أخبار ثقافيةأخبار عاجلةالرئيسية

رواية “الشيب الأزرق” لركان اللطافنة.. إرث الألم حين يتحول إلى لعنة

 

عمّان – متابعة أوبرا مصر

 

من أزقة السلط الحجرية الضيقة، التي “تحفظ أنفاس أبنائها العالقة بين الدرجة والأخرى”، تنبت رواية “الشيب الأزرق” للروائي الأردني ركان فرج اللطافنة، الصادرة حديثًا عن دار الآن ناشرون وموزعون، لتضع القارئ أمام حكاية تتجاوز سرد تاريخ عائلة ومصائر أفرادها، إلى مساءلة أعمق لمعنى الإرث؛ لا إرث الأرض والمال، وإنما إرث الآلام والأسئلة المؤجلة التي تنتقل من جيل إلى آخر.
تشريح سيكولوجي لمعنى الإرث
وفي إضاءة نقدية للرواية، يرى الشاعر حسين جلبنو أن اللطافنة لا يكتفي في هذا العمل باستعادة دورة حياة عائلة وما يحيط بها من أحداث وتحولات فكرية وعقائدية، بل يذهب إلى “تشريح سيكولوجي عميق لمعنى الإرث”، حيث تبدو المآسي والأسئلة المعلقة وكأنها قدر عائلي يعاد إنتاجه عبر الزمن.
وتتخذ الرواية من المكان مدخلًا إلى هذا العالم؛ فالسلط ليست مجرد فضاء للأحداث، بل ذاكرة حية تحمل طبقات من الخوف والفقد والهجرة والتعايش، ومنها تمتد الحكاية إلى أماكن أخرى بعيدة، من القدس وبيروت وأفغانستان إلى أوروبا والولايات المتحدة، في اتساع جغرافي يقابله اتساع في أسئلة الإنسان عن الانتماء والذاكرة والمصير.
ويشير جلبنو إلى أن الحكاية تبدأ من جرح شخصي، يحملهُ صالح كإرثٍ عائلي إثر هجرتهم قسراً من لبنان، وبعدها فقد زوجته أثناء الولادة، لتبدأ من هذا الفقد سلالة من الألم المكتوم، سرعان ما تجد تعبيرها الأكثر قسوة في العلاقة المضطربة بين الآباء والأبناء.
ومن هنا، لا تعود المأساة في “الشيب الأزرق” حادثة منفردة، بل تصبح سلسلة من النتائج التي تتوالد من بعضها بعضًا؛ غضب يقود إلى غضب، وصمت يورث صمتًا، وأخطاء لا تجد طريقًا إلى الاعتذار والمصالحة، فتعود في صور جديدة داخل الجيل التالي.
ويلفت جلبنو إلى أن جرأة النص تكمن كذلك في “الإغراق في المأساوية”، إذ تتراكم الفواجع في الرواية لتصنع حالة من السواد المكثف، وتضع القارئ أمام اختبار حقيقي لقدرة الإنسان على احتمال ما تفعله الذاكرة حين تتحول إلى عبء موروث.
لكن هذا السواد لا يبدو غاية جمالية في ذاته، بقدر ما يتحول إلى وسيلة لكشف آليات إنتاج المأساة. فالشخصيات لا تتحرك في فراغ، وإنما تحت ضغط تاريخها الشخصي والعائلي، وفي ظل تحولات سياسية واجتماعية وفكرية واسعة تعصف بالمجتمع من حولها.
وتبدو الشخصيات النسائية في الرواية، كما يقرأها جلبنو، في مواجهة مباشرة مع هذا الإرث الثقيل؛ فـ”جليلة” و”مريم” وغيرهما يمثلن الصبر والتضحية في مواجهة عالم ذكوري غاضب، لا يجيد بسهولة الاعتراف بضعفه أو طلب الغفران. وفي المقابل، تأتي شخصيات أخرى محملة بانكساراتها وأسئلتها، لتكشف كيف يمكن للإنسان أن يصبح أسيرًا لتاريخ لم يختره.
وفي هذا السياق، يحضر “عبد الرحمن” بوصفه شاهدًا على التحولات الكبرى التي تصيب الفرد والمجتمع معًا؛ فالحب والخيبة والتدين والحرب والهجرة ليست مسارات منفصلة، وإنما حلقات في رحلة إنسان يبحث عن معنى لما يحدث له ولمن حوله.
وتستفيد الرواية من خلفية تاريخية واجتماعية واسعة، غير أن التاريخ فيها لا يأتي بوصفه استعراضًا للمعلومات أو إعادة تسجيل للأحداث، بل باعتباره قوة فاعلة في تشكيل الشخصيات ومصائرها. فالتحولات السياسية والفكرية التي عرفتها المنطقة خلال عقود طويلة تنعكس داخل البيوت والعلاقات والأفراد، وتكشف كيف تتسلل الأحداث الكبرى إلى أكثر المناطق حميمية في حياة الإنسان.
ويتعزز هذا البعد من خلال بناء سردي يقوم على المقاطع المتعددة والتنقل بين الأزمنة والأمكنة، إلى جانب حضور الرسائل والأغاني الشعبية ونشرات الراديو وقصاصات الصحف والخطب، بما يمنح النص ذاكرة مركبة تتداخل فيها الرواية الشخصية مع الذاكرة العامة.
كما يحضر المكان بلغة مشبعة بالتفاصيل المحلية، فتبدو السلط في الرواية أكثر من خلفية جغرافية؛ إنها أحد أبطال العمل، بما تختزنه من الحجر والدرج والبيوت والخبز والذاكرة الشعبية، قبل أن تنفتح الحكاية على أمكنة أخرى تحمل هي أيضًا أسئلتها وتحولاتها.


وفي قراءة جلبنو، يصبح عنوان الرواية نفسه مفتاحًا تأويليًا أساسيًا. فـ”الشيب الأزرق” لا يحيل إلى علامة جسدية فحسب، وإنما يتحول إلى “وصمة ونقش للشقاء على جلود هذه السلالة”، وإلى استعارة لإرث لا يزول بسهولة، مهما ابتعدت الأجيال عن المكان الأول.
ومن هنا تكتسب الخاتمة دلالتها الفلسفية؛ إذ تترك الرواية سؤالها معلقًا: “هل أورثنا اللعنة.. أم كررنا الأخطاء ذاتها؟”. وهو سؤال يتجاوز مصير الأسرة في الرواية ليضع القارئ أمام مسؤولية الإنسان عن تاريخه، وعن المسافة التي تفصل بين ما يرثه وما يختار أن يعيد إنتاجه.
ويرى جلبنو أن “الشيب الأزرق” في جوهرها “تجربة في فهم العجز الإنساني أمام حتمية القدر”، ودعوة للتأمل في الجسور المهدومة بين الآباء والأبناء، وفي الحاجة إلى مساحة تسمح بالاعتذار قبل أن يفوت أوان المصالحة.
محاولة أدبية لفحص العلاقة بين الذاكرة والقدر والاختيار
وفي هذا المعنى، لا تبدو الرواية مجرد حكاية عائلية تمتد عبر ثلاثة أجيال، ولا مجرد استعادة لوقائع وأمكنة وتحولات عرفتها المنطقة، وإنما محاولة أدبية لفحص العلاقة المعقدة بين الذاكرة والقدر والاختيار.
فالإنسان، كما تقترح الرواية، قد يرث الجرح، لكنه ليس مضطرًا بالضرورة إلى توريثه. وقد يحمل ذاكرة أسلافه، لكنه يستطيع أن يقرر أين تتوقف هذه الذاكرة عن أن تكون قدرًا، وأين تبدأ مسؤولية الاختيار.
وهنا تكمن المسافة التي تفتحها “الشيب الأزرق” بين الرواية والتاريخ: فالتاريخ يروي ما حدث، بينما يحاول الأدب أن يسأل لماذا ظل ما حدث يعيش فينا، ولماذا نعيد أحيانًا إنتاجه ونحن نظن أننا نهرب منه.
وبين السلط وأمكنة الاغتراب، وبين الآباء والأبناء، وبين الحب والخسارة، تترك الرواية قارئها أمام ذلك السؤال القاسي: هل اللعنة شيء نورثه، أم خطأ نصرّ على تكراره؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى