أخبار عاجلةدراسات ومقالات

صورة في حدوتة

ذكريات داخل معبد شيفا في الهند

بقلم/ حسام عبد القادر مقبل

“الحياة ذكريات جميلة وحزينة، سعيدة ومؤلمة، قد تكون مليئة بالإنجازات، أو بالإخفاقات.. وتبقى الصورة هي التي تسجل هذه الذكريات وتحتفظ لها لتصنع تاريخنا”.

ذكريات داخل معبد شيفا في الهند

من الرحلات التي لا أنساها أبدا والتي كتبت عنها في كتابي “غاوي سفر”، رحلتي إلى الهند عام 2009، فكانت رحلة مليئة بالمغامرات والغرائب وعايشت خلال الرحلة تجارب جديدة وتعلمت خبرات مختلفة في وقت قليل جدا، وطبعا جاءت الصور لتسجيل هذه اللحظات المهمة من الذاكرة.


ولأن الرحلة طويلة ومليئة بالأحداث، فأعرض هنا فقط ما يخص معبد “الإله شيفا” وجبله المقدس، وحكايتي معه بالصور طبعا.
كانت الدعوة موجهة من الهيئة القبطية الإنجيلية بمصر من أجل المشاركة في برنامج لتبادل الخبرات حول الحوار بين الأديان بالتعاون مع منظمة “دانمياشن” بالدنمارك، ومركز “كوفاديس” بالهند، ومثل مصر في هذا البرنامج 16 فردًا من إعلاميين وأساتذة جامعة ورجال دين مسلمين ومسيحيين، ومثل الهيئة القبطية الإنجيلية كل من الدكتور أندريه زكي نائب رئيس الهيئة وقتها، وسميرة لوقا مدير منتدى حوار الثقافات بالهيئة، وصموئيل رمسيس منسقًا للرحلة.


زرنا خلال البرنامج الذي استمر أسبوعًا ثلاث مدن في صعيد الهند حيث بدأت الزيارة بمدينة “ترومينالاي” والتي يقع بها مقر مركز “كوفاديس”، ثم ذهبنا إلى مدينة “شيناي” وأقمنا يومين في مدينة “مامالابورام”، وكلها تقع في نطاق ولاية “تاميل نادو” بالجنوب.
كانت من الزيارات المهمة موضوع مقالي هذا، زيارتنا لمعبد “اروناشالا” أو معبد الإله “شيفا” هذا المعبد الذي يأتي إليه الحجاج من كل أنحاء الهند، ومن أنحاء العالم ليتعبدوا وليصعدوا الجبل الذي يطل على المعبد، هذا الجبل المقدس لدى الهنود، والذي يصعد إليه الحجاج حفاة لقدسية الجبل، والذي يعلوه كهف كان يجلس به الإله “شيفا”، والذي كان مزارعًا ظل بالجبل فترة طويلة، ثم قام ببناء هذا المعبد، والذي يقع على مساحة ضخمة يحيطه تسعة أبراج في شكل هندسي ذكرني ببناء الفراعنة وتصميماتهم فالمعبد يحيطه في شكل مربع أربعة أبراج؛ الأول والثاني أعلى ارتفاعًا، ثم الثالث والرابع أقل ارتفاعًا، وفي المنتصف بين أعلى برجين يوجد ثلاثة أبراج، والبرجان الأصغر يقعان أمام البرجين الثالث والرابع.


طلبت منا “أجنيتا” – مشرفة الرحلة- أن نترك أحذيتنا في السيارة قبل النزول وأن علينا أن نسير في الشارع حفاة حتى نصل إلى المعبد؛ لأنه لا يوجد مكان لترك الأحذية، وكل الحجاج الذين يذهبون للمعبد يذهبون حفاة ويسيرون في الشارع بهذه الطريقة، بل إننا وجدنا في الطريق كثيرًا من الناس يسيرون حفاة لمجرد أنهم في منطقة المعبد، تلك المنطقة المقدسة التي لا يصح أن نسير فيها بأحذيتنا، والمعبد يقع في وسط المدينة، كانت تجربة جديدة أن أسير حافي القدمين في الشارع، والغريب أننا مررنا بالطريق بعبدة النار، وبمعابد صغيرة مجرد “دكاكين”.


وأكدت “أجنيتا” لنا أن زيارة هذا المعبد تمر بعدة مراحل، المرحلة الأولى مجرد رؤية المعبد، من الخارج،، ثم الدخول إلى الداخل حيث يتم منع التصوير تمامًا، ثم مرحلة ثالثة، وهي مرحلة التعبد والتي يتم فيها مباركة المتعبد، وأخذ البركة والدعاء له، وأضافت أنه ليس هناك أي حرج لأي فرد في عدم إكمال كل المراحل، خاصة المرحلة الأخيرة، التي قد يرى أنها غير ملائمة لدينه ومعتقداته، ولكن على من يريد التكملة عليه أن يلتزم بالتعليمات والتقاليد، وإلا سنتعرض كلنا للحرج البالغ، خاصة أن هناك استقبالاً خاصًّا جدًّا لنا كوفد من مصر، وأنه تم ترتيب بعض الاستعدادات خصيصًا لنا.

وأكمل د. أندريه زكي الكلام بصفته نائبًا لرئيس الهيئة القبطية الإنجيلية –وقتها- وقال: إن برنامج الرحلة ليس له أي علاقة بهذه المراحل، وأنه ليس هناك أي إجبار على أي فرد من المجموعة في خوض التجربة، والدخول إلى جزء من التعبد الهندوسي في معبد، وأن هذه ليست دعوة من الهيئة، خاصة أن معنا رجال دين مسلمين ومسيحيين شيوخ وقساوسة.
سألت مرافقي الدكتور أحمد أبو سيف، وكان وقتها رئيس قسم الإرشاد الديني بوزارة الأوقاف عن رأيه هل أدخل أم لا؟، نظر لي ضاحكًا، وقال: أنا سوف أدخل، فلو كان هناك شك لما دخلت، والمهم أنك تدخل من أجل التعرف على عادات ثقافية وتقاليد، ليس لها علاقة بإيمانك وعقيدتك، فارتحت لهذا الرأي وقررت الدخول، والطريف أن المجموعة كلها قررت الدخول وخوض التجربة، ولم يتراجع أحد مما أعجب “أجنيتا”.
دخلنا المعبد الواسع المحاط بالأبراج والأسوار المنقوشة نقوشًا فنية رائعة، وبعد عدة أمتار رأينا مكانًا ضخمًا به “فيل” تم وضعه بشكل خاص جدًّا كنوع من التقديس له، يقف الناس يتأملون الفيل يلتقطون الصور معه، يعطونه بعض النقود المعدنية التي يأخذها الفيل بخرطومه فرحًا.
استقبلنا “سيفا شانكار”، وهو كاهن هندوسي وتعرف علينا، وبدأ يصطحبنا في جولة داخل المعبد، وبالفعل شعرنا بوجود استقبال خاص بنا، حيث أدخلنا “شانكار” إلى بعض الأماكن التي لا يسمح فيها بدخول أي فرد، ولم نقف في صفوف مثل التي رأيناها من أجل الدخول، فكان يتحدث بالهندية لبعض الحراس فيفتحوا لنا الأبواب فورًا، حتى وصلنا لمكان الإله، وهو أهم مكان بالمعبد، وهي حجرة صغيرة حارة جدًّا، طلب منا الجلوس على الأرض، ثم بدأ بقراءة ترانيم معينة، تعبد فيها للإله “شيفا” ممسكًا بيده بعض المواد مثل البودرة، وكانت هناك نار في إناء، وطلب من كل فرد منا ذكر اسمه ثم يقوم بذكر الاسم للإله ليباركه وهكذا، وكان لابد بعد هذا أن نقوم بأخذ جزء من هذه البودرة ونضعها على جبهتنا كنوع من المباركة.
بعدها ذهبنا إلى مكان آخر تكرر فيه نفس الإجراءات، ولكن باختلافات بسيطة، وكانت البودرة هذه المرة عبارة عن لون أحمر نقوم بوضعه على جبهتنا، وأخذنا إلى المكان الذي ينام فيه الإله، ويتم غلق الباب عليه، ثم تأتي إليه زوجته (وهي إلهة أيضًا) لتوقظه من نومه في الصباح، وتلبي له احتياجاته.
أنهينا التقاليد الدينية وباركنا “شيفا” الإله كما طلب منه “شانكار”، ثم أجلسنا في مكان فسيح على الأرض، وقام بتوزيع أطواق من الزهور علينا، والتي أحضرها خصيصًا لنا، ثم وزع علينا شنطة صغيرة بها بعض الحلوى. وخرجنا من هذا المكان وسط دهشة كل الموجودين الذين يتعجبون من هؤلاء الذين اخترقوا الحواجز ودخلوا للإله بهذه السرعة، ولابد أنهم ظنوا أن بنا شيئًا روحانيًّا أو أننا مبعوثون من إله آخر من الملايين التي يعبدها الهنود.
خرج بنا شنكار إلي فناء المعبد -وسط قفزات القرود حولنا- حيث تحدث بالهندية معنا حول “شيفا” وأهميته عند الهنود، وأن الحجاج يأتون إليه شهريًّا عند اكتمال القمر ليصلوا له ويباركهم، ثم قام بتوزيع بعض الطعام لنا كنوع من الحفاوة بنا، وكان لابد أن نأكل وإلا كانت إهانة لضيافتهم.


كانت تجربة رائعة بكل المقاييس، ورغم القفشات الضاحكة التي تبادلناها والدهان الأحمر على جبهاتنا، إلا أننا خرجنا بخبرات وثقافات جديدة علينا، وتذكرت من جديد كاتبي المفضل الراحل أنيس منصور في كتابه “200 يوم حول العالم” عندما كان يحكي حكايات مماثلة، وكنت أقرؤها وأنا مذهول، والآن أجربها بنفسي.
طلبت من “أجنيتا” أن أزور الجبل المقدس للإله “شيفا”، ولم يكن هذا بالبرنامج، فشجعتني وقالت لي: إن المشهد من فوق الجبل عند شروق الشمس رائع ولن تندم على ذلك، ووعدتني بتنظيم ذلك وترتيب شخص يذهب معي ومع من يريد ليكون دليلاً لنا في صعود الجبل، وأعلنت للجميع أن من يرغب في صعود الجبل عليه أن يتجمع في الخامسة والربع صباحًا أمام مركز “كوفاديس” لأن الرحلة تستغرق في الصعود حوالى 40 دقيقة، وبالفعل ذهبنا مع “فيسو فاسام” دليلنا في هذه الرحلة وكنا حوالى 10 من 16 فردًا هم إجمالي المجموعة المسافرة من مصر.
ورغم أننا لم نتقيد بأن نسير حفاة وظللنا بأحذيتنا إلا أن الرحلة كانت شاقة، وكان العرق يتساقط بغزارة منا، ولكننا بمجرد الصعود ورؤية مشهد المدينة بالكامل نسينا التعب والإرهاق، واستمتعنا بمشهد شروق الشمس كما أن الجبل يطل على معبد “شيفا” بالكامل ويظهر المعبد بشكل كامل بأبراجه التسعة، وكان في استقبالنا أعلى الجبل القرود الجائعون الذين تخطفوا الأكياس منا ظنًّا أن بها طعامًا ليأكلوه، وشاهدنا العديد من السياح الأجانب الذين جاءوا للجبل المقدس ليأخذوا البركة يصعدون حفاة لإيمانهم بقدسية المكان.

حسام عبد القادر مقبل –  صورة في حدوتة

 أوبرا مصر  – دراسات ومقالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى