أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

محمد رضوان يكتب الإمام الغزالي: حجة الإسلام ومرتحل الروح في فضاء اليقين

في تاريخ الفكر الإنساني، نادراً ما نجد شخصية استطاعت أن تجمع بين ذروة المجد العقلي والسيادة العلمية، وبين رهافة الزهد والانقطاع التام لطلب الحقيقة كما فعل أبو حامد الغزالي. إن قصة الغزالي ليست مجرد سيرة عالم، بل هي ملحمة لروح أبت أن تستقر على شاطئ التقليد، فقررت خوض عباب الشك لتصل إلى مرفأ اليقين. كان الغزالي في بغداد ملء السمع والبصر، يُشدّ إليه الرحال من كل حدب وصوب، ويجلس في حلقته المئات من طلاب العلم وكبار الفقهاء، لكن هذا البريق الخارجي لم يكن ليطفئ الظمأ الداخلي لروح كانت تشعر بالاغتراب وسط ضجيج الألقاب وصخب المناصب.

في لحظة فارقة من لحظات التحول الإنساني، قرر الغزالي أن يترك خلفه كل تلك الوجاهة، ليس زبداً في العلم، بل طلباً لجوهر أسمى لا يُدرك بجدل الألسنة، بل بصفاء القلوب. اعتزل الدنيا ورحل في رحلة صوفية استغرقت سنوات، تنقل فيها بين مكة والقدس ودمشق، مختلياً بنفسه في مآذن المساجد، يرمم دواخله ويعيد صياغة مفهومه للوجود. في هذه العزلة، وُلد الغزالي الجديد؛ الصوفي الذي أدرك أن المعرفة الحقيقية هي “نور يقذفه الله في الصدر”، وأن الطريق إلى الخالق لا يمر عبر تعقيدات المنطق بقدر ما يمر عبر تطهير النفس من الكبر والرياء.

عاد الغزالي إلى العالم من جديد، ولكن ليس كفقيه مدرسي فحسب، بل كطبيب للقلوب، فكتب رائعة “إحياء علوم الدين”، ذاك السفر الذي أعاد صياغة الروحانية الإسلامية في قالب يجمع بين انضباط الشريعة وحرارة التجربة الذاتية. لقد قدم الغزالي نموذجاً للسالك الذي لا يكتفي بالظاهر، بل يبحث عن “كيمياء السعادة” في طيات النفس البشرية، معتبراً أن أعظم انتصار للإنسان هو انتصاره على أهوائه، وأن أجمل ما في العقل هو قدرته على إدراك حدوده أمام جلال الألوهية.

لقد ظل الغزالي، وما زال، منارة تضيء للمتعبين في دروب الفكر سبل الخلاص، فكلماته لم تكن مجرد حبر على ورق، بل كانت نبضات قلب وجد السكينة بعد اضطراب، واليقين بعد حيرة. إنه المعمار الذي لم يكتفِ ببناء الجمل والعبارات، بل بنى مناراً يهدي السائرين إلى حضرة المحبوب، مؤكداً أن التصوف ليس انزواءً عن الحياة، بل هو غوص في أعماقها لاستخراج لآلئ المعنى والسمو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى