أخبار ثقافيةأخبار خارجية وشئون دوليةأخبار عاجلةالرئيسية

“رسائلُ النهرِ” لمحمد محمود الغزو.. سردٌ تأمليٌّ يضعُ الجغرافيا في قلبِ الدلالة

 

عمّان – أوبرا مصر

بينما لا يمكن اختزال رواية بعبارة واحدة، بيد أننا نستطيع أن نطلّ، من خلال عبارة “مفصلية”، على عوالم رواية ما، وهو ما تتيحه عبارة: “أنتِ بيتٌ ضاع مني، وأنا لاجئٌ على نهرٍ لا يقبل أحدًا”، التي تختزل جانبا مهما مع العلاقة بين “أسامة” و”ماري”، بطلي رواية “رسائل النهر”، للأديب الأردني محمد محمود الغزو.
الرواية نفسها صدرت حديثا عن “الآن ناشرون وموزعون” في الأردن (2026)، وقد ازدانت بغلاف معبّر عن مضمونها قامت بإنجازه ابنة المؤلّف، وتعتمد على بنية تقوم على التضادات الحادة: الشرق/الغرب، الأرض/الحدود، الحياة/الحرب، الصمت/الحوار، وهو ما يخلق توترًا سرديًا مستمرًا دون الحاجة إلى تصعيد حدثي كبير، ويمنح النص طابعًا تأمليًا يتقدم فيه المعنى على الفعل.
منذ بدايتها، لا تقدم الرواية حدثًا تقليديًا بقدر ما تطرح حالة إنسانية. الشخصية المركزية، أسامة، شاب يعيش على تخوم نهر الأردن، حيث تتحول الجغرافيا إلى عنصر يومي مشحون بالدلالة السياسية والتاريخية، وإلى فضاء يفرض على الشخصية نوعًا من التوازن بين العمل في الأرض والتأمل في معنى الانتماء.
يبرز في العمل اشتغال واضح على المكان بوصفه عنصرًا بنائيًا أساسيًا. فالقرية والمزرعة والنهر ليست عناصر وصفية، بل وحدات دلالية تسهم في تشكيل الوعي السردي. ويأتي النهر تحديدًا بوصفه رمزًا متعدد الوظائف: حدًا جغرافيًا، ومرآة نفسية، وسجلًا تاريخيًا صامتًا للتوتر القائم في المنطقة.
على مستوى البناء السردي، لا تراهن الرواية على حبكة متسارعة، بل على تراكم داخلي للأحداث والانفعالات، حيث تبدو الحركة الخارجية محدودة، مقابل كثافة في الاشتغال على الوعي والذاكرة والتأمل. هذا الاختيار يمنح النص إيقاعًا هادئًا يميل إلى البطء المقصود، ويعكس طبيعة التجربة الإنسانية التي يقدمها.
في هذا السياق، تتجسد العلاقة بين أسامة وجندية إسرائيلية كأحد المفاصل الدلالية في الرواية، حيث لا تُقدَّم بوصفها حدثًا استثنائيًا بقدر ما تُطرح كاختراق لحالة الصمت، وإعادة اختبار لمفاهيم الآخر والعداء والانتماء، دون تقديم إجابات جاهزة أو نهائية.
شخصية أسامة تظهر بوصفها نموذجًا مركبًا، يجمع بين ارتباطه بالأرض وثقله الذاكري، وبين انشغاله بالتأمل والكتابة، حيث يتحول دفتره الشخصي إلى امتداد داخلي لصوته السردي. أما الشخصية المقابلة، ماري، فتظل حاضرة بحدودها الدرامية، لكنها تترك أثرًا واضحًا في مسار التحول النفسي لدى البطل.
وتبرز في خاتمة الرواية مقاطع حوارية وتأملية تكشف عن التحول الهادئ في الشخصيتين، حيث تتبدل نظرة كل منهما إلى العلاقة والغياب والحضور، في سياق لغوي يميل إلى الهدوء والتكثيف، ويعكس انتقال الشخصيات من فكرة اللقاء المباشر إلى مفهوم الأثر والذاكرة.
على مستوى اللغة، تعتمد الرواية أسلوبًا تأمليًا يميل إلى الجملة الممتدة، مع حضور واضح للبعد الرمزي في بناء الصورة، خصوصًا في توظيف عناصر الطبيعة والمكان. كما يظهر ميل إلى اللغة الوجدانية الهادئة أكثر من اللغة الحدثية المباشرة، وهو ما ينسجم مع طبيعة الإيقاع السردي العام.
يمكن القول إن «رسائل النهر» تنتمي إلى نمط السرد التأملي الذي يشتغل على الجغرافيا بوصفها بنية فكرية، وعلى العلاقة الإنسانية بوصفها مساحة اختبار للهوية والانتماء، مع حضور واضح للبعد الرمزي الذي يمنح النص كثافته الخاصة دون أن يدفعه إلى التعقيد المغلق.
ومن أجواء الرواية نقرأ خاتمتها، وقد جاءت على النحو الآتي:
“عادت ماري إلى الضفة الأخرى، لم تكن كما كانت حين ذهبت.
كانت أقلّ ضجيجًا، وأقلّ بحثًا، لكنها أكثر عمقًا، لم يعد قلبها يتوق للحظة لمّ الشمل كما كان، بل صار يؤمن أن اللقاء أحيانًا لا يكون وجهًا لوجه، بل ذاكرة لذكرى، وأن الحب لا يسكن دائمًا في المسافة، بل في الإيقاع الذي تتركه الخطوات الغائبة خلفك.
لم تخبر أحدًا بما حدث، لا في مقالاتها، ولا في مقابلاتها الصحفية، ولا حتى لصديقتها التي كانت تعرف عن أسامة كل شيء، فما حدث هناك في الملّاحة، بقي لها وحدها سرًا لا يحتاج إلى شهود.
عادت إلى عملها، وإلى الكتابة، لكنها لم تعد تكتب كما كانت، وأصبحت لغتها مختلفة: أقل صخبًا، وأكثر حنوًا، وصارت تستخدم كلمات لم تكن تعرفها من قبل: «السكينة»، و«العتبة»، و«الضوء الذي لا يُرى».
وكانت تعود إلى النهر أحيانًا.
لا كل يوم، ولا كل أسبوع، لكن حين يدعوها قلبها، كانت تذهب إلى الضفة، وتجلس على الصخرة القديمة تحت الصفصاف، وتبقى هناك ساعات، صامتة، تراقب جريان الماء، وتتخيّل وجهه وهو يعبر، وتتذكّر صوته وهو يهمس، وتتلمّس ظلّ الجسر بين الضفتين، الجسر الذي لم يُبْنَ أبدًا، لكنه بقي في خيالها، وفي خياله، أطول من أي جسر حجريّ أقامه المهندسون.
أما أسامة، فكان في الجهة الأخرى، على تلال الملّاحة، يحرث الأرض مع الصباح، ويجلس مساءً على العتبة، يعزف على عوده القديم لحنًا لا يعلمه أحد، لكنه يعرف أنه يخصّها.
كان الطفل الذي تبنّاه يكبر، وبدأ يسأله ذات يوم:
– من هذه المرأة التي كتبتَ لها كل تلك القصائد؟
لم يجب أسامة، فقط ابتسم، وقال:
– إنها ضفتي الثانية.
في أحد الأيام، وبينما كان أسامة يرتّب الصندوق الورقيّ القديم الذي يحتفظ فيه بكل بقايا الحياة السابقة: دفاتر، وصور، وزجاجات فارغة، وقصائد ممزقة… وجد شيئًا لم يره منذ سنين؛ زجاجة فيها ورقة صغيرة، مرسومٌ عليها يدان ممدودتان من ضفة إلى أخرى، وبين اليدين وردة. ابتسم، وأدرك أنه لم يعرف إن كانت ماري مَن أرسلتها، أم أنه أرسلها بنفسه منذ زمن ونسيها.

في اليوم نفسه، كانت ماري تفتح دُرجًا مهملًا في خزانتها القديمة، فوجدت دفتر أسامة الجلديّ الذي احتفظت به منذ أولى رسائله، حين أرسل لها سطرًا يقول فيه:
«أنتِ بيتٌ ضاع مني، وأنا لاجئٌ على نهرٍ لا يقبل أحدًا».
ضمّته إلى صدرها، وأغمضت عينيها، ثم كتبت:
«لسنا قصة حب، بل شجرة تنمو بين جدارين، نكسر الحجارة بجذورنا، ونحيا.
لم أعد أبحث.
لكني لا أتوقف عن الإصغاء.
إن عدتَ، فستجدني هنا، في ظلّ الجسر.
وإن لم تعد، فستجدني في الماء».
وفي الجهة الأخرى، كتب أسامة:
«أنا لم أعد… لأنكِ لم ترحلي مني أبدًا، فالنهر فينا، وإن لم نبنِ الجسر، يكفيني أن أعرف أنكِ ظلّه».
تلك هي النهاية… أو بدايتها، من يدري؟
يُذكر أن مؤلف الرواية كاتب وباحث أردني، من مواليد الوهادنة- عجلون عام 1962، تخرج في جامعة السوربون- باريس4، متخصصًا في الأدب الفرنسي، ويعمل محاضرًا في جامعة فيلادلفيا، وله عدد من الأبحاث المنشورة في مجلات علمية محكمة، إضافة إلى مشاركات في مؤتمرات دولية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى