أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

د.صبري زمزم عندما يكون الصمت لغة تمتنع الحنجرة عن البوح

رواية «حنجرة الصمت» للروائية د. شروق كمال

قبل ان نتكلم عن الرواية لابد أن نتكلم عن الراوية أولا وهي الدكتورة شروق كمال.
والواقع أن الدكتورة الأديبة الطبيبة شروق كمال هي إحدى درات عقد فريد جميل من أهل العلم الذين انضموا إلى عالم الأدب فزادوه رصانة وقوة كل في مجاله فالشاعر إبراهيم ناجي طبيب وكذلك الأديب المفكر الدكتور مصطفى محمود طبيب والدكتور يوسف إدريس أيضا وكذلك الدكتور أحمد خالد توفيق أما الدكتور أحمد خالد مصطفى فهو صيدلي، والمهندس علي محمود طه الشاعر الشهير وأحمد زكي أبو شادي أيضا مهندس وشاعر مؤسس جماعة أبولو الشعرية كل هؤلاء أضافوا إلى عالم الأدب الشعري والنثري والروائي والفكر.
والدكتورة شروق كمال الطبيبة تنضم إلى هذه الكوكبة الأدبية المرصعة بالعلم فجاءت صياغتها مزيجا بين العلم متمثلا في حالة التوحد في الرواية ووصفها وأعراضها وطرق علاجها، وبين الأدب في حسن السبك وروعة الصياغة وجمال التعبير والتصوير الذي يصل إلى لغة الشعر أحيانا.
‏ أما الرواية فإذا أردنا أن نتحدث عنها فلابد أن نبدأ بالعنوان.
‏ فالعنوان« حنجرة الصمت» هو أول ما يجذبنا ويدهشنا في هذه الرواية لأن عنوانها عجيب وغريب وغير تقليدي «حنجرة الصمت» فالحنجرة هو هي العضو المسئول عن الصوت ومن ثم الكلام والصراخ والشكوى ولكنه هنا في هذه الرواية عضو الصمت والسكوت والسلبية فهل كان الصمت عن كلام أم صمت عن شكوى أم صمت عن ألم أم أنه صمت عن صراخ وهل كان صمت سكوت عن رضا أم عن عجز أم عن صبر أم عن يأس من جدوى الكلام كل هذه التساؤلات تتبادر إلى ذهن القارئ للوهلة الأولى وتترسخ أكثر من خلال قراءة أحداث القصة وإن كان في مواضع ومواقف مختلفة يضاف إليها صمت العجز عن المواجهة مواجهة هذا إذا نسبنا الصمت إلى البطلة سهر ولكن في الحقيقه نجد الصمت يعم أركانا أخرى ومناطق اخرى وأشخاصا آخرين في الرواية.
‏ فالزوج باهر زوج صامت لا يتكلم مع زوجته إلا قليلا وإذا تكلم كان عن صلف وكبرياء واحتقار لزوجته فصمته كان أفضل من كلامه أما الزوجه سمر فكانت تواجه الصمت بمثله فتتوقف لغه الحوار بين الزوجين منذ أول خلاف بينهما رغم أنه لا يستحق من وجهه نظرها كل هذه القطيعة والخرس الزوجي الذي لم ينقطع بل ظل هو الحالة المستديمة بينهما ولكن دوافع الصمت تختلف من مازن إلى سهر فمازن كان صمته سلاحا للردع والإقصاء والإهمال والنبذ.
أما سهر فكان صمتها درعا وترسا تحتمي وراءه وتلوذ به خوفا من التصعيد والصدام ومن ثم الخروج من جنة الزواج إلى نار الوحدة والفشل.
وهناك صمت «أم سهر» وعدم دعمها لابنتها عندما لجأت إليها بل لاذت بالصمت خوفا من صلف الزوج وإشفاقا على ابنتها من مزيد من التصعيد من جانبه.
وهناك صمت آخر يضاف إلى كل ذلك هو صمت الطفل «مازن» الذي لا ينطق مثل بقيه الأطفال فلم يكن ينطق الا بحرفين فقط هما «ما» اختصارا لكلمة ماما وهو الذي أصبح محورا للقصة ومركزا لها يدور حوله الصراع بين أب غير سوي نرجسي سادي نتيجه إهمال أمه له في طفولته فشب إنسانا مشوها نفسيا قاسيا لا يستطيع التحكم في انفعالاته أو ردود أفعاله.
‏وبين أمه سهر ابنة أبيها الذي كان يمثل لها كل شيء في حياتها السند والصديق والمعلم وعندما فقدته شعرت بأنها فقدت كل شيء وعجزت أمها المستكينه أن تملأ هذا الفراغ وظلت هناك مسافة نفسية واسعه بين الفتاة وأمها واستعاضت سهر عن أبيها بابن خالتها إبراهيم الذي مثل لها الأخ الحنون الذي يبحث عن مصلحتها وكان دائم النصح والتحذير لها ولكنها لم تأخذ بنصائحه رغم مكانته عندها.
‏ وفي الجزء الثاني من الرواية وكان مسرحه هولندا تنجح الرواية أو الرواية في أن تضيف شخصيات جديدة ألفت على القصة مزيدا من الديناميكية والسخونة عن طريق التوازن بين الشخصيات فهناك شخصيات نسوية لبنى وشمس وليبين وشخصيات رجاليه فارس ومايكل وحسين زوج لبنى وإن كان وجوده باهتا وحضوره سلبيا لتسير الأحداث لتنتقل الى أمريكا بعد أن استغل الزوج سفر زوجته بحضور عزاء والدتها ويغدر بها ويسافر وأمه ليضع طفله في مدرسة داخلية.
‏ ذلك الابن الذي يمثل بالنسبه لأبيه ولجدته عارا في جبين الأسرة وتاريخها الاجتماعي فكيف يكون لهم ابن أو حفيد مصاب بالتوحد يعيرون به.
وتنتمي هذه الروايه إلى الأدب الاجتماعي والنفسي في الوقت ذاته فهي اجتماعية من حيث الغوص في العلاقات الأسرية بين الافراد الزوج والزوجة والحماة كما تعرضت مؤلفة الرواية بحكم خلفيتها الطبية لمرض نفسي هو التوحد وكيف يمكن اكتشافه في مرحله مبكرة وكيف أنه لا يمثل إعاقه ذهنيه تستدعي الخجل منها أهله وكيف ان هناك اساليب لمعاملة الطفل تحد من اعراض التوحد وتساعد على علاجه فالحل ليس ايداعه مدرسة داخلية للتخلص منه كما فعل الأب، بل بمتابعته بمزيد من الصبر والحب وحسن المعاملة والمعاملة الطبية العلمية المناسبة والناجعة وهو ما ختمت به الأديبة روايتها.
ملاحظات سريعه على عناصر الرواية
بعد ان تكلمنا عن العنوان وعن الحبكة القصصية نتكلم عن اللغة.

لغة الروايه سهلة بسيطة صحيحة جميلة ترتقي إلى لغة الشعر.
السرد:
السرد غلب فيها على الحوار فكان السرد كثيرا والحوار قليلا وهو ما يتناسب مع القصة.
‏ وكان الحوار مناسبا لجريان الأحداث وكان الحوار باللغة العربية الفصحى البسيطة التي لا تشعر بركاكتها ولا بتقعرها فكانت لغة سهلة بسيطة وصحيحة في الوقت نفسه.
‏ الزمن كان متسلسلا من البداية للنهاية بشكل بسيط دون العودة بالأحداث لزمن الفلاش باك.
‏ النهاية: عودة الابن إلى أحضان أمه ورفض سهر الزواج من فارس رغم إعجابها به واعترافه بحبه لها.
‏ وبهذا فضلت سهر التفرغ لابنها ورعايته لتستمر فقط في دور الأم ورسالتها نحو ابنها الذي كانت على وشك أن تحرم منه للأبد وهي نهاية جيدة ومناسبة.
‏المكان؛ انتقلت الروايةمن القاهرة إلى هولندا ثم القاهرة ثم هولندا ثم أمريكا ثم هولندا مرة أخرى مع وصف أماكن في هولندا واخرى في امريكا مع وصف دقيق للمناخ والتوقيتات الزمنيه في كل منهما بما يوحي بأن الكاتبة على دراية بهذه البلدان والأماكن والأجواء التي تحيطها وهذا خدم القصه وخدم أحداثها.
‏…. وفي النهاية
‏ أحب أن أسجل شكري وتقديري للدكتورة شروق كمال الأديبة المتمكنة من اللغة المتمكنة من أدواتها في صياغة هذه الرواية المحكمة البناء دون ثغرات أو انتقاصات أو الدخول في أي تفاصيل أو أشياء حساسة بدون أي داع وكانت لها تعبيرات مميزة في وصف لحظات خاصة بين عروسين يصعب على أي كاتب أن يصفها بمثل ما وصفتها إياها دون أن تخدش الحياء وفي الوقت نفسه دون أن تخل بروعة التصوير والتخييل وتوصيل المعنى المراد بين الحروف وفي ثنايا السطور.

د. صبري زمزم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى