منال العبادي تكتب توظيف التناص والتبئير في “سماء مغادرة” لمنال رضوان
يمثل التناص

يمثل التناص
أحد أبرز التقنيات السردية التي توظفها منال رضوان في روايتها “سماء مغادرة”،
حيث تعيد حضور قصة يوسف وزليخة بوصفها نصًا غائبًا حاضرًا، يعيد تشكيل دلالات العشق
والخطيئة والتطهير. تتعدد مستويات توظيف التناص في هذه الرواية.
تبدأ الرواية بما يشبه الإهداء أو التمهيد “الوقت
طريق لا ينتظر أحدًا، والعشق انتظار لا طريق له؛ فالزمن يمضي، والعشق مقيم.. من هنا
تبدأ كل مأساة”،
كما تورد أبياتًا وجملًا من مثنوي “يوسف وزليخة” لعبد
الرحمن الجامي، وديوان شمس التبريزي، وسعدي الشيرازي.

أما المستوى
الثاني والأكثر عمقًا، فيتمثل في إعادة سرد قصة يوسف من منظور مختلف تمامًا، حيث تقلب
الكاتبة الأدوار لتجعل من زليخة بطلة عاشقة لا خاطئة، متجاوزة النظرة التقليدية التي
جعلتها نموذجًا للفتنة والخطيئة، فتقول على لسان جامي: “زليخة لم تخطئ… زليخة
تحطمت وأريقت على عتبات نقصها حتى يكتمل المعنى”، وتؤكد أن “الروح التي تجتاز
النار ولا تحترق، تستحق أن تنادى باسمها إلى الأبد”، وتذهب الرواية إلى إعادة
تأويل خطيئة الحب ذاتها، حين يطرح تلميذ جامي سؤاله النقدي الجريء: “لماذا لم
يغفر سيدي لأبسال عشقها؟ لماذا كان قاسيًا إلى حد، تقابله تلك الرحمة بامرأة العزيز؟”
فيجيبه جامي: “يا بني، لم يكن الحب خطيئة زليخة… لو أن أبسال بكت مرة واحدة
في حبها، لعرفت أن الطهر ليس في الفرار من الجسد، بل في النجاة به من نار أبدية”،
وهكذا تتحول زليخة من امرأة فاتنة إلى أيقونة صوفية ومحطة في سلم العشق الإلهي، حيث
“زليخة هي باب الروح حين تعرج إلى الله، حين يصهرنا العشق فيحسن سبك قالبنا”.
أما المستوى الثالث فيتمثل في المقاربة الرمزية بين
يوسف النبي ويوسف الباحث العراقي، حيث تحدث الكاتبة مطابقة اسمية بين الشخصيتين، فكلاهما
غريب وسيم آسر، وكلاهما يُسجن: الأول في الجب حقيقة، والثاني في غربته وهجرته، وكلاهما
ينتظر الخلاص، على حد تعبير يوسف الباحث: “لم أهرب من نظامٍ فقط، هربت من قيودٍ
أكبر… القيود التي تضعها الأعراف والتقاليد والأحكام على القلوب”.
ويأتي المستوى الرابع عبر توظيف الحلم كفضاء تناصي
مفتوح، حيث تشكل الأحلام الجسر الذي يربط البطلة المعاصرة “وجد” بزليخة،
في الحلم الأول ترى زليخة ترتدي عباءة زرقاء مخملية موشاة بخيوط من ذهب، تبتسم لوجه
يوسف مرسومًا على صفحة البحيرة أمام قصرها، وفي الحلم الثاني تسمع صوت زليخة يأمرها،
“اكتبيني كما أنا، لا كما أرادوا لي”، وفي الحلم الثالث يتواصل الحوار بينهما
عبر الزمن، مما يحوّل الحلم من مجرد حدث نفسي إلى فضاء تناصي تلتقي فيه الأزمنة والشخصيات.
