أخبار عاجلةالرئيسيةساحة الإبداع

زياد الرحباني… صوت الصدق في زمن الضجيج بقلم علاء العلاف

كلّنا مع زياد، قلبًا وقالبًا. لسنا جمهورًا لفنّه فقط، بل شهودٌ على زمنٍ كامل صاغه بكلماته وموسيقاه ومواقفه. زياد الرحباني، ذاك الإنسان الذي اختار أن يكون على هامش الزيف وفي صميم الحقيقة، قريبًا من الإنسان الشريف والنفس التي لم تتلوث والقلوب التي ما زالت تؤمن أن للفنّ رسالة وللكلمة وزنًا وللموقف ثمنًا. زياد ليس مجرّد موسيقي أو مؤلّف أو كاتب مسرحي. هو حالة نادرة من الصدق الموجع والجرأة المحسوبة والحسّ الساخر الذي لا يخشى المواجهة. يشبهنا حين نغضب ونسخر ونحلم ونحزن وحين نقول الحقيقة دون لفّ أو دوران. لذلك هو قريب من كل إنسانٍ معتدل وصادق، يرى الأمور بميزان الحقّ لا ميزان المصالح. بيروت خشبة المسرح الكبرى وإذا كان الحديث عن زياد، فلا بدّ أن تكون بيروت حاضرة. فهي لم تكن يومًا مجرد مدينة بل خشبة المسرح الكبرى التي وقف عليها الفنانون العظماء ليقدّموا مشاعرهم وأحلامهم واحتجاجهم وانتصارهم للنّاس. في بيروت، صنع الفنانون مجدهم، ولكن زياد والرحابنة صنعوا مجد بيروت نفسها. هم لم يركبوا موجة الشهرة، بل بنوها حجراً حجراً ولحناً لحناً وصورةً صورة. بصوت فيروز وكلمات عاصي ومنصور وموسيقى زياد، أضاؤوا للمدينة وجهًا آخر جميلاً وعميقًا، رغم الألم والحروب والمآسي.
مجد الأصوات الخالدة
عندما نتحدّث عن بيروت، لا يمكن أن نتجاهل أولئك الذين غنّوا لها وجعلوها في ضمير الأغنية العربية. وديع الصافي، ذاك الجبل الأشم الذي كان صوته يختزن نكهة التبغ اللبناني وطهارة الينابيع. والشحرورة صباح ضحكة الشمس حين تشرق من فوق جبال لبنان وجنون الفرح الذي لا يخبو. وملحم بركات، المتمرّد العاشق والصارخ على المسرح كما لو أن الحياة كلها مسرح واحد لا يتكرّر. وفريد الأطرش القادم من جبل العرب، الذي صبّ أنغامه في قلب الشرق فصار موسيقار العاطفة. حتى المدن كانت أنغامًا، وأصفهان لم تكن مدينة فارسية فقط، بل أصبحت مقامًا موسيقيًا يلامس الروح ويختصر عبق الشرق وسحر الصوت العربي حين يُبحر في المقامات العالية. ذاكرة الكلمة… مجد الأدباء ولا يكتمل المشهد دون أولئك الذين كتبوا للحرف معنى وجعلوا من اللغة بيتًا نسكن فيه. جبران خليل جبران، الذي كتب بالوجع والحكمة والحنين، فصار نبيّ الأدب. الأخطل الصغير، الشاعر الأرستقراطي الذي لبس القصيدة كما يلبس المعطف في أمسية شتوية راقية. سعيد عقل، مفجّر اللغة، وناحتها كالرخام… جورج جرداق وأنسي الحاج، المتمرّد الأنيق الذي جعل الشعر حرًّا كالموج، عاريًا كالحقيقة. أسماء كثيرة، من رواد وفطاحل، كتبت مجد الكلمة اللبنانية والعربية. هم الذين صاغوا الوعي وأيقظوا الإحساس ورسموا للوجدان خريطة لا تموت.
لا ختام لهذا الجمال، فالحديث عن زياد الرحباني ليس عاطفة طارئة بل هو امتنان متراكم وعرفان طويل لفنانٍ قرر أن يسبح عكس التيار، وأن يبقى كما هو: صادقًا وشفافًا ومرًّا حين يجب وجميلًا حين يفيض الفنّ من أصابعه. هو ليس فقط ابن فيروز وعاصي بل ابن مدرسة الفنّ الأصيل والصوت الذي يُشبه شعبًا كاملاً والأمل في أن في هذا الشرق من ما زال يصنع الجمال ويقول: لا.

الأديب علاء العلاف ـ العراق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى