أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

منال رضوان تكتب خصائص الأسلوب لدى تشيخوف

مقدمة:

كما قيل عن الأدب الروسي أنه -وعبر القرون- يظل كيانًا عضويًا شديد التماسك، لم تنفك عراه أو تنقطع عن محاولة السعي نحو إيجاد المعادلة الأنسب للتعبير عن النفس الإنسانية وصراعها مع العالم المحيط، مع عدم إغفال الحريات الأساسية للأدب، ومحاولة حماية حرية الكلمة؛ لضمان “سلامة العملية الأدبية الحيوية في سياق دراماتيكية الأقدار الشخصية وتفاعلها مع حدة الصراع” (ڤ. أكيموف ص٨)، وعبر منحنيات عديدة مر الأدب الروسي بها اجتماعيا وأيدويولجيا؛ غير أنه لم يفقد -إجمالا- خصائصه التي عنيت عناية خاصة بالحفاظ على الكلمة ومحاولة النأيء بها عن الأدلجة قدر الممكن الذي أتاحته معطيات الحقبة التالية للعصر الذهبي الكلاسيكي للأدب الروسي وعلاماته الإبداعية المضيئة كتولتسوي وتشيخوف، والذي تمر اليوم ذكرى وفاته في الخامس عشر من يوليو ١٩٠٤م.
بيد أن تصنيف تشيخوف الكلاسيكي لا يجب أن يذهب بنا نحو الاعتقاد أن ما خطه من نفائس أدبية أمست من التحف الموضوعة على الأرفف فاقدة الصلاحية بمرور الوقت، أو أنها ابتعدت عن الواقعية نظرا لتغير طبيعة المجتمع؛ فروح القص لدى تشيخوف لم تفقد طزاجتها أبدا؛ وما هذا إلا لأنها لم تفقد خصائص واضحة يمكن رصد أهمها -بإيجاز- فيما يلي:
بوجه عام خضع أسلوب القص عند تشيخوف، والذي تضمنت مسيرته أربع مسرحيات ومئات القصص القصيرة، إلى استدعاء اللحظة ورصدها بدقة فائقة وإعادة إنتاجها كمفارقة تحمل ثنائيات الأضداد التي لا يمكن للواقع أن يخلو منها ومدى تأثير ذلك على النفس الإنسانية بكل نوازعها، فتميزت أعماله بعدة سمات لعل أبرزها ديالكتيكية واضحة بين الفكرة والواقع، وهي أقرب ما تكون إلى المفهوم الأفلاطوني لذلك التحرك المنبثق عن مفهوم الخير المجرد، والذي ينصرف تباعا إلى الواقع واليومي والملموس؛ ويمكن للمتلقي أن يتلمس هذه العلاقة بين الفكرة في بيئتها البكر وبين ما يضيفه تشيخوف عبر الإسقاط والاسترجاع واستدعاء حالة أو ظاهرة اجتماعية موجودة أو محددة سلفا للتأكيد عليها،
وفيها يشحذ همته لتمرير قناعة أو الإشارة إلى مواطن العلة عبر فينومينولوجيا واضحة دالة، أدواتها ليست خاضعة لأسلوب القص وحده؛ وإنما تجدها حتى في دلالة استخدامه الأسماء ومؤدى ذكرها أو التغافل عنها على السواء؛
فعلى سبيل المثال في قصته ”وفاة موظف” بينما جاءت مفردة (موظف) نكرة للدلالة على عدم أهمية ذلك الشخص أو ما حدث له؛ لكننا نجده في المفتتح السردي للقصة يؤكد على الاسم الثلاثي لبطل قصته ” إيفان ديمتريڤتش تشرفياكوف” والذي مات نتيجة الخوف من أحد الجنرالات؛ لظنه أن الرجل لم يقبل اعتذاره بعد أن عطس في وجهه!!
هذه الفكرة التي سعى تشيخوف لتأكيدها، وهي أن ذلك الموظف وإن لم يكن مهما؛ إذ أنه ليس من رجال الحكم، لكنه لم يفقد أهميته لديه كما أنه لا يجب أن يفقد أهميته لدى المتلقي بحال؛ ولذا فقد برزت أهميته عبر التأكيد على اسمه كاملًا.
