أخبار عاجلةأراء حرةالرئيسية

شوقي إلى ليلى ل.. نشأت المصري اعترافات الذات وضجيج الروح والذكريات

بقلم: نسرين معتوق

 

رحلة “بين أزمة الملاك ، والتمرد على القالب ، واعترافات الذات ، وضجيج الروح والذكريات”.. تأخذنا فيها رواية “شوقي إلى ليلى” للروائي المبدع نشأت المصري.
بقلم: نسرين معتوق
في هذه القراءة لا أقفُ أمام نص روائي لأحاكمه بأدوات النقد الأكاديمي الجافة، بل أقف أمام مرآة تعكس تخبطاتنا الإنسانية الأكثر صدقاً. رواية “شوقي إلى ليلى” للكاتب نشأت المصري ليست مجرد سرد للسيرة الذاتية لليلى “بطلة الرواية”، بل هي اختبار حي لشجاعة البوح في زمن يقدس المظاهر؛ نموذج أدبي غني يمزج بين البوح الذاتي والصراع الوجودي، وتقدم أدباً يحمل في طياته مادة خصبة إنسانياً، تتجاوز مجرد سرد الأحداث إلى الحفر في كينونة الشخصيات.
فمن خلال “ليلى”، تلك الفراشة التي تحاول الفكاك من سجن الأوصاف والقيود الاجتماعية المعلبة، ندرك كيف يمكن للروح أن تبقى هي الناجي والحر الوحيد داخل ذلك الجسد المكبل، وسط عواصف الغربة بكل صورها وألوانها، وعداد الزمن والعمر، وحتى عندما تغرق الذاكرة في بئر النسيان. أقدم رؤية من قلب قارئة، تبحث بين السطور عن تلك اللحظات الفارقة التي يسقط فيها الخوف، لنواجه ذواتنا كما هي، بلا تجميل ولا تزييف.

تستهل ليلى حاتم “البطلة” الرواية باعترافاتها، في مكاشفة تُحسب أنها استثنائية، والتي تخلق من الصفحات الأولى مساحة من الحميمية والصدق بين تلك الشخصية المركبة وبين القارئ. ففي صراع رغبة الإنسان في أن يكون نفسه، ولا شيء غير نفسه بكل عيوبها وتجاربها، وبعيداً عن القوالب الاجتماعية الجاهزة، تأخذنا ليلى الطفلة، ثم الشابة، ثم السيدة الرومانسية على طول مشوارها؛ تلك الحالمة حد الاغتراب، وبكل ذلك الداخل المتمرد رغم المظهر الثابت الهادئ، وبعقل لا يتوقف عن التفكير، تقاوم دون اصطدام حقيقي بالظروف المقيدة لها، في محاولة للاستقلال ولو جزئياً، لتنتزع فقط حقها الطبيعي في الحب والحياة كما كانت تريد.
ومن خلال الأحداث، تنتقل البطلة عبر فصول الرواية، والتي هي فصول عمرها أيضاً، بذلك الداخل المفعم بالحياة، بين الشخصيات من حولها والتي اتسمت أغلبها بالتقليدية والسطحية من جهة، وبين المستجدات والتغيرات الاجتماعية التي تأثرت هي الأخرى بما طرأ من تغيرات وأحداث سياسية عاصرتها بطلة الرواية من جهة أخرى.
حيث تحدثنا ليلى عن نشأتها بين أم ذات شخصية سلطوية متحكمة، تجيد التدليس واللعب بالألعاب النفسية لتصل لما تريد تحقيقه وما تراه من وجهة نظرها سليماً، وأب طيب ولكنه لا يبرأ من السلبية، وأخت حقود ترى في نفسها الأفضل. كانت الطفولة والشباب، ثم تنتقل بعد ذلك للزوج “فريد سالم”؛ الضابط ذو السلطة، التقليدي والسطحي جداً، الحياة في عينيه مثالية مادام البيت ذهبياً، والحذاء لامعاً، والأسفار مبهرة، والحفلات تعج بصفوة المجتمع ووجهاءه، وهي القارئة الحالمة والعاطفية الرومانسية؛ فيُعزز ذلك اغتراب ليلى الروحي، ثم يزداد عليه اغترابها المكاني في رحلة تحاول إنهاءها بعد سنوات طوال بالانفصال والعودة لأرض الوطن، ولكنها لا تنتهي فعلاً إلا بوفاة فريد ووصولها هي لسن الخمسين، فتقرر البدء من جديد.
فتخرج لتباشر الحياة، وتخالط الناس، ولكن هذه المرة بدون هالة السلطة والنفوذ. تعود للعمل ثم يظهر “شوقي عبد البديع”؛ ذلك المثقف الواعي، و الداعم الصبور، و من بعدُ المحب المغرم ثم الزوج الوفي. فشوقي في حياة ليلى لم يكن مجرد عاشق صادق، بل كان رفيق الروح الذي أخذ على عاتقه مسلماً ترميم روحها التي أرهقتها انكساراتها النفسية وهزائمها الحياتية، وظل هو الوفي حتى عندما غدرت بها ذاكرتها وغيبها الزهايمر، لتنسى و بالتدريج الجميع حتى هو “شوقي”.
الرواية كتبت بأسلوب إنساني ممتع، ولغة شاعرية مكثفة ورقيقة، واستعملت الرمزية فيها بحرفية عبرت ببعض الكلمات عما قد تعجز عن إجماله جمل طويلة. أما أجمل وأثمن الرسائل التي حملتها وظلت تؤكد عليها الرواية، فهي أن مقولة “القادم أجمل” ليست مجرد شعار بقدر ما هي مقاومة يومية.
أخيراً، هي دعوة لكل “ليلى” داخلنا لكي لا تصدق الأوصاف الجاهزة، بل لتبحث عن الخبر اليقين في تجربتها الخاصة، حتى لو انتهى بها الأمر في طاحونة الغياب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى