د. حسين عبد البصير يكتب صنع الله إبراهيم.. رفيق الحكايات والكاتب الذي لا يلين

رحل صنع الله إبراهيم، لكن صوته، وصرامته الأخلاقية، وروحه الساخرة، ما زالت تلازمني في الذاكرة. بالنسبة لي لم يكن مجرد كاتب كبير، بل كان أستاذًا وصديقًا ومعلمًا، ورفيق بعض أجمل الحكايات.
كاتب من معدن نادر
من يقرأ صنع الله يدرك أنه لم يكن يكتب ليتزين أو ليكسب الجوائز، بل ليقول ما يجب أن يُقال، حتى لو أغضب الجميع.
كان نصه شديد التركيز، يمزج الوثيقة بالخيال، والإحصاء بالحكاية، ويحوّل التاريخ السياسي والاجتماعي إلى سرد نابض بالحياة. في كتابته كما في حياته، لم يوقّع شيكًا على بياض لأي سلطة، ولم يتخلّ عن موقفه النقدي.
رحلة طليطلة وضحكة “شوية زبالة”
من الذكريات التي لا أنساها، رحلتنا معًا إلى إسبانيا، إلى طليطلة تحديدًا، برفقة الراحلة الدكتورة أمنية رشيد، حفيدة إسماعيل صدقي باشا، وزوجة الدكتور سيد البحراوي.
كنا نتمشى في الأزقة الحجرية، نتأمل بقايا الأندلس، وصنع الله يراقب كل تفصيلة. فجأة، وسط نظافة الشوارع التي تكاد تعكس وجوهنا، التفت إليّ بابتسامته الساخرة وقال:
“نفسي أشوف شوية زبالة!”
كانت جملة عابرة لكنها تلخص شخصيته: حتى أمام الجمال المبهِر، لا يتوقف عن البحث عن النقص، عن الوجه الآخر الذي يكمل الصورة.
إسماعيل صدقي والشوكولاتة
خلال تلك الرحلة، كان يسأل الدكتورة أمنية عن جدها إسماعيل صدقي باشا. حكت لنا وهي تضحك أن جدها، حين كان يعمل في مكتبه، كان يوزع الشوكولاتة على أحفاده ليشغلهم عن إحداث الضجيج، فيخلو إلى عمله.
كان صنع الله يصغي بانتباه، كمن يجمع خيوط شخصية لرواية قادمة، ويبتسم لذلك المشهد الإنساني الذي يكشف الوجه الخاص لشخصية سياسية تاريخية.
تواصل على فترات.. وكتب تترك في الانتكخانة
لم تكن لقاءاتنا دائمة، لكن الاتصال كان مستمرًا ولو بشكل متقطع. كنت أرسل له ما أكتب، فيقرأه ويشجع، بكلمة قليلة لكنها واثقة.
وكانت لي عادة أن أترك له كتبه أو بعض الأوراق في مكتب سياحة بوسط البلد، في شارع محمود بسيوني، أو في “الانتكخانة”، وكأنه طقس صغير يربط بيننا، خارج صخب المكاتب والمراسلات الرسمية. كان يستلمها لاحقًا، وأعرف أنه قرأها من تعليق مقتضب، أو من ملاحظة عابرة في لقاء لاحق.
الكاتب الذي لا يعرف الإجازة
حتى في لحظات السفر أو الجلسات الودية، كان صنع الله يظل ناقدًا يقظًا، يرى العالم بعدسة الكاتب الذي لا يتوقف عن طرح الأسئلة. لم يكن يومًا متفرجًا محايدًا، بل دائم البحث عن المعنى، عن القصة التي لم تُروَ بعد.
وداعًا أيها العصامي
برحيله، فقدنا كاتبًا ظل حتى النهاية وفيًّا لفكرته عن الكتابة كفعل مقاومة. لكن بقيت النصوص، والمواقف، والضحكة التي انطلقت في شوارع طليطلة، والعبارات القصيرة التي كانت تكفي لتشجيع مشروع كتاب جديد، واللقاءات في أماكن لا تخطر على بال مثل الانتكخانة.
صنع الله إبراهيم سيظل، بالنسبة لي، مثالًا للكاتب الذي لا يلين، وللرفيق الذي يعرف كيف يحوّل حتى رحلة سياحية إلى درس في النقد والحرية.