بيد أن هذه الظاهراتية لم تؤثر بحال على تمرير مضامين تعكس مدى ثقافة تشيخوف وتبصره، وإن كانت هناك بعض التقنيات كالاسترجاع والإسقاط نجده أجاد في استخدامها، لكننا نلمس هذا الاستشراف الواعي بما يمكن أن يسير الحال إليه وما سيحدث عقب سنوات قليلة؛ وهو ما نجده في قصته “حلة النقيب” فذلك الترزي الذي يتوقع دماثة لا مستقر لها إلا في مخيلته، يعاني أشد أنواع التنكيل والظلم ويدفعها عنه بقناعة لا مبرر لها سوى ظنه الساذج في هؤلاء السادة وأنهم لا يمكنهم فعل هذا وسرقة ثمن البقرة الذي استدان به؛ ليصنع بذلة عسكرية أنيقة لأحد الأشخاص والذي يراوغه في دفع ثمنها..
فهذا الصراع وتسيد طبقة دون غيرها لعقود تلت زمن القص لعلها هي ما جعلت النقاد -أغلب النقاد- يصنفون الأديب الروسي أنطون تشيخوف (١٨٦٠ – ١٩٠٤) في عداد الكتاب الواقعيين (ينظر ص ١٩٤ ن. الأدريبي المسرحية العالمية ج. ٤ ترجمة عبد الحفيظ متولي) كما أنهم في ذلك يرصدون تلك اللبنة الأولية التي يكتب قصصه ومسرحياته وفقا لها؛ حيث يتضح حرصه على تصوير الحياة اليومية لأبطاله، من الأمل والألم، وسبل الأفراح والمتارح، المعاناة واللامبالاة، الاهتمام وعدم الاكتراث، تلك المنمنمات التي تجتمع معا؛ لتكون صورة مكتملة واضحة تكمن الحياة بين طياتها.
ولذا مثلت كتاباته الثورة على الدراما الصاخبة ذات الأحداث المثيرة من الألف إلى الياء، والتي تبدو في كثير من الأحيان وكأنها محاكاة لمأساة أسطورية تعصف بالعادي والمنطقي والطبيعي لصالح المأساة التي تجسدها هذه الكتابة، وتشحذ همم الأدباء لها، وقد أعلن تشيخوف عن موقفه ذلك، صراحة وضمنا؛
فبطريق غير مباشرة كما في طائر البحر (النورس) -على سبيل المثال- نجد تربليوف “Treplyov” ذلك الشاب المتمرد على الثبات والجمود والذي يصب جام غضبه على المواعظ المحفوظة، والتقاليد العتيقة، ويطالب بصور فنية جديدة فإن لم نحصل عليها.. ” فالأجدر ألا يكون لنا شيء على الإطلاق”*
وإن انتهت حياة الشاب ذاته بمأساة؛ غير أن العمل حمل تلك الثنائيات التي يمكن بواسطتها إدراك منظومة متكاملة تكتمل الحياة معها، فنجد أنفسنا أمام وجهين لكل حقيقة؛
كذلك نجد تشيخوف يعبر صراحة، وليس ضمنا عن موقفه من الواقعية قائلًا:
” في الحياة العادية لا يحدث أن ينتحر الناس كل لحظة أو يشنقون أنفسهم أو يعترفون بحبهم لبعضهم البعض أو يتحدثون أحاديث ذكية، فهم على الغالب يأكلون ويشربون ويتداعبون ويتكلمون عن أشياء تافهة، ومن الضروري أن يظهر ذلك على خشبة المسرح؛ لهذا السبب يجب علينا خلق مسرحية يحضر الناس فيها وينصرفون إلى تناول طعامهم، ويتحدثون عن الطقس ويلهون.. لا لأن الكاتب بحاجة إلى هذه الأشياء؛ بل لأنها تجري في الحياة الواقعية، ليكن كل ما على المسرح معقدًا وبسيطًا كما في الحياة نفسها…”
#في_ ذكراه بعض الخصائص في أسلوب أنطون تشيخوف (٢٩ من يونيو ١٨٦٠ – ١٥ من يوليو ١٩٠٤م)
هوامش:
الأدب الروسي في مائة عام فلاديمير أكيموف المركز القومي للترجمة ط.ث ٢٠١٨
تشيخوف بين القصة والمسرح ڤ لاكشين، سكاڤيتموف ت حياة شرارة، دار القلم بيروت ١٩٧٥
* النورس مسرحية من أربعة فصول ١٨٩٦ تتحدث عن عالم المسرح والأدب وتكشف عبر تناظرات ثنائية، تناقض النفس البشرية عبر عرض أنماط وسلوكيات متنوعة.
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى