أ. د. ربيع عبد العزيز يكتب عن التقديم والتأخير في القرآن

حول التقديم والتأخير في القرآن دب الخلاف بين العلماء ، فأجازه فريق وأنكره فريق آخر؛ أما المجيزون فمنهم البلاغي الأشهر عبد القاهر الجرجاني(ت. نحو 471هـ) الذي استطاع أن يتجاوز مقررات أسلافه أمثال ابن قتيبة (ت. نحو 276هـ) وغيره ممن كادوا يسجنون بواعث التقديم في أهمية المقدم ، والذي نظر إلى التقديم والتأخير بوصفه من دلائل إعجاز القرآن. وأما المنكرون فمنهم أبو حيان التوحيدي (ت. نحو 414هـ) الذي كان ينظر إلى التقديم والتأخير بوصفه من الضرورات التي لا تليق بذات الله وصفاته؛ وهي النظرة التي بعثته على إنكار أن يكون في القرآن تقديم لمؤخر أو تأخير لمقدم .
بدهي أن نوافق أبا حيان على أن الضرورة لا تجوز على الله؛ لما هو معلوم عقلا ونقلا من أن القادر على كل شيء لا يضطر إلى ضرورة، غير أننا نختلف – في الوقت نفسه- مع أبي حيان أشد الاختلاف في كون التقديم والتأخير من الضرورات التي يتنزه عنها القرآن؛ لأن هذا المذهب مضلل من ناحية، فاسد من ناحية أخرى؛ هو مضلل لأنه يوهم المتلقي بأن وجود التقديم والتأخير في التعبير القرآني مظهر من مظاهر العجز عن كمال التعبير ودقته ، وهو مذهب فاسد لأن التقديم والتأخير ركن أساس من بلاغة التعبير عند العرب منذ العصر الجاهلي، ولو تجرد القرآن منه لكان ذلك أدعى إلى تشكيك الخصوم في سماوية القرآن ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام.
وإن الأدلة تتواتر لا على وجود التقديم والتأخير في القرآن فحسب، بل على أن وجوده يرقى في كثير من المواطن إلى مستوى الضرورة الدلالية التي بغيرها تلتبس الدلالة ويتعذر على المتلقي فهم مقاصد المتكلم. أما الدلائل على وجود التقديم والتأخير في الصوغ القرآني ؛ فمنها ما جاء في قوله تعالى :” وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم” (غافر آية: ٢٨) فلم يكن تقديم “من آل فرعون” إلا صونًا للدلالة من الالتباس؛ ذلك أن الصياغة القرآنية لو تقيدت بأصل المواضعة المكانية؛ لجاءت على النحو التالي: ” وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون”، وفي هذه الحال يصبح الناتج الدلالي أن الرجل المؤمن ليس من آل فرعون، وأنه يكتم إيمانه خوفا منهم، وما إلى شيء من هذا تقصد الآية ؛ إنما الرجل المؤمن من آل فرعون، والمتكلم – سبحانه وتعالى – في الآية لا يخبر عن ذلك الرجل بل يصفه؛ ولهذا كان لزاما تقديم الجار ومجروره ” من آل فرعون”
ومن تلك الدلائل ما جاء في قوله تعالى: ” ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين” ( الأعراف: آية 24) فقد تقدم شبه الجملة ” لكم” وتأخر المبتدأ ” مستقر ” ؛ صونا للدلالة من الالتباس. ولو أعدنا الدوال إلى مواقعها وقلنا في غير القرآن: ” مستقر لكم ومتاع في الأرض ” لكان معنى هذا أن الجار والمجرور ” لكم” صفةٌ ؛ على أساس أن الجمل وأشباهها بعد النكرات صفات، ولما كان المتكلم- سبحانه- في الآية يخبر ولا يصف؛ لهذا كان لزاما تقديم الجار والمجرور ” لكم” وتأخير المبتدأ ” مستقر ” .
وإذ أبطلنا رأي أبي حيان التوحيدي نجد للتقديم والتأخير في القرآن تجليات ودواعي عديدة ؛ منها التقديم بالسبق ؛ كما في قوله تعالى: “وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون”)الانبياء: آية 33) فقد جاء الليل مقدما والنهار مؤخرا؛ لأن الليل مخلوق قبل النهار، وجاءت الشمس مقدمة والقمر مؤخرا؛ لأن الشمس مخلوقة قبل القمر .
ومنها التقديم بالشرف؛ كما في قوله تعالى “: أَمَّن يملك السمع والأبصار) “يونس: آية 31) فقد تقدم السمع وتأخر البصر؛ لأن السمع أشرف من البصر؛ يؤكد هذا أن السمع والأبصار يتصاحبان كثيرا في القرآن، ولكن الأبصار لم تتقدم على السمع في أية مصاحبة، بل يظل السمع مستأثرا بالتقدم.
ومنها التقديم للاختصاص؛ كما في قوله تعالى: “هو يحيي ويميت وإليه تُرْجعون ” (يونس : آية 56) فإلى الله وحده يرجع الأحياء ، ولا مرجع ينازع الله في هذا الاختصاص، غير أن التعبير عن عدم وجود مرجع مع الله، استلزم تقديم الجار ومجروره ” إليه ” وتأخير الفعل وفاعله ” ترجعون” . ولو أعملنا قانون الرتب النحوية وقلنا في غير القرآن ” : ترجعون إليه ” ففي هذه الحال يمكن إضافة مراجع أخرى، ومن ثم لن يكون الله المرجع الأوحد لكل الأحياء مع ما في هذا من إفساد للعقيدة . وشبيه بما سبق قوله تعالى “: إياك نعبد “( الفاتحة: آية 5) حيث تقدم المفعول ” إياك” وتأخر الفعل ” نعبد” ؛ لا لشيء إلا لتحقيق الاختصاص؛ اختصاص الله بكونه أوحد معبود . والأصل أن يقال في غير القرآن : ” نعبد إياك” ، ولكن التقيد بالرتب النحوية يطيح بمعنى الاختصاص، ويفتح المجال لمعبودين آخرين يستطيع المتلقي أن يذكرهم بعد إياك؛ كأن يقول: ” نعبد إياك واللات والعزى ومُناة” مع ما في هذا من شرك وإفساد للعقيدة أيضا. ولكي يتحقق اختصاص الله بالعبودية وتصان العقيدة من الفساد لم يكن بد من تقديم المفعول برغم كونه فُضْلة وتأخير الفعل وهو العمدة؛ بحيث يتعذر على المتلقي أن يقول “: إياك نعبد واللات والعزى ومناة “.
ومهما يكن من أمر فالغيرة على العقيدة الغراء ظلت الباعث الأساس لا لمن أنكر وجود التقديم والتأخير في القرآن فحسب، بل لمن أقر بأن التقديم والتأخير من تمام بلاغة القرآن ، وساق شواهد تقطع بأن تقديم المؤخر وتأخير المقدم يرقى في كثير من الأحيان إلى مستوى الضرورة الدلالية؛ التي تصون العقيدة من الفساد، وتعصم المسلم من الشرك.