أما المستوى الخامس والأكثر إبداعًا، فيتمثل في مناجاة
زليخة ليوسف في السجن التي ترد في الفصل الخامس، حيث تقتبس الرواية مناجاة طويلة تحاكي
فيها زليخة حبها ليوسف المسجون، ولكن هذا النص ليس موجودًا في المصادر الأصلية بقدر
ما هو ابتكار روائي يحاكي أسلوب الجامي: “يا يوسفَ الحلم، يا طيفَ الأماني في
مقلتي… كيف للمحبوب أن يلتحف الصقيع وأنا أحتضن جمرَ إيابه في أحشائي؟”، وهنا
تكمن عبقرية التناص، ليست استعادة حرفية، بل إعادة إبداع لصوت زليخة.
وتضيف الرواية دلالات تناصية أخرى، منها تقنية
“القصة داخل القصة” حيث تكتب البطلة وجد رواية داخل الرواية عن زليخة ويوسف،
وتكتب في نهاية الرواية مشهد “وداع زليخة ليوسف” تحت عنوان “الفصل الأخير،
وداع زليخة ليوسف”، مما يخلق تناصًا مع فكرة الكتابة عن الكتابة. كما يحضر جامي
نفسه ليس مجرد شاعر صوفي، بل شخصية روائية تحاور تلميذها، تبكي زليخة، وتكتب خواطرها
السرية، “في تلك الليلة كان يكتب سطورًا متقطعة على رقّ قديم، يخفيها كلما اقترب
أحد التلاميذ… اعترافات عاشقٍ مسّه الشطح والافتتان باسمٍ لا يستقال”، مما يجعل
التناص حيًا ومتفاعلًا لا مجرد استشهاد جاف، وتتردد في الرواية أسئلة وجودية مشتركة
توحّد بين زليخة ووجد وجامي، مثل السؤال المصيري: “أيهما أشد عذابًا وصبرًا على
فراق يوسف، احتراق زليخة، أم حزن أبيه؟”، وهو سؤال مفتوح لا يجيب عنه النص، بل
يتركه للقارئ في إحالة إلى اللامتناهي التأويلي في النصوص الدينية والصوفية، ولا تغفل
الرواية التناص مع سورة يوسف القرآنية ذاتها، عبر شخصية دعاء التي تروي: “كان
قلبها يتعلق بهذه السورة… سورة يوسف يا دوشا، عليك بحفظها”، ولكن من زاوية إنسانية
بحتة حيث السورة ليست مجرد وحي بل شفاء لقلب عاشق “من يعلم لعلها كانت هناك أيضًا…
كل قلب يحب يترك أثره”، ويمكن إجمال مستويات التناص مع قصة يوسف المستوى الأول الاقتباس المباشر من مثنوي يوسف وزليخة
للجامي في افتتاح الفصول لخلق شرعية صوفية، والمستوى الثاني إعادة سرد القصة القرآنية
والتراث الصوفي عبر مناجاة زليخة في السجن لإعطاء صوت للعاشقة، والمستوى الثالث المطابقة
الاسمية بين يوسف النبي ويوسف الباحث العراقي لأسطرة الشخصية الحديثة، والمستوى الرابع
الحوار مع السلطة الفقهائية التقليدية على لسان جامي المتسائل لنقد التراث الذكوري،
والمستوى الخامس تشظي السرد عبر نصوص صوفية متفرقة في أحلام زليخة للبطلة لربط الأزمنة
بوصفه تناصًا عبر الزمن. في الخلاصة، وظفت منال رضوان تناص قصة يوسف على ستة مستويات
على الأقل: الاقتباس المباشر من شعر الجامي وسعدي والرومي، وإعادة سرد قصة زليخة من
منظور نسوي صوفي، والتطابق الاسمي بين يوسف النبي ويوسف الباحث، وتوظيف الحلم كجسر
بين النصوص، وكتابة نصوص موازية (مناجاة زليخة) تحاكي أسلوب المصادر، والإحالات الخفيفة
إلى سورة يوسف القرآنية. والهدف من هذا التوظيف ليس الزخرفة الثقافية، بل إعادة تأسيس
مفهوم العشق بأكمله، العشق ليس خطيئة بل طريق إلى المعرفة، وزليخة ليست فاتنة بل عارفة
بالله، ويوسف ليس مجرد معشوق بل رمز للجمال الإلهي، والكتابة عن العشق هي عبادة وتطهير،
في النهاية، لا تقدم الرواية أجوبة جاهزة، بل تترك قصة يوسف وزليخة مفتوحة على التأويل،
كما تفعل النصوص الصوفية الكبرى، لتبقى هذه القصة الخالدة متجددة في كل عصر، وفي كل
نص يعيد كتابتها من جديد.
التبئير والسرد
في رواية “سماء مغادرة” لمنال رضوان
يمثل التبئير
باعتباره زاوية الرؤية التي يتبناها السارد والمرتبطة بوجهة النظر التي تُروى من خلالها
الأحداث، إحدى أبرز التقنيات السردية التي توظفها منال رضوان في روايتها “سماء
مغادرة”، حيث تتنوع تقنيات التبئير لتخلق تجربة سردية غنية ومتشابكة، تتعدد أنماط
التبئير المستخدمة في هذه الرواية، فنجد أولاً التبئير الداخلي الثابت الذي تتركز من
خلاله معظم الرواية من وعي “وجد” (البطلة الدكتورة الباحثة في الصوفية)،
حيث نرى الأحداث من خلال عينيها، أحلامها المتكررة بزليخة، وعلاقتها المعقدة بيوسف
(الباحث العراقي)، وذكرياتها مع كريم في علاقتها المؤلمة السابقة، ورحلاتها العلمية
المتتالية من القاهرة إلى قازان ثم إلى طهران، على حد تعبيرها، “كنت أبحث في أثره
منذ أعوام بعيدة، أقرأه كمن يتبع نبوءة تخصه هو، لا نصًا منقوشًا في الورق”.
وثانيًا التبئير الداخلي المتغير حيث تنتقل عدسة
الرؤية أحيانًا إلى شخصيات أخرى، نبيل (صديق العمر في روسيا) من خلال رسائله، ويوسف
(الباحث العراقي) في مشاعره تجاه وجد، ودعاء (الفتاة التي نجت من مقتل أمها) في ذاكرتها
الطفولية.
وثالثًا التبئير الصفري (الراوي العليم) الذي يظهر
في المقاطع التاريخية التي تروى بطريقة موضوعية مثل مشهد جامي في هرات (عصر 897 هـ)
وحكاية يوسف وزليخة في القصر ووقائع الحرب والموت في طهران.
وتبرز في
الرواية تقنيات سردية بارزة، أولها التشظي الزمني حيث تتنقل الرواية بين أزمنة متعددة
بحرية، ففي عام 897 هـ في هرات نعايش جامي وتلميذه، وفي الماضي البعيد في القصر الفرعوني
نعايش زليخة ويوسف، وفي التسعينيات في الإسكندرية نشهد مقتل أم دعاء، وفي عام 2024
في قازان نحضر المؤتمر الأكاديمي، وفي عام 2025 في طهران نعايش الحرب والموت. وثانيها
تعدد الأصوات حيث تتداخل السرديات التالية، السرد الأكاديمي (بحث وجد عن جامي)، والسرد
الصوفي (تأملات في العشق الإلهي)، والسرد العاطفي (علاقة وجد بيوسف ونبيل)، والسرد
التاريخي (حياة جامي وزليخة)، والسرد الرسائلي (رسائل نبيل ووجد).
وثالثها تقنية
“القصة داخل القصة” حيث تعيد الرواية كتابة قصة يوسف وزليخة من منظور جديد،
“زليخة لم تخطئ… زليخة تحطمت وأريقت على عتبات نقصها حتى يكتمل المعنى”.
ورابعها السرد بالحلم والرؤيا حيث تشكل أحلام البطلة
بزليخة محورًا سرديًا رئيسيًا، ففي الحلم الأول ترى زليخة ترتدي عباءة زرقاء، وفي الحلم
الثاني تسألها عن “أيهما أشد عذابًا على فراق يوسف؟”، وفي الرؤيا في قازان
قبل لقاء دعاء تتجلى المعاني الصوفية.
وتتبع الرواية
نظامًا عنونة شعرية تحمل دلالات سردية عميقة: فالفصل الأول بعنوان “لنؤمن ببداية
موسم البرد” وهو اقتباس من فروغ فرخزاد للتمهيد للحرب، والفصل الثاني “مقام
الحلم” (كذا) للإيحاء بالغموض والعشق الإلهي، والفصل الثالث “ماكان وراء
الحكاية” للكشف عن ما وراء السرد، والفصل الرابع “فداء الدم” للتعبير
عن التضحية والوشاية، والفصل الخامس “جمر الغياب الأول” لرسم حزن زليخة في
ليلة سجن يوسف، والفصل السادس “وشاية الخباء أوشي” لسرد قصة أوشي الجارية،
والفصل السابع “مدينة وجسد من جليد” لتصوير قازان والبرودة الروحية، والفصل
الثامن “نرا بروحي لـك درفار!” للعشق بلغة صوفية فارسية.
وتعتمد الرواية
تقنيات الإيحاء والتكثيف عبر الاستشهاد بالمصادر الصوفية من مثنوي يوسف وزليخة لعبد
الرحمن الجامي وديوان شمس التبريزي وسعدي الشيرازي، وعبر التكرار بوصفه تقنية إيقاعية
حيث تتكرر عبارات وأسئلة فلسفية مثل، “اكتبيني كما رأيتني، لا كما أرادوا لي”،
و”اطمئني… سأعود من أجلك”، و”هل ينطق الصمت إذا اشتد الحنين؟”،
وعبر التناوب بين النثر والشعر حيث تخلو الرواية من الشعر الموزون لكنها تعتمد على
جمل قصيرة إيقاعية وسجع داخلي (ارتباط صوتي بين الكلمات) وفواصل درامية بين المشاهد.
ويمكن مقارنة هذه الرواية مع روايات صوفية أخرى من حيث تقنيات التبئير، فراوية
“أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ توظف تبئيرًا رمزيًا متعددًا في الإسقاط الصوفي
على الواقع، ورواية “عزازيل” ليوسف زيدان توظف تيار الوعي في السرد من منظور
راهب/باحث، ورواية “شوق الدرويش” لحمور زيادة توظف تبئيرًا داخليًا متشظيًا
في الهمّ الصوفي والتحرر، ويقدم تحليل نموذجي لمشهد كازان (الصفحات 38-41) حيث تبدأ
الفقرة بتبئير داخلي ثابت (وجد) ثم تنتقل إلى تيار الوعي لدى دعاء عند تذكرها ليلة
مقتل أمها، ثم تعود إلى التبئير الأساسي، وذلك بأسلوب وصف محايد مفعم بالشاعرية،
“لم يكن الوصول إلى منطقة شوكين شاقًا لمن أراد الوصول. المدينة هنا أكثر سكونًا
مما توقعت، البيوت متقاربة، تتساند إلى جوار بعضها؛ لتدثر وحدتها في الثلج”، وتتميز
هذه الفقرة بانتقال سلس بين الوصف الخارجي (المنزل، الدمى، الثلج) والوصف الداخلي
(ذكريات الطفولة، الألم، الصمت). في الخلاصة، تعتمد منال رضوان في “سماء مغادرة”
على تبئير داخلي متعدد (وجد – زليخة – جامي – نبيل – دعاء)، وتشظي زمني يربط بين العصور
والثقافات، وتوظيف الحلم والرؤيا كآلية للكشف والمعرفة، والسرد الرسائلي الذي يضفي
حميمية وعفوية، والتكثيف الشعري في النثر. وهكذا تعيد الرواية كتابة سردية “يوسف
وزليخة” من منظور نسوي صوفي، متجاوزة النمط التقليدي الذي جعل من زليخة مجرد
“عاشقة خاطئة” إلى أيقونة للبحث عن المعنى والتطهير بالحب، حيث يجعل التبئير
الداخلي القارئ شريكًا في رحلة الوعي والكشف، لا متفرجًا على أحداث خارجية.
منال العبادي ناقدة أدبية الأردن



