أراء حرةالرئيسية

النقد بوصفه رؤيا: بين انبجاس الحرية وخيانة المحاكاة: بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.

 

ليس النقد، في جوهره، جرداً محايداً للأفكار أو تشريحاً ميكانيكيًّا للنصوص، بل هو فعل كشف، ورؤيا تنفذ إلى ما وراء الأشك
ال، لتبلغ مواطن الجوهر العصيّ على القبض. فحين يتسع أفق الناقد ليصير رؤيوياً، فإنه لا يتخلى عن أدوات العقل أو صرامة المحاكمة المنطقية، ولكنه يضيف إليها تلك اللمعة السرّية التي تشبه ومضة البرق في عتمة الغابة؛ ومضة قد تحمل في طياتها بعض الشطح، غير أن هذا الشطح هو الملح الذي يحفظ للنقد نكهته، ويقيه من التخشب في التكرار الأعمى.

إن النقد الذي يلتزم الحياد البارد لا يتجاوز رتبة المرآة الصمّاء، أمّا النقد الحرّ فيغدو نافذة تُطل على أفق يتجاوز النص إلى مجاله الحيوي الذي وُلِد فيه، ويقرأ الكلمة بوصفها أثراً من آثار روح كاتبها. ولأجل أن يكون النقد حيّاً، فلا بد أن ينأى بنفسه عن المحاكاة الببغائية، تلك التي تقتات من قدوات جامدة كالأصنام، لا تهتزّ ولا تُثمر. فالحرية، حرية الحركة والتجوال في فضاءات المعنى، ليست خياراً ترفيّاً في العملية النقدية، بل هي شرط وجودها.

وليس للحياة، في كل أشكالها، إلا طريقان: أن تتخثر فتموت، أو أن تسيل فتغدو نهراً متجدّداً. كذلك النقد؛ إن هو انحصر في الاقتداء الميكانيكي بالقدوات، فقد دخل في طور التحجر، أما إذا تجرأ على الانحراف المنظّم، والتمرد المحسوب، والانفلات الذي يعرف طريقه، فإنه يكتسب طاقة البقاء والخلق. إن الشطح هنا ليس طيشاً فكرياً، بل هو لحظة يتقاطع فيها وعي الناقد مع دفق الحياة نفسها، حيث يتحول النقد إلى عملية إنعاش للنصوص والأفكار، لا مجرد حفر في مقابرها.
فالتمرد على كل ما هو ثابت لا يعني الفوضى المطلقة، بل هو بحث عن أصالة في التجربة النقدية، وإصرار على أن تكون الحياة النفسية – كما الفكرية – مُعاشة لا مُستعارة. إن النقد، حينذاك، يصبح مغامرة وجودية، تتخذ من النصوص معابر نحو كشف أوسع، لا غاية نهائية في ذاتها. وفي هذا المعنى، يغدو الناقد كالمسافر الذي لا يكتفي بتسجيل معالم الطريق، بل يبحث عن أثر الحلم في عيون العابرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى