تبارك الياسين تكتب طبيبتي النفسية

طبيبتي النفسية كانت في حالةٍ رثّة اليوم،
رائحتها تشبه بقايا أحلامٍ فاسدة تُركت في غرفةٍ مغلقة منذ سنوات.
شعرها مبعثر كحقلٍ بعد عاصفة، وثوبها الأبيض لم يعد أبيض سوى بالذاكرة.
جلست على كرسيها الجلدي المهترئ، وضربت بأطراف قلمها الطاولة الخشبية كما لو أنها تُجري فحصًا لمستوى الحياة في الغرفة.
نظرت إليّ نظرةً مشوشة، لا أعرف إن كانت تودّ أن تشخّص حالتي أم حالتها.
قالت:
“هل ما زلتَ ترى الكوابيس نفسها؟
قلت:
– أحيانًا، لكنها أقلّ وحشية.
تنهدت، وقالت وهي تفرك جبينها بأصابعها الملطخة بحبرٍ أزرق:
“على الأقل أنت تتحسن، أما أنا فأسير باتجاهٍ معاكس تمامًا.”
لم أعرف ما أقول، لكنها لم تحتج لردي؛ بدأت تسرد حياتها كما لو كانت مريضة لديها موعد طارئ مع طبيبٍ وهميّ.
زوجها – كما أخبرتني – أدمن البروزاك حتى بات يبتلع أقراصه كما يبتلع الكلمات التي لا يملك شجاعة قولها.
أفنى نصف عمره في ملاحقة مرضاها، يظن أن النساء المكسورات يمكن أن يُصلحنه، لكنه لم يدرك أن الكسور تتناسل عندما تلتقي ببعضها.
والآن – بعد أن داهمه التهاب البروستات – صار يقضي يومه بين الحمّام وكرسي التلفاز، يلعن صمته، ويقلب القنوات بحثًا عن نشرات طبية تشبهه.
ابنتها الشابة تزوجت سرًّا من فتى توصيل الطلبات،
قالت لي وهي تضحك بمرارة:
“رسم لها قلب حب من السجق المقطع على وجه البيتزا، ظنّت أنه القدر!
ثم سكتت قليلًا، أخرجت من درجها علبة سجائري التي نسيتها في الجلسة الماضية، فتحتها، وأشعلت واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة.
وفي النهاية، التهمت العلبة بأكملها كما لو كانت حبوب مهدئة.
قالت وهي تنفث الدخان في سقف الغرفة:
“انظر إليّ… أنا طبيبة نفسية لا تعرف كيف تهدئ نفسها، أليست هذه مأساة القرن؟
ضحكتُ بخفةٍ متوترة.
لم تضحك
تابعت بصوتٍ مبحوح:
“وابني الأحمق، ذلك العبقري الذي هاجر قبل عشر سنوات ليبحث عن علاجٍ لكلبه المريض، لم يعد حتى الآن. الكلب مات منذ عقد، لكنه ما زال يبعث لي رسائل عن الأمل!
ثم نظرت إليّ فجأة وقالت:
“أتعلم ما الذي يدهشني؟ نحن لا نُشفى أبدًا، نحن فقط نتعلم كيف نرتب الجنون بطريقةٍ أنيقة.”
أردت أن أقول شيئًا، أي شيء، لكن لساني كان ثقيلاً.
هي التي كانت تمنحني النصائح بدأت تطلبها منّي.
في النهاية قالت وهي تُطفئ آخر سيجارةٍ بشيءٍ من الحزن:
“نصيحتي لك اليوم: أقلع عن التدخين… وأغلق الباب خلفك بهدوء”
خرجت.
كان الممرّ طويلاً وصامتًا، كأن المستشفى نائمٌ منذ زمن.
في طريق عودتي إلى البيت، فكّرت بكل شيءٍ قالتْه،
ثم توقفت فجأة أمام واجهة صيدلية،
تأملت الأدوية المرتبة في الرفوف الزجاجية ،أسماء كثيرة لأوجاعٍ واحدة.
تساءلت بصوتٍ خافتٍ كأنني أختبر صدى ضميري:
”هل سأكون مسؤولًا عن انتحار طبيبتي النفسية؟
في اليوم التالي، ذهبت إلى موعدي المعتاد،
فوجدت الباب مغلقًا بشريطٍ أصفر مكتوب عليه: “تحت التحقيق”
اقتربت أكثر،
فرأيت انعكاسي على الزجاج.
كنت أرتدي معطفها الأبيض.
وفي جيبي، علبة بروزاك نصف فارغة.
وصوتها يلاحقني
“أغلق الباب خلفك بهدوء.”






