني، الصادرة عن دار جامعة حمد بن خليفة للنشر، يدرك القارئ منذ الجملة الأولى أنه وقع في ” فخّ جميل “؛ فالبدايات هنا ليست تمهيداً، بل هي ما يسميه النقد السردي بـ الخطاف (Narrative Hook)؛ تلك اللحظة التي تُمسك بالوعي وتدفع القارئ نحو التورط لا الفضول فحسب. وتتجلى براعة هذا الخطاف في كونه المدخل الرئيس لـ «متوالية قصصية» محكمة، تتقاطع نصوصها وتتراكم دلالاتها لتشكل في مجموعها بنية عضوية واحدة تعيد صياغة تجربة الخذلان الإنساني. وتراهن الشهراني بوعي واضح على جعل هذه الافتتاحيات ” بوابات توتر ” تهدف لزعزعة استقرار القارئ، حيث يتبدى الخطّاف تارة بوصفه كسراً للتوقع ومفارقة حادة تكسر الصورة النمطية ، كما في قصة ” أمنا حبابة ” حين نصطدم بعبارة: “يظن الصغار بأن حبابة بارعة في القص؛ لكن الحقيقة أنها بارعة في الانتقام!”. البداية هنا لا تُقدّم تعريفا، بل تنسف صورة جاهزة للحكّاءة التي تتحول إلى كيان مشحون بالانتقام، وهو ما ينسجم مع أطروحة تزفيتان تودوروف بأن السرد يبدأ من “اختلال” لا من توازن، واضعاً القارئ أمام سؤال مبكر: هل الحكي هنا تعويض أم تصفية حساب؟.
وينتقل هذا التوتر السردي ليصبح صدمة صوتية تقتحم السكون في قصة ” ما لم تخبرنا به أمنا حبابة “، عبر نداء مفاجئ: “تمهل يا من نصفك شجرة! زعقت السنديانة العملاقة…”. نحن هنا أمام افتتاح درامي يسبق الفهم ويؤسس للغرابة، يتقاطع مع مفهوم “البدء من داخل الحدث” عند جيرار جينيت، لكنه يضيف بعدا غرائبيا يجعل العلاقة بين الشجرة والإنسان توترا تأويليا يرفض التفسيرات الجاهزة، وفي سياق آخر، يعتمد الخطّاف على قوة المشهد والسينمائية المكثفة، كما في قصة ” جنازة لائقة ” حين يصور الحطاب وهو يقطع الجذع إلى دوائر عرضية، وهو استهلال يشتغل عبر الحسّ لا الفكرة، وقريب مما يسميه غاستون باشلار “مادية الصورة”؛ حيث تصبح الأشياء حاملة لشحنة شعورية موجعة تجعل الجماد يئن كأنه جسد يختبر الألم…
“ولا تكتفي الكاتبة بالصورة أو الصوت، بل توظف سلطة الزمن والقلق كأداة توتر مبرمجة في قصة ” كل كبير يصغر “؛ فمنذ العتبة الأولى: ” لثلاث ساعات متواصلة سعى الرجل الستيني في أروقة البيت… “، تحدد الكاتبة إحداثيات الدراما بدقة متناهية (الزمن: ثلاث ساعات، الشخصية: رجل ستيني، المكان: بيت خالٍ)، هذا الاستهلال يضعنا مباشرة أمام ثيمة ‘الهشاشة’؛ فالبيت الخالي ليس سوى انعكاس لقلب الشخصية المأزوم، ليتحول الزمن هنا ” وفق طرح بول ريكور ” من مجرد رقم إلى عنصر بنائي يقوم على ‘سؤال مؤجل’ حول ماهية المفقود وسر هذا الإصرار الوجودي الذي يتجاوز في دلالته جدران الغرفة، وبذات الدهاء السردي، يتحول الخطّاف إلى تساؤل يفكك الأسطورة في قصة ” حذاء بلا جناحين “، حين تفتتح الكاتبة نصها بمطرقة الشك: “ما معنى أن يتعرف رجل على امرأة من حذائها؟”. هذا التساؤل يهدم أسطورة سندريلا من الداخل، ويتقاطع مع مفهوم رولان بارت حول “النص القابل للكتابة”، حيث لا يُقدَّم المعنى جاهزاً، بل يُعاد إنتاجه عبر إشراك القارئ في عملية النقد.

أما في قصة «بحر منقّط»، فإننا نلج مباشرة إلى الوعي المأزوم والاضطراب الداخلي، عبر خطّاف نفسي يذكرنا بروح إدغار آلان بو، وتحديداً منذ الجملة الأولى في قصته (القلب الواشي): “صحيح! أنا عصبي جدًا… لكن لماذا تقولون إنني مجنون؟”؛ فعلى ذات النسق من التوجس، يلتفت بطل ندى الشهراني ” ماضي ” ليطمئن على ظله متسائلاً بحدة: “هل جننت؟!”. هنا يقتحم القارئ وعيا مأزوما في تقنية قريبة من تفتيت الداخل النفسي عند فرجينيا وولف، وتصل هذه الومضة السردية ذروتها في قصة “قلب منقّط / النقطة الأولى”، حيث نرى ولادة الألم كتحول لحظي مكثف، يسميه جيمس جويس بـ ” لحظة التجلي”؛ حين تنكشف التجربة في ومضة خاطفة تحول المرارة إلى علامة دائمة ونقطة سوداء في جدار الروح.
تختتم الكاتبة مجموعتها بخطاف تأملي بعنوان ” حكاية ثم ” حيث يظل الخطّاف السردي “مؤجلاً” وتعيدنا ندى الشهراني إلى جذور السرد العالمي: “تشير الأساطير والحكايات الشعبية إلى أن الحرف (ثم) ساهم في إنقاذ النوع الإنساني من الفناء”.
هذا ليس مجرد بداية قصة، بل هو “بيان أدبي” يفسر لماذا نكتب، “ثم” هي أداة الاستمرارية، وهي الخطاف الذي يربط بين قصص المجموعة، وبين شهرزاد المعاصرة والقديمة، الكاتبة تخبرنا هنا أن السرد هو “فعل نجاة” تماماً كما كان لشهرزاد، حيث يظل المعنى في حالة تأجيل دائم يمنح المجموعة انفتاحاً على احتمالات لا تنتهي، إن ندى الشهراني في “قلب منقّط” لم تستخدم الخطّاف كأداة جذب تقنية فحسب، بل حولته إلى بنية جمالية واعية تؤكد أن التجربة الإنسانية لا تبدأ بهدوء، بل بصدمة صغيرة.. بنقطة. ومن هنا، ندرك أن كل خطّاف في هذه المتوالية هو “النقطة الأولى” التي سرعان ما تتكاثر، حتى نجد أنفسنا -نحن القرّاء- قد تسرطنت أرواحنا بالحكاية، وصار لكل منا قلبه المنقّط الخاص.

إن “الخطافات السردية” عند ندى الشهراني في «قلب منقط» ليست مجرد براعة استهلال، بل هي مفاتيح دلالية، فالكاتبة تدرك أن “القلب المنقط” يحتاج إلى “نقاط” بداية حادة، تخترق وعي القارئ لتتركه متسائلاً: هل نحن أبطال حكاياتنا، أم نحن مجرد نقاط حذف في قصة لم تكتمل بعد؟ وكما قال مايكل أنجلو: “ما من عذاب أعظم من القصة غير المروية بداخلك”، ولعل هذه المجموعة هي المحاولة الأرقى لترميم ذلك العذاب وتحويله إلى دهشة تقرأ.





