هلوسة بقلم: محمد صوالحة

أعود إلى المنزل بعد الغروب بقليل، أفتح باب البيت بتكاسل وكأني لا أريد الدخول، فيأتيني الصوت من الداخل قبل أن أخطو خطوتي الأولى: أهلاً سراج، ما الذي أخرك بني؟
أشعر بثقل في رأسي، أشتاق لفنجان قهوة يعيد إلي شيئاً من توازني، ليخفف من ثقل ما يشغل دماغي، فيعود إلي صوتها من الداخل: دقائق ويكون فنجان قهوتك أمامك.
ابتسمتُ، وقلتُ: سلمتِ لي وسلمت يداكِ.
أشعر بالكلمات كموس حلاق يمزق شفتيّ ويجرح لساني. أجلس أمام التلفاز، أقلب المحطات، كل الأخبار كئيبة موجعة، أغلقه ، أدير حاسوبي، أقلب مواقع التواصل الاجتماعي، لا شيء يثير الاهتمام إلا هذا الكم من التكريمات والشهادات الشرفية العليا التي يمنحها كل من هب ودب. أطفأته .
أخرج لشرفة المنزل، أجلس هناك حيث مقعدي الذي لا يتغير، مقعدي المهترئ، والذي لا أحب الجلوس على غيره. أجلس وأنا أسأل المقعد: أتحبني كما أحبك؟
حقا لدي ما يبرر حبي لهذا المقعد الذي لا أستبدله بغيره. أجلس، فيقابلني سيل جفت مياهه، لم يبق في هذا السيل إلا رائحة الوحل التي ملأت محيطه. أتناول فنجان قهوتي وأسير باتجاه السيل، أتكئ على جسر ربض فوق كتفيه، أنظر إلى الأسفل، أهبط لأَسير فيه وأسأله: أين موسيقى خريرك وأين تلك المياه التي كانت تندفع بقلبك وتخيفنا؟
أسمعه يقول: لوثتني أيديهم، سرقوا شفافيتي، والله لو لم يجبرني المطر ما سرت هنا وما كنت.
أشعر بكثير من القرف، ألقي بفنجان قهوتي في السيل وأعود للبيت من جديد. العتمة تلف المكان، والسماء تخفي نجومها خلف غيمة عابرة. أطلب فنجانًا من القهوة.
أين فنجانك؟ تسألني أمي.
أجيبها: سقط في السيل وكسر.
كيف ذلك وأنت لا تحب القهوة إلا به؟ كيف ذلك وأنت الذي تحافظ عليه كما تحافظ على يدك أو أكثر؟
أنظر إليها وأجيبها بصوت لا يكاد يظهر: ملّ مني فانتحر.





