الجميلي أحمد: العيد: غربة الروح بين لحظات الفرح المؤجل

الجميلي أحمد: العيد: غربة الروح بين لحظات الفرح المؤجل
العيد… ذلك العطر الذي يتسرب إلى الأيام، فتزهر القلوب وتلمع العيون بشغف اللقاء. لكنه، في أحيان كثيرة، يجيء ليوقظ داخلنا غربتنا، تلك الغربة التي لا تتجلى فقط في البعد عن الأهل والوطن، بل في البعد عن أنفسنا، عن ذلك الجزء العميق منا الذي لم يكتشفه أحد، ولم يفهمه حتى أقرب المقربين.
العيد في الغربة: فرح ناقص وضوء باهت
حين يدق العيد الأبواب، تستيقظ الذكريات كما تستيقظ الفراشات عند أول شعاع فجر، لكنه فجر بعيد، لا تصله أيدينا. نبحث في ضوضاء الشوارع عن أصوات اعتدنا عليها، عن دفء الأحاديث العائلية، عن روائح الطعام التي تحمل بصمة الحنين، فلا نجد سوى صدى الوحدة يعيد إلينا السؤال ذاته: هل للعيد معنى إذا غاب الأحبة؟
قد نحاول رسم الفرح، نبتسم أمام شاشات الهواتف، نرسل التهاني، ونخفي خلف الكلمات غصة الحنين. فالعيد ليس في الثياب الجديدة ولا في المائدة العامرة، بل في تلك النظرة التي نراها في عيون من نحب، في الضحكة التي تخرج من القلب دون تصنع، في دفء المكان الذي نعرفه ونشعر بانتمائنا إليه.
غربة النفس: وحشة لا يبددها ضوء
ولكن، ماذا عن تلك الغربة التي لا تتعلق بالمكان، بل بالنفس؟ حين يشعر الإنسان أنه وحيد حتى وسط الجموع، حين تفيض الذكريات كأمواج البحر، تأخذنا معها حيث لا نريد، وحين يصبح الليل أكثر وطأة لأننا نواجه فيه أنفسنا، دون ضجيج يشتت أو يد تغمر القلب بحنانها؟
في العيد، تزداد هذه الوحدة وضوحًا، كأن الفرح الجمعي يسلط الضوء على غياب الفرح الداخلي. فالإنسان قد يبتسم، لكنه في داخله يشعر بأنه خارج المشهد، متفرج على العيد لا مشارك فيه.
السعادة في الوحدة ليست مستحيلة، لكنها مختلفة. إنها ليست صاخبة ولا تشبه تلك اللحظات التي نعيشها وسط الأحبة، بل هي هادئة، متأملة، تتطلب تصالحًا مع الذات. قد يجدها البعض في كتاب، في مشي هادئ تحت سماء مفتوحة، في كوب قهوة يحتسيه على مهل وهو يستمع إلى أغنية قديمة تذكره بأن الأيام تمضي، وأن الغياب لا يعني النسيان، وأن العيد سيعود، وربما يحمل معه لقاءً مؤجلاً.
وربما، في لحظة ما، ونحن وحدنا في العيد، ندرك أن الحنين جزء من الحياة، وأننا رغم البعد، متصلون بأرواح من نحب، بذكرياتهم، بكلماتهم العالقة في قلوبنا. فالعيد ليس فقط اجتماع الأجساد، بل اجتماع الأرواح، وتلك الأرواح لا تغيب حتى لو فرّقتنا المسافات