غابت عن الوعي قصة قصيرة لجمال أبو القديم

قالت وهي تصرخ بعد أن رأته
واقفًا بجوار سريرها في المستشفى:
ـ لماذا أنت هنا؟
أغرب عن وجهي.
هيا، اذهب بعيدًا واتركني لموتي… أخرجوه من هنا، أخرجوه أرجوكم، أنا لا أريد أن أراه، هيا ابتعد، أنا لا أحبك، لا أحبك، ابتعد عني أرجوك… ابتعد.
وظلت تبكي بمرارة وحرقة،
والكل أمامها صامتون:
الطبيب والممرضات… وهو.
فأشار له الطبيب بأن يغادر،
فعاد بظهره إلى الوراء وهو يبكي حتى خرج من الغرفة!
وما إن توارى عن وجهها،
مدّت يدها نحوه، وحاولت أن تقوم لتمسك بيده لكي لا يغادر!
فلحق به الطبيب وقال له وهو يربت على كتفه:
ـ لا تغادر، وانتظرني حتى أعود إليك… أنت شفاؤها.
ثم عاد الطبيب إليها، وأعطاها حقنة مهدئة، وما إن غابت عن الوعي،
خرج من الغرفة،
وقال له:
ـ هل أنت زوجها؟
ـ لا.
ـ خطيبها؟
ـ لا.
ـ إذًا من تكون حتى تنهار أمامك بهذا الشكل المرعب؟!
ـ أنا هي… وهي أنا!
روح واحدة، وقلب واحد، في جسدين!
هي أنا يا دكتور… هي أنا!
روحي وقلبي وعقلي وكلامي وصوتي وتفاصيلي، هي أنا يا دكتور… هي أنا!
وبدونها أنا ميت، ولابد أن أموت لكي تعيش!
من فضلك يا دكتور، أتوسل إليك… لا تتركها تموت.
ـ ما دمت تحبها وتحبك، فلماذا البعد؟ ولماذا الموت؟
ـ لها حياتها، ولي حياتي.
لها زوجٌ وأولادٌ وبيتٌ مستقر وهادئ… لها حياتها يا دكتور،
ولي أنا أيضًا حياتي.
والموت أهون من أن أهدم أو أخون… لن أخون يا دكتور… لن أخون.
ـ إذًا لماذا من البداية اقتربت؟
لماذا فعلت ما لا يجب فعله؟!
فقال بعد أن تنهد في حزن:
ـ لم أفعل، ولم تفعل… لكنها الأقدار يا دكتور،
التي لا نستطيع أن نقول لها: لماذا!
فعلتها الأقدار، ودبّرت كل شيء يا دكتور!
ثم قال وهو يمسح دموعه:
ـ هل تسمح لي بنظرة أخيرة قبل أن أغادر؟
فربت على يده وقال بعد أن تنهد بعمق:
ـ هي نائمة الآن، ولكن تفضّل. وغدًا أريد أن أراك، لربما يتغير في الأمر شيء.
ـ لن تراني يا دكتور… لن تراني.
وفيما هو يتأهب لدخول الغرفة ليراها، حضر زوجها،
ووقف يسأل الطبيب عن حالتها،
فغادر بخطوات ثقيلة دون أن يراها.
وفور خروجه من المستشفى،
توقف قلبه وسقط ميتًا،
وفي عين اللحظة التي كانت نائمة على سريرها في الغرفة، وزوجها يقف أمامها، والطبيب يمسك يدها ليعرف حالة النبض،
كانت تضع رأسها فوق صدر حبيبها خارج المستشفى وهي تبكي!





