أخبار عاجلةأراء حرةالرئيسية

د.محمد فتحى عبد العال يكتب من أحداث رمضان رمضان ١٩٤٩ م

 

 

بينما نتفق جميعا أن صيام رمضان فريضة وعبادة ومدرسة لها أبرز الأثر في حياتنا من حيث تدريب النفس على الصبر وتعميق الإحساس بالفقراء علاوة على دور الصيام في النهوض بالصحة والعودة إلى الله ..

مع ذلك قد نجد بعض الأدباء وبعض من تصدوا لقرض الشعر بألوانه قد يكون الصيام بالنسبة لهم حملا ثقيلا وقد يضطرون إليه على مضض مثل “أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، المولود في راوند من نواحي أصبهان” والذي روي أنه صام مضطرا ليستعيد رشاقته بعد سمنة أصابته وكانت مثار عتب إحدى رفيقاته فكان شجاعا إلى حد الوقاحة في البوح بأن الصيام لوجه محبوبته وليس لوجه الله فيقول :

“وقائلة وقد جلست جواري

 

سمنت وكنت قبلئذ نحيفا

 

وراءك في غد شهر ثقيل

 

فصمه لكي تكون فتى نحيفا

 

لوجهك لا لوجه الله صومي

 

ولو أني لقيت به الحتوفا”..

ومنهم من ينتظر العيد بشغف إذ ضاق ذرعا بصيام الشهر الفضيل ومن ذلك قول بشار بن برد :

“قُل لِشَهرِ الصِيامِ أَنحَلتَ جِسمي

إِنَّ ميقاتَنا طُلوعُ الهِلالِ

اِجهَدِ الآنَ كُلَّ جَهدِكَ فينا

سَتَرى ما يَكونُ في شَوّالِ”

“الكل يغني على ليلاه “كما يقول المثل فالناس ليسوا سواسية في اختيار الدرب وليسوا بحريصين جميعا على بلوغ المنتهي بنجاح ألا وهو صوم مقبول في شهر فضيل نزل فيه القرآن الكريم وفيه ليلة خير من ألف شهر يستجاب فيها الدعاء..

د. محمد فتحي عبد العال
د. محمد فتحي عبد العال

مهما تبدلت الأزمنة تبقى طبائع البشر المتفاوتة واحدة وفي حلقتنا سنحط رحالنا في العصر الحديث وتحديدا عام ١٩٤٩ م لنرى شكل الحياة في رمضان وطريقة تفكير الناس و قضاياهم من رأس الهرم وحتى قاعدته ومن حياة الهاي لايف حتى العوام ..

ونبدأ رحلتنا ووجهتنا أرشيف الصحافة المصرية كما تعودنا كل عام ونحط رحالنا بأرشيف مجلة “آخر ساعة ” في يوليو 1949م ونتوقف عند محطة الجمال وتحت عنوان ” القاهرة تختار ملكة المايوه ” حيث ذهبت عدسة المجلة إلى حمام” الاوبرج “لاستطلاع النبأ العاجل والهام في شهر كهذا؟!.. ألم أقل لك “كل يغني على ليلاه”.. وكان “الاوبرج” قد ابتكر طريقة جديدة مشابهة لسباق الخيل وهي الرهان على المتسابقات مما تطلب الوقوف بالطبع على آراء الحاضرين وترصد المجلة رضا الجمهور عن “المايوه البيكيني” ورفضهم المايوهات الكاملة والمطالبة بإخراج صاحبتهن ومع ذلك فاللافت أن الحائزة على المركز الثاني كانت ترتدي “مايوه من قطعة واحدة ” وهي” المانكان جابى هرارى” فيما فازت المتسابقة رقم 11 بالجائزة الأولى وهي إنجليزية تعمل بالسفارة البريطانية وتدعى “مس مورين فلمنج”.

ومن الجمال والأناقة إلى عالم الجريمة وفي مربع احتل مساحة أفقية بارزة يحمل صورة وأعلاها جاء التنبيه ” احترس من هذا الرجل ” وتسوق المجلة التفاصيل من أن الصورة لأحد المحتالين ويدعى ” رزق سليم ” وهو من عائلة كبيرة وله شقيقان أحدهما ضابط بوليس” انتحر مؤخرا ” والآخر طبيب.. ورغم هذا الوسط المرموق لأشقائه إلا أن صاحبنا اختار “النصب” هواية وتحديدا على الأجانب و”بنات الذوات” وتقص المجلة علينا كيف انتحل صفة نائب رئيس وزراء مصر ؟!!وكاد يحتال على شخصية أمريكية كبيرة كما كان يمتلك أسلوبا لبقا استطاع به أن يحتال على إحدى “بنات الذوات” ويأخذ من حقيبة يدها مائة جنيه في “بولمان” الطريق الصحراوي بين الإسكندرية ومصر ( يقصد القاهرة وكان يغلب عليها مسماها القديم محافظة مصر)..

لن تجد في أرشيف الصحافة المصرية قبل عام ١٩٥٢ م عددا من “آخر ساعة” دون تندر وغمز ولمز على الوزراء قديمهم ومعاصرهم وسط مداعبات ومشاغبات اشتهرت بها هذه المجلة يقبلها الساسة في أناة وحكمة ومن أمثلتها في هذا العدد الرمضاني وتحت عنوان ” مثل الوزير ” تزعم المجلة أن “على أيوب بك ” وزير المعارف قد كتب معلقا على تقرير رفع إليه بمعاقبة طالب يغش في الامتحان بالقول ” لا تعاقبوه أسوة بالوزير.. إن في مجلس الوزراء وزيرا ينسى أوراقه دائما ويغش من أوراقي ” قاصدا زميله الأستاذ “عبد الحميد عبد الحق” وزير التموين والمشهور عنه النسيان المتكرر بما في ذلك “نسيان جدول أعمال مجلس الوزراء”..

كما تداعب المجلة ” على باشا ماهر ” فتستدعي ذكر ابنه الوحيد “محمد” الذي أحرز المركز الأول مؤخرا في امتحان “الملحقين السياسيين الجدد” مشيرة إلى شدة ارتباط وحب أبيه له وخوفه عليه إلى الحد أنه لو أصابه “دور برد طارىء ” أو “إنفلونزا “جلس الأب إلى جواره باكيا أو انتفض ثائرا واستدعى عشرة أطباء على الأقل.

ولأن عصب الاقتصاد المصري السياحة وضرورة تنشيطها فتزف لنا المجلة خبرا طريفا أن سبع تصميمات لكأس السياحة من بين تصميمات لمائتا فنان” متسابق “قد وقع عليها الاختيار من جانب لجنة التصفية وأن السبعة على مكتب “المليك” لاختيار إحداها ضمن برنامج تنشيط السياحة إلى مصر.. وكان الملك فؤاد قد تبرع بالكأس الذهبية للسياحة الدولية ويقدر ثمنها بخمسة عشر ألف جنيه قبل الحرب العالمية الثانية وهي من أجمل كؤوس العالم..

يا ترى ما هي أكثر اللحوم حضورا على المائدة المصرية في رمضان؟!!.. أكاد أجزم يا عزيزي القارىء أن جوابك سيكون الدواجن وهو كذلك ..لكن المجلة تصدمنا بأن خسائر مصر من الدواجن والمقدرة سنويا بأربعين مليون جنيه بسبب الأمراض فمثلا إنتاج الكتاكيت في مصر 120 مليون سنويا ينتهي إلى 15 مليون فقط والباقي يلقى حتفه بأمراض شتى.. وتطرح المجلة جملة من الحلول المطروحة على الساحة أبرزها انتخاب السلالات الأجنبية حيث أن تكلفة إنتاج الدواجن البلدية ضعف ما تتكلفه الدواجن الأجنبية وقد بلغ معدل نموها ثلاثة أضعاف البلدية وأن السبب في عدم انتشار الدواجن الأجنبية في الريف المصري- والفلاح معني بالمكسب – هو عدم معرفة طرق تربيتها والعناية بها والمحافظة عليها عبر توفير الغذاء الجيد والمسكن النظيف والرعاية الفنية في الإنتاج..

وتنتخب المجلة -بحسب المختصين -نوع ” ليجهورن ” الإيطالي الأشهر عالميا حيث تضع الدجاجة الواحدة منه ٢٥٠ بيضة في العام في الوقت الذي لا يزيد فيه إنتاج نظيرتها المصرية المسكينة عن ٧٠ بأي حال ..خالصة من ذلك كله إلى أن كل شخص في مصر” يأكل ثلثي دجاجة في السنة ” وهو العنوان الذي اختارته المجلة دون أن تشرح لقارئها كيف توصلت إلى هذه الحسبة؟!

القضايا الاجتماعية كانت لها مساحة مفردة في مجلات زمان الرمضانية ونتوقف في العدد الذي أشرنا إليه آنفا عند باب ” قلوب في البريد ” ونختار منه مثالين… أما الأول فشكوى في أب ” طاغية مستبد” كتبها “حائر” من “الصف – الجيزة ” فالأب يريد تزويجه وهو في المرحلة الثانوية من إحدى قريباته على غير رغبته مؤثرا الموت على ربط حياته بحياتها ..وهنا تنطلق المجلة لتمارس دورها في النصح والتوجيه المجتمعي فتطالب الابن الشاكي بالتحلى بدماثة الأخلاق واللجوء إلى الأم أو أي شخص ذكي قريب الصلة من الأب للسعي لإقناعه وإثنائه عن عزمه ..

وننطلق من هذا إلى قصة أخرى لكن هذه المرة مع شاب عشريني يحب امرأة متزوجة لديها ثلاثة أولاد ويسعى للتفرقة بينها وبين زوجها ليفوز بالقرب منها والاقتران بها وهنا تنصحه المجلة بالكف عن هذا المسعى والتوقف عن هذا السبيل فلن يجلب عليه سوى التعاسة والندم والشعور بالعار وأن المرأة التي تضحي بزوجها وأبنائها في سبيل رجل آخر هي امرأة غير مأمونة الجانب لا يمكن الركون إليها والثقة بأخلاقها ..قد نختلف ونتفق حول هذه الردود من زوايا عدة إلا أن هذه الأبواب الصحفية كانت شديدة التأثير في أزمنتها ولها متابعون كثر ..

ترى ما هي تمنيات رجال الصحافة والسياسة في ليلة القدر ؟!

وللسعى لإجابة ذلك بين دروب أرشيف الصحافة المصرية ننطلق للعدد التالي من آخر ساعة وقبل يومين من ليلة القدر واستعراض لذكريات وأمنيات رئيس تحرير المجلة وقتئذ “علي أمين” والتي مرت بأطوار مرحلية عدة قرينة بتقلبات العمر ففي المرحلة الأولى من عمره كان يحلم بامتلاك مصانع شيكولاته “نسلة ” وأكل منتجاتها مجانا وفي السادسة من عمره أصبح حلمه “جفاف أنابيب شركة المياة ” لمدة شهر ليرتاح من الاستحمام المسائي اليومي ..

الحلم الثالث أن يكون “كابتن كرة قدم في مدرسة المنيرة الابتدائية وأن يحرز ستة أهداف في مرمى مدرسة محمد علي الابتدائية” ثم تطورت الأحلام مع سنوات المراهقة إلى “حورية في السادسة عشرة من عمرها ثم فتاة في العشرين” ثم تحولت الأحلام إلى صورة أكثر عملية مع الانطلاقة المهنية في حياته لتصبح التحول من مطبعة “تدار باليد إلى مطبعة تطبع مائة ألف نسخة في الساعة الواحدة” وقد اكتشف أن أحلامه يشاركه فيها كثيرون ..

هذه أماني الصحافة في ليلة القدر فأين الساسة وأحلام السياسة في الشهر الفضيل ؟! هنا نعود للوراء قليلا وتحديدا إلى رمضان 1938م وأرشيف مجلة “الاثنين” وأمنية رفعة مصطفى النحاس باشا وكان على فراش المرض حيث تركز تضرعه في ليلة القدر على ” عودة الحياة النيابية الصحيحة وأن تكون الأمة مصدر السلطات حقا ” أما الدكتور أحمد ماهر ( رئيس وزراء مصر السابق) فكانت أمنيته الوحيدة في ليلة القدر بحسب المجلة أن ” تتبوأ مصر المركز اللائق بها بين سائر الأمم كدولة تسعى إلى حفظ السلام العالمي والوئام بين مختلف الدول ” .أما حلمي عيسى باشا ( وزير المعارف السابق والذي غلب على وصفه وزير التقاليد ) فأمنيته لأبناء أمته أن “يهدى الله قادتها إلى سبيل الرشاد والقضاء على الحزازات والخلافات الحزبية التي تقطع أوصال الأمة وتعطل سير رقيها “متمنيا دورا للشبيبة المتعلمة في المستقبل لتحمل المسئوليات المختلفة وتحقيق مجد الوطن عبر “تحقيق المشروعات النافعة واستكمالها “مهما “تغيرت الحكومات أو الهيئات النيابية ” ..

ومن عالم الإنسان إلى عالم الحيوان في الشهر الفضيل ونعود للعدد السابق من “آخر ساعة ” في يوليو 1949م وقرار الدكتور “إبراهيم حماد” الطبيب المشرف على قسم النسانيس بحديقة الحيوان بالإفراج عن النسناس “مغربي” المتهم بقتل زوجته “زوزو ” قبل ثلاثة أشهر وقد أمضى ستة أشهر قبلها عقوبة لقتله زوجة أخرى سابقة عليها ..مشكلة “مغربي ” غيرته الشديدة على زوجاته وعدم تحمله عصيانهن لقيوده لهذا فبعد الإفراج الأخير عن النسناس قاتل الزوجات ارتأت الحديقة وضعه تحت الرقابة للوقوف على قرار بشأنه إن “كان سيقضى بقية حياته وحيدا” دون زوجة جديدة أم سيسمح له بواحدة مع خضوعه لرقابة دائمة ..

نأتي إلى مساحة أخرى في الشهر الفضيل من نفس العدد وأخبار أميرات الأسرة المالكة ومنها الأميرة “عفت حسن ” والتي غادرت مصر -اتقاء لحرها وقبل تماثلها للشفاء من حالة صحية ألمت بها – لتحل ضيفة في قصر الأمير محمد علي في “استامبول ” وتشير المجلة إلى ولعها بجمع تحف قصور السلاطين من آل عثمان مما دفعها لبذل مبلغ كبير (أكثر من ألف جنيه ) لشراء “فاز” ثمين من أحد التجار ..وفي إحدى الحفلات وبينما أحد الخدم ( المعارين من خارج دائرة خدمها المقربين ) يطوف ببعض الطعام فإذا به يصطدم بالفاز الذي سقط وتناثرت اشلائه وانفطر قلب الأميرة حزنا وكمدا على ما أنفقت ..

أين أهل الفن من رحلتنا ..الظاهر أن شهر رمضان 1949م كان نبوءة وفأل سعد لأم كلثوم والتي أقام لها النادي المصري في لندن حفلا كان الحضور به قويا وكانت إطلالة أم كلثوم متميزة كعادتها بخفة ظلها ونكاتها القريبة للقلب مما استدعى نبوءة عبد الفتاح باشا عمرو ( آخر سفير للمملكة المصرية لدى المملكة المتحدة في الحقبة الملكية ومهندس عملية عزل السفير مايلز لامبسون ) لها بأن عمرها الفني الأبدي أطول من أعمار الساسة وصناع القرار إذ قال لها : ” نحن مهما عظمنا ومهما وصلنا إلى أعلى الدرجات فسوف نموت وسوف ينسانا الناس أما أنت فلا يوجد في مصر من يستطيع أن ينساك وسيظل اسمك يردده التاريخ دائما “..

نأتي الآن إلى المحطة المعتادة من تاريخ الأسرة العلوية في رمضان وهي الموائد الرمضانية المعدة لطوائف الشعب وننتقل إلى أرشيف مجلة “المصور” 1949م ودعوة لستمائة عامل على مائدة “المليك” في قصر رأس التين ( قائمة الطعام : فطائر بالجبن – بيض بالبسطرمة – حلى بالفرن – بطاطس- سلاطة متنوعة- باذنجان مسقعة- أرز بالشعرية – كنافة باللوز – فواكه )..وبحسب المجلة فقد اصطحب المدعون معهم ” أناسا غير مدعوين وغير عمال ” ولما سئلوا عن ذلك قالوا أنهم ” لن يدخلوا معهم ولكنهم أحضروهم ليتأكدوا أنهم مدعوون عند الملك ” (طبعا قمة المبالغة في صياغة الخبر من قبل المجلة )…كما أطلقت نساء العمال الزغاريد فرحا بالفرصة السعيدة التي أتيحت لرجالهن وقد احتل رؤساء العمال المائدة الرئيسية ومعهم “رجل مسن ظل يدعو للفاروق والدموع في عينيه “كما قدمت المطبعة الأميرية “هدية جميلة” لممثلي العمال وهي صورة الملك وقد خرجوا بها متهللين..

وعلى صعيد المآدب الملكية لكبار الزوار كان استقبال الملك فاروق ببدلة أمير البحار بقصر المنتزة بالإسكندرية لبعثة الشرف السورية الموفدة من “حسني الزعيم” رئيس الجمهورية السورية والتي تألفت من دولة “السيد محسن البرازي” رئيس الوزراء والسيد نذير قنصه السكرتير الخاص لرئيس الجمهورية ومع البعثة هدية كبيرة من الفواكه الممتازة من بينها “أربعة أنواع من المشمش النادر” وكان من المعروف عن “فاروق” حبه لمربى المشمش وتم دعوة البعثة لتناول الإفطار على المائدة الملكية ليلة الخميس ١١ رمضان كما أنعم عليهم الملك بأوسمة رفيعة من بينها الوشاح الأكبر من نيشان إسماعيل لرئيس البعثة .كما أقام دولة “إبراهيم باشا عبد الهادي” رئيس الوزراء مائدة إفطار للبعثة السورية في نادي اليخت الملكي وكان الطعام شرقيا بحسب” آخر ساعة”: “أكواب قمر الدين والفول المدمس ” وفي أثناء تناولهم الإفطار حصل موقف طريف تنقله المجلة من” انفجار لمبة الماغنسيوم لاحد المصورين وانطلق منها صوت فضحك رئيس الوزراء وسأله ايه الحكاية ؟!”

 

ومن الموائد الملكية إلى الموائد العسكرية على صفحات مجلة” المصور” مجددا حيث ينقل لنا مندوبها “طعام الإفطار على الطريقة العسكرية في معسكر مصطفى باشا ” مع ضباط الجيش وجنوده والتي تعد بواسطتهم حيث ” أطباق الكوسة والفاصوليا والأرز واللحم وأكواب قمر الدين ” وهم لا يفطرون بحسب المجلة على طلقة مدفع الإفطار بل على صوت “البروجى” ويجلسون على الموائد بطريقة نظامية و”يرفعون أكواب قمر الدين في حركة موحدة ثم اللحم فالخضر فالأرز فالبطيخ بنظام لا يجوز أن يتقدم فيه نوع على آخر ” وبعد الأفطار يصلون صلاة الجماعة ويسمعون القرآن وفي الليل يقضون سهرة ممتعة “يمثلون ويلقون المونولوجات ويلعبون الطاولة ” ومراعاة لعدم نوم الجنود مبكرا واستيقاظهم بعد منتصف الليل لتناول السحور فقد كان طابور الصباح يبدأ الساعة التاسعة صباحا على غير المعتاد (في غير رمضان) حيث يبدأ في المعتاد في منتصف الثامنة ..

 

ومن ذكريات ضباط الجيش المصري في رمضان أثناء حرب فلسطين- قبل عام- تنقل لنا “المصور” جانبا منها.. فنجد حديث الصاغ “أحمد قدرى” عن إصرار الجنود في “غزة” على الصيام على الرغم من فتوى مفتى الديار المصرية من إباحة الإفطار للجنود في الميدان وحينما سقطت قنبلة حارقة بين مخازن المعسكر وانفجرت وكان لطف الله أن تسقط على مضخة حريق فأطفأت مادة الإطفاء القنبلة فاعتبر الجنود ذلك من بركة الصيام والحال ذاته كان مع اليوزباشي “عبد اللطيف القاضي” الذي كان يعمل في ورشة الصيانة في “غزة “أيضا.. فمع انقضاء رمضان وفي اليوم الخامس من شوال ألقيت عليهم قنابل من طيارة يهودية ونسفت إحداها غرفته في اللحظة التي غادرها وأخرى سقطت على بعد ٥٠ مترا من مطعم الجنود “وكان غاصا بهم ” ومع ذلك لم يصب أحد منهم بسوء فردوا النجاة إلى صومهم رمضان .. فيما تحدث اليوزباشي “السيد جابر” عن مهاجمة “مستعمرة بيرون اسحق اليهودية” والتي استغرقت ثمانية أيام “أبى فيها الجنود والضباط أن يفطروا” وقد أسفرت المعركة عن استشهاد اليوزباشي “نصر هندي “الذي تقدم القوات المهاجمة..

حقا إن رمضان عام 1949 م لم يكن شهر للعبادة فحسب ، بل كان مرآة شاملة لمجتمع ينبض بالحياة ، لوحة فسيفسائية مكتملة الأركان فيها الطرافة والتندر على الساسة ، فيها الاحتفاء بالجمال ، وبين هذا وذاك لم ينس أحد احترام وتقديس بطولات من قدموا أنفسهم فداء لقضايا وطنهم وأمتهم ، في خلطة مصرية فريدة ومدهشة بين التقليد والحداثة واحترام الواجب من المحال تكرارها .
د.محمد فتحى عبد العال
كاتب وباحث وروائي مصري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى