مرفت حسين تكتب استخلاص المفارقات الفلسفية في قصة ” على أمل أن ” للكاتب محمود حمدون

على أمل أن” قصة للكاتب محمود حمدون، فتحت آفاقاً مختلفة لنظرة مغايرة للحياة والموت والأمل. تلك المفاهيم التي نعتقد أننا نعلمها جيداً، تناولها حمدون من زاوية استثنائية، قد تبدو أحادية ولكنها ممعنة في العمق. لن أعقب على الفكرة ذاتها، بل سأسرد تحليلاً يكشف إضاءات وليدة العصر الحالي:
أولاً: (نظرة ميتة)
نسج محمود حمدون تعريفاً جديداً للنظرة؛ فالمعروف سائدًا أن “النظرة” تعني الحياة والاتصال، لكنه صاغ تضاداً أبرز الفكرة ببراعة. كيف تكون النظرة ميتة؟ حين تتحجر المشاعر، يموت معها الإحساس، فتولد نظرة خالية من الروح.. إذن، هي نظرة ميتة.
ثانياً: استخلص الكاتب الأمل ورسمه في اسم “عشماوي”، مكتفياً بالنصف الأول منه (عشم)، ليولد الأمل على ملامح نصفٍ غير مكتمل، لكنه الأمل الوحيد الذي تُرجي به النجاة.
ثالثاً: فلسفة اللاشعور
لقد جعل الكاتب من الموت أملاً للجاني المحكوم عليه بالإعدام؛ حيث يصبح “شعور اللاشعور” تجسيداً واقعياً لليأس التام من الحياة، وقلب الموازين لتصبح النهاية هي المبتغى.
و هنا أكون قد استخلصت المفارقات الفلسفية التي لعب عليها الكاتب، خاصة في تحويل “أداة الموت” (عشماوي) إلى “مصدر رجاء” (عشم).
القصة
“على أمل أن..”
محمود حمدون
======
مجرد لحظات، تهيأت لذلك جيدًا، درّبت نفسي على هذه الوقفة. ثق أنني لن أقاوم، بل لن أشعر بشيء، إذ فعليًّا فقدت الشعور من زمن بعيد.
أرجوك نفّذ وبسرعة..
هكذا أخبر “عبد الله روبي” “عشماوي” وهو يربط يديه من الخلف، قبل أن يضع العصابة السوداء الشهيرة على عينيه ورأسه.
لا يتحدث عشماوي مع زبائنه، ربما يهمهم أو يبسمل أو يحوقل، أو يستعيذ في سرّه من خاطر الشفقة على المدان الواقف أمامه على الطبلية.
بل إن نظراته جامدة، أو هي في الحقيقة نظرة ميتة من كثرة ما رافق الموت في عمله على مدار سنوات بعيدة.
غير أن “عم عشم” كما ناداه “روبي” في اللحظات التي اقتاده فيها جلّاده حتى أنشوطة الحبل، الكلمة هزّت الجلّاد، شرد معها وفيها دقيقة.
هذه المرة دقّق النظر في الضحية الماثلة بين يديه، همّ بالحديث إليه، لكن “عبد الله روبي” عاجله، قال:
– لقد بعت كل شيء، ومن بدايات حياتي كنت أبيع كل شيء يقع في طريقي، لذلك أظنني فقدت آدميتي من فترة بعيدة.
– كما قلت لك الآن: لم يعد يهمّني أي شيء، لا شعور، لا طمأنينة، تساوت كل الأمور في عيني.
-افعل ما ينبغي عليه فعله يا عم عشم، يلا بسرعة، انجز لو سمحت.
برعشة في صوته، نبرة فاضت بإنسانية ليس أوانها أو مكانها، رجاه عشماوي أن ينطق الشهادتين.
ثم قبض بشدة على يد المقصلة، عيناه مثبّتان على الفقيد المنتظر، أذناه تصغيان على أمل أن..





