منال رضوان تكتب حركة الإصلاح في التراث الإسلامي في منجز شارل سان برو

كتاب حركة الإصلاح في التراث الإسلامي للمفكر الفرنسي شارل سان برو الصادرعن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، في إطار مشروعه الهادف إلى إتاحة الأعمال الفكرية المؤثرة للقارئ العربي، وجاء صدوره في ترجمةً عربية أنجزها أ.د أسامة نبيل؛ بغية تقديم رؤية أوروبية معاصرة لحركة الإصلاح في الإسلام من منظور أكاديمي قانوني يفسر رؤيويا الواقع العربي الإسلامي، لا سيما أن الترجمة العربية صدرت في العام ٢٠١٣ عقب تغييرات في الخريطة الإقليمية نعلمها جميعا. يكتسب الكتاب أهميته من كونه محاولة جادة لإعادة قراءة التراث الإصلاحي الإسلامي في ضوء ثنائية الحداثة و(التطور)، وهو المصطلح الذي فضل المترجم استخدامه موضحا في مقدمته الفارق بينه وبين الحداثة، ضمن خطاب يخاطب العقلين العربي والغربي معًا.
يقدّم شارل سان برو، أستاذ القانون الدولي بجامعة جامعة باريس ديكارت، في كتابه حركة الإصلاح في التراث الإسلامي هذه الرؤية التحليلية لمسألة النهضة في العالم الإسلامي، مستندًا إلى قراءة تاريخية وفكرية لحركات الإصلاح منذ القرن الثامن عشر حتى العصر الحديث.

لتنطلق أطروحته من اعتبار أن الإسلام يحمل في بنيته طاقة إصلاحية متجددة، وأن ما شهدته بعض المجتمعات الإسلامية من تعثر تاريخي ارتبط بتراجع فاعلية الاجتهاد وضعف الحضور العقلي في إدارة ما يطرأ من حوادث.
كما يولي سان برو عناية خاصة بمفهوم (السلفية)، فيقدّمه ضمن إطار معرفي يربطه بالعودة الواعية إلى الأصول الكبرى؛ قصد استنباط حلول لواقع متغير. ويعرض هذا التوجه باعتباره منهجًا يقوم على التفاعل الخلاق بين النص والعقل، مستندًا إلى المرجعيتين الأساسيتين من مصادر التشريع التي استقر عليه فقهيًا، ألا وهما.. الكتاب والسنة، في أفق يسمح بالتجديد في المسائل الفقهية ومواكبة التلاحق الحادث في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
في القسم التاريخي، يتتبع المؤلف مسارات الإصلاح بدءًا من تجربة شاه ولي الله الدهلوي في الهند (١٧٠٣ – ١٧٦٢م)، مرورًا بدعوة محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية، وصولًا إلى رواد القرن التاسع عشر مثل رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، الذين سعوا إلى تحقيق توازن بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات النهضة الحديثة، مؤسسين لرؤية إصلاحية تجمع بين استعادة الأصول وإعمال العقل.
ويتوقف الكتاب مطولًا عند ثنائية الحداثة والتطور، وهو المصطلح الذي اعتمده المترجم أسامة نبيل في هذا المحور البحثي المفهومي؛ إذ ينظر سان برو إلى الحداثة بوصفها منظومة فكرية ذات أبعاد فلسفية وثقافية تشكلت في سياق غربي خاص، بينما يعرّف التطور باعتباره حركة تاريخية واجتماعية تهدف إلى تحسين شروط الحياة وتنظيم مؤسسات الدولة والمجتمع.
من هذا المنظور، يرى أن الإسلام يتسع للتقدم العلمي والتنظيم المؤسسي، ويؤسس إطارًا قيميًا يوجّه مسار التطور ضمن رؤية أخلاقية متكاملة.

كما يعرض المؤلف لإسهام الحضارة الإسلامية في مجالات الطب والكيمياء والفلك، مستحضرًا شهادات من مفكرين غربيين أنصفوا هذه التجربة، وأثر ذلك في تشكيل الوعي الأوروبي في العصور الوسطى.
وفي سياق تحليله للحركات الإسلامية المعاصرة، يتناول جماعة جماعة الإخوان المسلمين، عارضًا تطورها الفكري، مقارنًا بين تصورات حسن البنا وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي. ويحلل انتقال الخطاب من محاولة الإصلاح التربوي إلى المشروع السياسي الذي لا يجد حرجا في استخدام العنف كفعل للتغيير، مع ما ترتب على ذلك من تحولات في ترتيب الأولويات بين التربية ومجابهة الدولة.
ويخلص سان برو إلى أن الاجتهاد يمثل الركيزة الحيوية في البناء الفقهي الإسلامي، وأن استعادة دوره التاريخي تتيح للمجتمعات الإسلامية التفاعل الواعي مع تحديات الزمن، ويقدّم تصورًا لإسلام يجمع بين المرجعية النصية والحضور العقلي، ويؤسس لرؤية حضارية قادرة على الإسهام في العالم المعاصر ضمن توازن دقيق بين الثبات في الأصول والحركة في مسارات التطور.
أنا من المنظور النقدي؛ فتتجلى قيمة الكتاب في لغته التحليلية المنضبطة التي نقلتها الترجمة بدقة لم تحدث الخلط المفاهيمي لدى القارىء ؛إذ يتماس الاصطلاح القانوني فيه مع المفهوم الفلسفي في معالجة تتسم بالاتساق المنهجي قدر المتصور، ويأتي توظيف مصطلح “السلفية” في سياق إبستمولوجي يعيد تعريفه باعتباره منهجًا معرفيًا مرتبطًا بحركة التاريخ.
كما تكشف معالجة ثنائية الحداثة والتطور التي تحدث المترجم عنها باستفاضة، عن وعي دقيق بالطبيعة الدينامية الفكرية، حيث يتحول الإصلاح إلى ضرورة معرفية تتصل ببنية المجتمع وتكوينه الحضاري.
لذا فإن الكتاب يقدم قراءة تأويلية لحركة الإصلاح في الإسلام، تخاطب العقل العربي والأوروبي، وتدعو إلى استعادة الثقة بآليات التجديد الكامنة في التراث ضمن وعي تاريخي يستوعب متطلبات التطور ويحافظ على رسوخ الأصول في الوقت ذاته.
منال رضوان ـ ناقد أدبي (مصر)


