أخبار خارجية وشئون دوليةأخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

منذر كامل اللّالا يكتب غواية العتبات في رواية «شمس الضَّاحية»

أوَّل ما يستوقف القارئ قبل الولوج إلى عالم رواية «شمس الضَّاحية» للروائية صفاء الطحاينة، والصَّادرة حديثًا عن الآن ناشرون وموزِّعون، ثلاث عتبات مركزيَّة: العنوان، والغلاف، ثمَّ الإهداء، وهي عتبات لا تُمارس فعل الإبهار أو الإدهاش بقدر ما تعمل على إيقاظ حسِّ التَّأمُّل، وتفتح منذ البداية مساحة من التَّردُّد والأسئلة الوجوديَّة. فهذه المداخل النَّصِّيَّة توحي بأنَّ الرِّواية تنشغل بالإنسان في لحظاته الهشَّة، وبالعلاقة المعقَّدة بين الدَّاخل النَّفسيِّ والمكان، حيث تتشكَّل المعاناة بصمت، وتتكثَّف التَّجربة الإنسانيَّة بعيدًا عن التَّهويل أو المباشرة. ومن هنا، تبدو العتبات بوصفها مفاتيح قراءة أولى، تمهِّد لتلقِّي نصٍّ يفضِّل الكشف التَّدريجيَّ على الصَّدمة، ويمنح القارئ فرصة الإنصات لما يتخفَّى خلف السَّرد أكثر مما يطفو على سطحه.
من هنا نجد أنَّ العتبات الرَّئيسة للنَّصِّ متعدِّدة المشاهد ومتنوِّعة الأساليب ومحكمة الدَّلالات والتَّأويل وهي بحسب جيرار جينيت “تأمين لقراءة جيِّدة للنَّصِّ” وذلك إذا أحسن الكاتب اختيارها وتحديد مفاهيمها واستثمار كلِّ أبعادها في إضاءة وتوضيح ما يجري داخل النَّصِّ من أحداث.
في رواية “شمس الضَّاحية: أسرار القلوب رفاتها” تُعدُّ العتبات النَّصِّيَّة بمثابة “الميثاق القرائيِّ” الأوَّل الَّذي يبرمه النَّصُّ مع المتلقِّي/ وكما يرى النَّاقد جيرار جينيت، فإنَّ العتبات ليست مجرَّد ملحقات، بل هي “منطقة انتقال” وتفاوض تمنح النَّصَّ هويته وتوجه فعل القراءة.
تتجلَّى “غواية العتبات” في هذه الرِّواية من خلال عدَّة مستويات سيميائيَّة ودلاليَّة، يمكن تحليلها كالآتي:
العنوان: عتبة التَّضادِّ السِّيميائيِّ، يتألَّف العنوان من جزأين: الرَّئيسُ «شمس الضَّاحية» والفرعيُّ “أسرار القلوب رُفاتها” يغري العنوان القارئ بمزاوجة سيميائيَّة حادَّة بين “النُّور والظُّهور” الَّذي تمثِّله “الشَّمس”، وبين “الخفاء والموت” الكامن في “أسرار ورُفات”؛ فبينما توحي الشَّمس بالإشراق والدِّفء، يأتي العنوان الفرعيُّ لكسر هذا التَّوقُّع الجماليِّ، موحياً بأنَّ ما يتبقَّى من التَّجارب الإنسانيَّة ليس سوى بقايا صامتة، ويتعمَّق هذا التَّضادُّ بتخصيص المكان في “الضَّاحية”، ممَّا يضعنا أمام عتبة أنثروبولوجيَّة لافتة؛ فالضَّاحية في الوعي الاجتماعيِّ هي “الهامش” الَّذي يحاول محاكاة “المركز”، لكنَّه يغرق في برودته المعماريَّة وعزلته الرُّوحيَّة، وهنا تبرز “الغواية” في اقتران الشَّمس بالضَّاحية، كضوء انتقائيٍّ يكشف زيف الحداثة واغتراب الرَّاهن مقارنة بدفء الذَّاكرة الأصيلة في “عمَّان الشَّرقيَّة”. هذه الحيرة الدَّلاليَّة في اختيار العنوان لم تقف عند حدود الغلاف، بل تسلَّلت إلى وعي (الميتاسرد) داخل النَّصِّ، حين جادلت الشَّخصيَّات راويتها باحتجاج صريح: “ألم نتَّفق على «شمس الضَّاحية» كعنوان لها؟!”، لتردَّ الرَّاوية بوعي يفيض بالوجع والشَّكِّ: “لا… لا أظنُّه مناسباً ليحتوي كلَّ الأسرار الَّتي تواريها قلوبكم!
الغلاف والرَّمز البصريُّ: بوصفه استعارة للذَّات، يأتي الغلاف محمَّلًا بلغة بصريَّة رمزيَّة، قوامها ثلاثُ أشجار تتوسَّط فضاءً لونيًّا مضطربًا، الشَّجرة الوسطى، الأكثر التفافًا وتعقيدًا، تبدو كأنَّها نواة نفسيَّة أو قلب نابض، في حين تقف الشَّجرتان الأخريان على جانبيها بوصفهما امتدادين أو ظلّين لها، هذا التَّكوين لا يوحي بالثَّبات، بل بالحركة والالتفاف والانكسار، وكأنَّ الذَّات الرِّوائيَّة هنا غير مستقرَّة، تعيد تشكيل نفسها باستمرار.
الألوان المائلة إلى التُّرابيَّة والمائيَّة في آن، توحي بتداخل الحياة والتَّآكل، النُّمو والانحلال، وهو ما ينسجم مع الشَّطر الثَّاني من العنوان. فالغلاف لا يشرح النَّصَّ، بل يعمِّق غموضه، ويقترح قراءة تقوم على أنَّ الشَّخصيَّات – مثل الأشجار – جذورها واحدة، لكنَّها تتشظَّى في الاتِّجاهات والهيئات. كما يحتوي الغلاف (في الصَّفحات التَّمهيديَّة) على رمز “تخطيط نبض القلب” يتوسَّطه قلب صغير وهذا يمثِّل إغراء بصريًّا موجَّهًا للقارئ مباشرة؛ فالرِّواية ليست اجتماعيَّة جافة، بل هي رواية “قلب” واضطراب مشاعر وهشاشة متعدِّدة، وهو ما يتوافق مع بعض عناوين الفصول مثل: “وجع النَّايات” “ضبابيَّة المشاعر” “لجَّ بي الشَّوق” “العزلة وطن للأرواح المتعبة” وغيرها من العتبات الدَّالَّة الأخرى.
عتبة الإهداء: الاعتراف وتفكيك مركزية الشخصية، يشكّل الإهداء في «شمس الضَّاحية» إحدى أكثر العتبات كثافة وجرأة، إذ تضع الكاتبة اعترافاً يعمل كعتبة نفسية: “أعترف أنَّني أمثل كلَّ شخصية رئيسة في هذه الرواية… فأنا البطلة، وأنا العقل والروح، وأنا الحمق والجهل… أنا الحبّ والكراهية”، بهذا الإعلان، تُلغى الحدود التقليدية بين الكاتب والشخصيات، وتتحوّل الرواية إلى فضاء اعترافي تتوزّع فيه الذات الواحدة على أقنعة متعدِّدة، التعداد الثنائي الذي يقوم عليه الإهداء (الخير/الشرّ، العقل/القلب/الروح، الرزانة/الحمق، الحبّ/الكراهية) لا يعمل بوصفه مقابلات بلاغية فحسب، بل يؤسِّس لرؤية أنّ الإنسان كيان مركّب، لا يمكن اختزاله في بعد واحد أو حكم أخلاقي واحد، أما الإهداء للذات، فيحمل دلالة مزدوجة: فهو من جهة إقرار بثقل التجربة، ومن جهة أخرى مساءلة لفكرة الاستحقاق، وكأنّ النّص يعلن أنّ الكتابة هنا فعل مواجهة داخلية قبل أنْ تكون خطابًا موجّها للآخر. وهذا النوع من الإغراء يدفع القارئ إلى البحث عن “ذات الكاتبة” المتشظية بين سديم وجمانة وأدهم، ويحول فعل القراءة من ملاحقة أحداث إلى “تفكيك شخصيات” هي في الأصل وجوه لمبدع واحد. هذا الاستهلال يغري القارئ بالمشاركة في “لعبة الخلق الأدبي”؛ فالعتبة هنا ليست وصفية، بل هي درامية تشكك في سلطة المؤلِّف وتمنح الأبطال (سديم، أدهم، جمانة) حياة مستقلة منذ الصفحة الأولى.


عتبة الاقتباس: التصدير الفلسفي، وظَّفت الكاتبة مقولاتٍ لجلال الدين الرومي وجبران خليل جبران لتأطير عالم الرواية ووضعه في بوتقة لها امتداد تاريخي إنساني غير منفصل عن الواقع المعيش، فاستشهدت بمقولة جلال الدين الرومي: “ليس كلّ ما في القلب قابل للبوح… هناك ما يولد ويموت، ولا يفصح عنه” وهذه العتبة تضع القارئ في حالة من “التوق” لاكتشاف المسكوت عنه، وهي أقرب إلى إغراء بالسرّ، فالرواية تعد المتلقّي بالولوج إلى تلك المنطقة المحرّمة التي “تموت ولا يُفصح عنها “.

عناوين الفصول: عتبات الترميم والوجع، لا تقتصر العتبات النصية في رواية «شمس الضَّاحية» على العنوان والغلاف والإهداء، بل تمتدّ إلى عناوين الفصول بوصفها عتبات صغرى تمارس فعل الإغراء الهادئ، وتستدرج القارئ إلى عمق التجربة السردية قبل الدخول في تفاصيلها. فاستحضار آيات قرآنية مثل قوله تعالى: «فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ»، إلى جانب عناوين مجازيَّة من قبيل: «يتشظَّى قلبها حبًّا»، و«أوَّل الغيث قطرة»، و«لكلِّ فنجان قصَّة يرويها»، و«جذور اليأس»، يصنع شبكة دلاليَّة مشحونة بالتَّأمُّل والتَّشاركيَّة، تعمل هذه العناوين كـ«قطع فسيفساء» متجاورة، لا تكتمل دلالتها منفردة، لكنها مجتمعة تُغري القارئ بالبحث عمّا يتخفّى خلف السرد، وتمنح الرواية إيقاعها الداخلي القائم على التدرّج، وترسيخ الوجع بوصفه مسارًا إنسانيًا يُروى بهدوء لا بضجيج.
ختاماً، استطاعت صفاء الطحاينة، عبر “غواية العتبات”، أن تجعل من «شمس الضَّاحية» نصّاً “مستيقظاً” يواجه القارئ منذ عتبة الغلاف، محوّلةً الأسرار من مجرَّد “رفات” صامت إلى حكاية تنبض بالحياة عبر تآزر الكلمة واللون؛ فهي ليست مجرَّد رواية تمر عبرها الشخصيات، بل هي “هندسة معمارية من العتبات”؛ حيث كلّ باب يفضي إلى سرداب من الحكايات، وكلّ نافذة تطلّ على هاوية من الأسئلة الوجودية، لقد برعت الكاتبة في تشييد جسور ضوئية تعبر بالمتلقِّي في رحلة سردية متصاعدة، تمتد من “عتمة” الوجع الموعودة في الاقتباسات إلى “شمس” الحقيقة المعلنة في العنوان، لتؤكِّد في الختام أنّ الكتابة الحقيقية هي تلك التي تبدأ من حيث تنتهي الكلمات، لتتوهّج في تلك المنطقة الرمادية العميقة التي تسكن الروح وتسمى: ” القلب “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى