أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

قراءة في رواية “الطفلة التي خبأتني في عباءتها” لفاطمة التليلي

بقلم: هيام الفرشيشي

 

 

“الطفلة التي خبأتني في عباءتها” رواية من الحجم المتوسط لفاطمة التليلي، وردت في 134 صفحة، صادرة عن دار “أم الدنيا”. وقد صيغت في ثمانين ثمانية فصول، تتصدرها عتبة الإهداء إلى النساء الريفيات الموجوعات..

شكليا تقوم الرواية على التداول على السرد، من طرف الراوية رفيقة وصديقتها حنان التي توفيت وتركت دفتر مذكراتها في الدولاب، وأمرت بقراءته بعد رحيلها..

الناقدة هيام الفرشيشي

وقد لعب الفضاء المكاني في هذه الرواية دورا كبيرا في تحديد الشخصيات ونسق الأحداث. فقد اشتغلت الساردة على ثنائيتي القرية/ المدينة، الخير/ الشر، وانقلبت المفاهيم في الرواية: فالقريب مصدر توتر والبعيد مصدر انسجام، لذلك تصور الرواية تصدع الأمكنة وانقلاب القيم دون أن يفضي ذلك إلى وجهة واضحة، لأن مسار الشخصية لا يتحدد من خلال الآخر في نهاية الأمر بل من خلال التصدعات العميقة في الذات التي لم تستطع شخصية الرواية: مواجهتها والتصالح معها..

الشاعرة والروائية فاطمة التليلي

 

للقرية طاقة خفية تجهد الراوية حنان، تشعر فيها بعدم الطمأنينة، بقسوة الإنسان كما الطبيعة، بصلابة الذكورة وضعف الأنوثة، بتباعد الأدوار بين من يتبوأ دور الملك ومن يخضع لمنطق العبودية، حتى داخل الأسرة ذاتها فهي محكومة بغطرسة الرجال الذين يحققون كل شهواتهم الأكل والجنس بينما يسحقون الأم وبناتها… حتى أن القارئ يستشف تضخيم هذه العلاقة العمودية بين مجتمع الذكور ومجتمع الإناث.. هذا الشعور الطاغي بالقسوة وعدم الأمان تسرب من كل شقوق الرواية، جعل القرية سجنا وجحيما، مجرد العودة إليها بعد سنوات من مغادرتها إلى المدينة يجرف أمواجا سلبية من القلق تختزنه الذكريات القاتمة فالأحداث مترسبة هناك في عناصره المادية والروحية.. القرية رمز التوتر والوجع والتجارب القاسية والصادمة، ذلك المكان الذي غادرته غير آسفة، لم تحب ذلك المكان لأنه يمثل الماضي الذي أنهكها:
“لم أتمن أن أعود لأعيش لحظاته” ص39
“كان الطريق طويلا وكنت أتمنى أن لا نصل” ص39
هذه القرية تصفها بالبائسة وهو بؤس مادي ومعنوي، فهي تحاول اقتلاع الذكريات من روحها
هي مصدر الكوابيس فهي تحمل روحا مدنسة.. يطغى عليها النفاق..
المنزل القديم يذكرها بالمعاملة القاسية: ضرب اتهامات للأم، زواج غصبا عنها، تعذيب جسدها بسادية، تنكيل وسحل.. الأبناء وخاصة البنات جياع بينما أصناف الأكل تذهب للأب وللزوار، وتبدو الذكورة المرتبطة بالغلظة سلوك اجتماعي متوارث فالأخ الأوسط يتحول بدوره إلى حارس وسجان وجلاد يكذب حتى على أمه وأخوته البنات ليتلقين العقاب من الأب..وهو صراع اجتماعي متوارث من أجل الحصول على الغنائم: شجار بين الأخوين لاقتسام الأغنام..

يعيش الأطفال على خبز الرغدة الشاربة: “النخالة للكلاب الرغدة للبنات التشيشة للأب.. وحليب البقرة للأب”..

بيئة تعاني فيها الأنثى الحزن الغربة الحقد جراء العقاب لأتفه الأسباب، تقييد وضرب بالحزام، قضاء الليل خارج المنزل وما يترتب عليه ذلك من المخاوف من الظلام والذئاب.
التضاريس بين الجبل والوادي ومخاطره ص49
الوادي: واد ملاق جرف أخاها الأكبر عند انتقاله لبيع المواشي..
في الغابة وقع الاعتداء على اختها الصغيرة الراعية..

وتبدو الأم في هذه البيئة ذات شخصية متبلدة: تبلد مشاعرها عند الاعتداء على ابنتها الراعية، ابنتها حنان لا تعرف رائحتها، وحين ضمت أمها دفعتها بقوة، وطردتها من المنزل نهائياً حين اتهمت حنان زوجة أخيها بالزنا..

في هذه البيئة العائلية لا يمكن الحصول على نزر من الطمأنينة إلا بالقرآن: تحسنت حالة الأم بالقرآن، حين أتى لها زوجها بمؤدب.
القران تحمي به حنان نفسها من الكوابيس وهي عادة اكتسبتها عن أمها، قراءة الفاتحة على القبر تحقق السكينة للمتوفي..

القرية بمبانيها البسيطة، البيوت الضيقة، البئر الذي يبتلع الأطفال كذبا، الوادي الذي يثور على سكانه، الغاب الشاهد على الجمال وعلى القسوة تغني فيه الراعية بصوت مبحوح شجي، الطرق الخطرة، الذكريات والأحداث الموجعة تضفي على القرية شعورا بالضيق والانقباض…

فلا غرو أن يتحول الأب والأم والأخ إلى دائرة مغلقة للشقاء بقول حنان:
“إلى عائلتي .. كل فرد منكم ترك ندبا بمكان ما من روحي” ص11

من جهة أخرى تبدو المدينة قد انطبعت فيها أرواح طيبة، هكذا صاغت الساردة الأحداث والعلاقات التي ضمدت جراح حنان، وخففت أوجاعها وجعلتها تتصالح مع ذاتها، إنها الفضاء الأفضل الذي انتشلها من الفضاء الاسوأ، البيوت الآمنة التي بددت القلق، الشخصيات الحنونة المتفهمة المقدرة للذات الإنسانية، فقد التقت نفسها هناك بصورة جميلة مقبولة مناقضة لصورتها المنبوذة في القرية، فالفضاء المكاني أعاد تشكيل ذاتها وترميم تصدعاتها، ففي المدينة نلمس هذه الطاقة الإيجابية التي بددت كل سلبيات الماضي.

يلعب الفضاء المكاني إذن دوره في إحداث حالة من التوازن لدى شخصية حنان، من خلال شخصيات إيجابية في رواية الطفلة التي خبأتني في عباءتها، حيث تقول عن مشغلتها:
“تلك المرأة كانت لطيفة جدا معي تعاملني وكأنني فرد من عائلتها “.
“دعاني المدير إلى مكتبه وسألني ان كنت احتاج إلى مساعدة” ص120
حبيبها ميراس وهو صديق افتراضي اجنبي بطل الروايات الرومنسية يريدها أن تحب الحياة، يقول إنها جميلة، فأصبحت تنظر للمرأة دون خجل. رجل مخضرم جعلها تحب الحياة وتتصالح معها من جديد. مارد حقق كل أمنياتها.
صديقتها رفيقة التي امتدّت الصداقة بينهما اثنتي عشرة سنة، وتعاملها كاخت.

الأمكنة في المدينة تحمل ذكريات حميمية:

“هذه البناية الضخمة أراقب فيها ذكرياتي” ص20
“وسط العاصمة هذا المكان المزدحم لكنني أكون فيه منتشية” ص27

لم يعد المنزل الأول أليفا ولم يعد مسقط الرأس مصدرا للحنين، فالهوة بين الشخصية وماضيها عميقة، والانسلاخ عن المكان جعلها تتجذر في مكان غريب عنها، كما أن القريب هو مصدر الهلع والوجع، بينما الآخر هو مصدر علاج للذات وترميم شروخ النفس والجسد. وهنا نستخلص أنها قريبة من أطياف المكان وأرواحه وبعده الرمزي أكثر من قربها من الشخصيات المادية ذاتها، فهو تناغم لا مرئي روحي أكثر منه تناغم مادي.. يحضر فيه شعور بالسلام الداخلي، تجعل الوجود الذاتي واضحا ومقبولا.

غلاف الرواية

وقد استعملت الساردة معجما يدل على القسوة في القرية: “جلاد، حارس، منافق”، وتستعمل معجما نقيضه في المدينة، كذلك الأمكنة في المدينة، العمارة، العمل، أمكنة تبعث على البهجة، بينما الغرفة والوادي، المدرسة في القرية كلها أمكنة ضيقة مخيفة مزعجة. القرية بيئة يجتمع فيها الفقر والقسوة بينما المدينة مكان للعمل وتيسير الحياة، في القرية شخصيات متلاعبة مثل زوجة أخيها ووالدتها التي تزوجت أبيها، امرأة مخادعة قادرة على تهديد عرش مجتمع الذكورة، وإما شخصيات أنثوية مغلوبة على أمرها، في المدينة شخصيات بسيطة تلقائية بعيدة عن الخبث والألاعيب ..

غير أن نهاية الشخصية لم تكن قد وجدت العلاج الكافي لمعاناتها.. رغم تقبلها من طرف الآخر، قد تستمر الإدانة لمجتمع مهين للمرأة المهمشة حين تسرد معاناتها فيقع تقبل سرديتها بالرفض إذ ترفض دور النشر نشر سيرتها الذاتية وإدخالها حيز المسكوت عنه.

تلعب رفيقة، صديقة حنان في السكن دورا محوريا في نقل هذه المعاناة التي تبعث على الضيق وإعادة النظر إلى الواقع ومنح نفسها فرصة لرؤيته بوضوح وتأثيره على مزاجها فهي تخرج الدفتر من قمقمه وتفتح علبة باندورا المليئة بالشرور، هذا العالم ليس آمنا كما نعيشه، ثمة ما هو سيء، وشرير. الرؤية إلى الماضي تزعج الشخصية نفسها، وعودتها إلى القرية من خلال ذاكرتها شكلت كثافة الظل الخفي المظلم في شخصيتها، فهي ترى من خلال العودة إلى صورها الظلال والانكسارات، الوجوه المزعجة التي آذتها، تدخل القدر وقسوة الطبيعة، انتهاك حرمة جسد الأنثى .. كلها مؤشرات على رواسب هذا الماضي/ المكان الموحش الموجع والحاضر الهش رغم أنه ومريح.. الانفجارات الداخلية أتت على كل كيانها وحرقته، قضت شهرين في المشفى، لتودع بعدها الحياة، تشتاق إلى امرأة تخفي طفلة داخل عباءتها، تكتب لتخفف من ثقلها، إلى أفراد عائلتها في السماء، ربما الفضاء هناك وأرحب وأسمى ليتخففوا من شرور النفس والطبيعة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى