منال رضوان تكتب مقام الحنين

قبل أيام، سألني أستاذي وهو يبدي ملاحظة عن شاعرٍ عملاق:
“هل تحبين فيروز؟”
تلعثمتُ في الإجابة، سبق لساني بالإيجاب، مرّ الموقف عابرًا، ليعود أستاذي ويخبرني أن هذا الشاعر كتب لها كذا وكذا وكذا…
إجابتي الدائمة هي: نعم أحب فيروز، لكنّها إجابة يشوبها أغرب منطق صادفته، لم أجد لصياغتها تعريفًا أفضل من ذلك الذي قدّمه “فيسبوك” حين وضع في خانة اقتراحاته عبارة: “علاقة معقّدة”.
سنوات طويلة استمعتُ إليها، كنت صغيرة، أعانق الانطلاق والبهجة، إلى أن أعاقتني ظروف كالموت والمرض والخيانة..
آه، ظني أنني عشتُ حيوات كثيرة، وإن كنت لم أعش إحداها قط!
لم أعد أستشرف في صوتها غير الشجن، كنت أريد أن أنتفض، لكنني مكبّلة بقيد حريري يجعلني أخاف صوتها، هذه المرآة المسحورة التي تعكس ثبات المظهر وهشاشة الروح في آن!
دائمًا أردد: لم يعد قلبي يحتمل ذلك الشجن الفيروزي المؤرّق.. كيف أستمع إلى “جارة القمر”، والسماء كلها حولنا باتت تتأرجح بين المحاق المبتسر والمطر المعلّق؟!
مرّت السنوات، وظلت الأغنيات بمثابة رسائل مختومة بخاتم من حنين لم أشأ أن أفضّ بكارتها حتى توفّي زياد..
لم أعرف إلا أننا اكتشفنا حبنا لذلك الجرح الغائر النابض بالقلب الفيروزي، وقتها صار “عندي حنين”،
إلى تلك السنوات الأولى، والخطوات الأولى، وربما إلى المذياع الضخم في حجرة هادئة، جرة معتّقة في زاوية الشرفة، انتزاع جارتنا العجوز قطعة جبن منها قبل إحكام غلقها… أو هذا النقش البنفسجي لرداء جولييت على حواف الطبق المضمخ ببقعات من عصارة الجبن.
ما زال المشهد يحمل إليّ مفارقة عن جمال الأضداد..
أكواب الشاي الصغيرة، والكثيرة جدًا.
هي الذكريات التي تسربت إلى مسام الروح فأيقظتها، ربما أردت أن نتشارك ذكرى ما، حتى أخبرها أنني أحبها، تمكنني من عقد مصافحة جديدة بلا إلقاء للوم على مخاتلة الشجن المقيم.
عُدت إلى صوتها بأذنٍ جديدة؛ هذه المرّة تصالحنا، كأنّني استسلمت أخيرًا في آخر معارك حنيني الطفولي، لقد عقدت هدنة الاستماع الجديد عقب نقرات أصابعي على نغمات صوتها:
“أنا عندي حنين، ما بأعرف لمين!
#مقام_الحنين
#منال_رضوان
#أضغاث_صحوتي الجزء الثاني