منال رضوان تكتب اللسان العربي في مرمى الخوارزميات.

قبل أشهر قليلة، دُعيت إلى ندوة تتحدث عن الذكاء الاصطناعي وأثره في تلقي المصطلح.
كعادتي، لا أفضل تقديم مداخلات إلا في ما ندر، لأنني أهتم بمتابعة الندوة، ولا أميل إلى توجيه مسار الحديث؛ فلعلي ألتقط فكرة لتكوين قناعة جديدة، أو مراجعة أخرى مستقرة إلى حين، أو ربما خرجت بفكرة لقصة قصيرة أو مفتتحًا لقصيدة يداعب شهيتي في ما أشاهده أو أنصت إليه.
المهم أنها كانت ندوة طيبة، وللحق.. فقد سعدت بما طرحه الأعزاء جميعهم، حتى وإن تباينت رؤاهم؛ فمنهم من تخوف من أثر الذكاء الاصطناعي على المصطلح، أو من الخلط بين أسماء والوقائع بما يؤثر في دلالاتها أو دقتها، ومنهم من امتلك أريحية أكبر، معتبرًا إياه إحدى أدوات البحث.
الحق أنني لم أعلّق للأسباب السالفة، مفضلة الانصات.
لكن اليوم حدث ما جعلني أتذكر تلك الندوة، وأذكر أنني كنت الأقل خوفًا من الخلط في المصطلحات، لأنني أدرك أن الخطأ وقتها، يمكن أن يُصوَّب على يد أساتذة مشهود لهم بالكفاءة في المجالات كافة.
بينما يكمن رعبي -الحقيقي- من هذا التغول للذكاء الاصطناعي، في تأثيره على البنية الأسلوبية للسان العربي، ومن ثَمَّ حدوث التغيير رويدًا رويدًا.
وعلى هامش تلك الفضفضة أقول:
ـ ربما لم أعد أنزعج من بعض أولئك الذين يصنعون قراءات نقدية ونصوصًا إبداعية بالذكاء الاصطناعي؛ إذ إنهم يقدمون طرحًا تظهر عيوبه للوهلة الأولى.
إنما يكمن الخطر كله في تلك النقطة التي تماثل ما عبرت عنها العظيمة في الشواعر، آنا أخماتوفا حين أقرت أننا نكتب من أجل الحفاظ على اللغة، ومن ثم الحفاظ على الهوية.
لا شك أن نمط التفكير الغربي يختلف، كما أن خوارزميات هذه التطبيقات تعتمد على مقارنات النفي الشارح واستخدام التشبيهات بكثرة، بما يخرج أحيانًا عن حدود البلاغة، إلى حد التراتبية الترادفية من دون الاستناد إلى فكرة واضحة تعبر عنها.
فضلًا عن ميلها إلى الجمل القصيرة، التي تعد من أهم سماتها؛ لذا فإن تلك الخوارزميات قد تنجح في تخليق حوارات ناجحة، أما خلق مونولوج، أو حتى صناعة جملة محكمة التراكيب، ذات تراتبية نصية تقود إلى إدراك ما ترمي إليه من مفاهيم بدقة تلج إلى المتن بجمالية اللسان العربي؛ فإن ذلك ما تعجز عنه -في حدود علمي- هذه الوسائط.
بناءً عليه، فهي تمكنك من أن تصنع نصك مستعينًا بها، كما تمنحنا الفرصة أن نضحك ونحن نقرأ بلبلتك وتلعثم نقاطك في وسط السطور.
أما وقد عدنا في ختام المقال إلى النقطة التي جعلتني أتكلم بعد أن ظل الرعب على لغتنا العربية، حبيس صدري هي مطالعتي الدرس الأول في اللغة العربية في كتاب ابنتي.
لغرابة الأسلوب المعتمد على النفي الشارح بطريقة لا يمكن أن تكون مجرد مصادفة.
اللغة هوية إن فقدنا تلك القناعة فلا خير نرجوه بعدها.



