أخبار عاجلةالرئيسيةساحة الإبداع

في حضرة الجمال بقلم :محمد صوالحة

اجْتَمَعْنَا جَمِيعًا عَلَى طَاوِلَةٍ وَاحِدَةٍ، طَلَبُوا الإِفْطَارَ وَوَحْدِي مَنْ طَلَبَ القَهْوَةَ، وَأَسْأَلُ مَا بِي؟ لِمَ هَذَا الارْتِبَاكُ؟ هَلْ حُضُورُ المَلَائِكَةِ مُخِيفٌ لِهَذَا الحَدِّ أَمْ هُوَ الفَرَحُ الزَّائِدُ بِهَذَا النُّورِ الَّذِي يُحِيطُنِي مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؟ لَا أَدْرِي، كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ أَنِّي مُرْتَبِكٌ، وَالقُشَعْرِيرَةُ تَسْكُنُنِي، قَلْبِي وَجَسَدِي وَكُلِّي يَرْتَعِشُ، السَّبَبُ لَا أَدْرِي.
​خَرَجْنَا مِنَ المَطْعَمِ بَعْدَ أَنْ تَنَاوَلُوا الإِفْطَارَ وَأَكْمَلْتُ قَهْوَتِي، كَانَ الأُسْتَاذُ أَنْطَوَان بِبَدْلَتِهِ الرَّسْمِيَّةِ مَعَ جَاك يَسِيرَانِ فِي الأَمَامِ، وَكُنْتُ وَلِيلِيت نَسِيرُ فِي الخَلْفِ، أَتَأَمَّلُ مَشْيَ الحِسَانِ اللَّوَاتِي يَسْبِقْنَنِي وَيَرْسُمْنَ دَرْبِي، وَلِيلِيت كَفُّهَا الصَّغِيرُ يَخْتَفِي بِكَفِّي، أَهْمِسُ بِأُذُنِهَا: لِيلِيت بَابَا، أَسْرِعِي وَاسْبِقِي مَامَا، وَالْتَقِطِي لَهُنَّ الصُّوَرَ وَهُنَّ يَمْشِينَ، وَحَاوِلِي أَنْ لَا يَنْتَبِهْنَ لَكِ وَقْتَ الالْتِقَاطِ. أَظْهَرَتْ فَرَحَهَا بِمَا طَلَبْتُ مِنْهَا بِالضَّحْكَةِ الَّتِي ارْتَسَمَتْ عَلَى شَفَتَيْهَا وَالتَّلْبِيَةِ السَّرِيعَةِ لِطَلَبِي. كُنْتُ أَرْغَبُ أَنْ تَلْتَقِطَ عَيْنِي كُلَّ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ وَأَنْ تُخَزِّنَ فِي حُجُرَاتِ القَلْبِ مَا الْتَقَطَتْ قَبْلَ أَنْ تَلْتَقِطَهُ الكَامِيرَا.
​سُؤَالٌ بِلَا مُقَدِّمَاتٍ صَفَعَ رُوحِي وَقَلْبِي، جَوَارِحِي خَرَجَتْ عَنْ سَيْطَرَتِي وَنَطَقَ لِسَانِي بِالسُّؤَالِ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ: هَلْ هَذِهِ النِّسَاءُ كُنَّ مِثْلَنَا خَرَجْنَ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ، أَمْ وُجِدْنَ بِكَلِمَةِ (كُنْ) فَكُنَّ؟ أَمَالِيَا بِطُولِهَا وَخَصْرِهَا المَمْشُوقِ وَشَعْرِهَا المُنْسَدِلِ عَلَى ظَهْرِهَا، تَمَايُلُهَا، وَكَيْفَ يَتَأَلَّقُ الأَسْوَدُ الشَّفَّافُ عَلَى جَسَدِهَا! أَسْرَعْتُ بِخَطْوِي حَتَّى صِرْتُ خَلْفَهُنَّ مُبَاشَرَةً، عَيْنَايَ مَا زَالَتَا مُتَصَلِّبَتَيْنِ عَلَى أَمَالِيَا أَنْظُرُ لِعُنُقِهَا، تَشْتَعِلُ الغَيْرَةُ بِدَاخِلِي مِنَ العِقْدِ الَّذِي يُطَوِّقُهُ وَتَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ ذَاكَ العِقْدَ.
​تَعِبَتْ عَيْنَايَ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا فَاتَّجَهَتْ بِلَا إِرَادَةٍ مِنِّي إِلَى رُولِينَا الَّتِي تَرْتَدِي الأَبْيَضَ الشَّفَّافَ، لَا أَدْرِي أَيَّ دَرَجَاتِ الأَبْيَضِ الَّذِي كَانَ يَحْتَلُّ جَسَدَهَا وَلَكِنَّهُ يُشْبِهُ جِدًّا لَوْنَ بَشَرَتِهَا، وَرُولِينَا تَقْتَرِبُ بِطُولِهَا مِنْ أَمَالِيَا وَلَكِنَّهَا أَنْحَلُ قَلِيلًا، اسْتَهْوَانِي أَبْيَضُهَا حَتَّى غَرِقْتُ بِهِ. بِي رَغْبَةٌ عَارِمَةٌ لِمُلَامَسَةِ عُنُقِ أَمَالِيَا وَمُدَاعَبَةِ شَعْرِهَا، أَوْ أَنْ أُطَوِّقَ بِيَدَيَّ خَصْرَ رُولِينَا، مَا الَّذِي يَمْنَعُنِي؟ لَا أَدْرِي. لُونَا الَّتِي كَانَتْ بِالقُرْبِ مِنِّي كُنْتُ أَتَشَاجَرُ مَعَ الفَيْرُوزِيِّ الَّذِي تَرْتَدِيهِ وَأُعْلِنُ كَرَاهِيَتِي لَهُ لِأَنَّهُ يَحْتَلُّ الجَسَدَ الأَطْهَرَ عَلَى الإِطْلَاقِ. لِمَاذَا لَا أَسِيرُ بِجَانِبِهِنَّ؟ مَا الَّذِي يَمْنَعُنِي مِنْ أَنْ أَكُونَ مَعَهُنَّ مَعَ عِلْمِي الأَكِيدِ بِأَنَّهُنَّ لَنْ يُمَانِعْنَ؟ أُقْسِمُ أَنِّي لَا أَدْرِي سَبَبًا يَمْنَعُنِي، رُبَّمَا كَانَ الخَوْفَ، أَوِ الخَجَلَ، أَوْ شَيْئًا لَا أَعْلَمُهُ.
​صَعِدْنَا كُلٌّ فِي مَرْكَبَتِهِ، حَاوَلَتْ لِيلِيت ابْنَةُ رُوحِي أَنْ تُرِيَنِي مَا الْتَقَطَتْ لَهُنَّ مِنْ صُوَرٍ وَبِلَا تَفْكِيرٍ قُلْتُ: بَابَا (خَلِّي الصُّوَرَ حَتَّى نَرْجِعَ البَيْتَ). تَابَعَتْ: لَمْ يَنْتَبِهْنَ لِي وَأَنَا أُصَوِّرُهُنَّ، قُلْتُ: حَسَنًا بَابَا أَنْتِ فَنَّانَةٌ.
​انْطَلَقْنَا تِجَاهَ الجَنُوبِ، حَتَّى اقْتَرَبْنَا مِنْ بَلْدَةِ (إِبِل السَّقْي) تَوَقَّفَ السَّيِّدُ أَنْطَوَان وَتَوَقَّفْنَا، هَبَطْنَا جَمِيعًا، وَسِرْنَا بِضْعَةَ أَمْتَارٍ يَمِينَ الطَّرِيقِ، وَقَالَ لِي السَّيِّدُ أَنْطَوَان: هَذِهِ القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الأَرْضِ ضِمْنُ القِطَعِ الَّتِي خَصَّصْتُهَا لِلْمَشْرُوعِ الَّذِي تَتَوَلَّى إِدَارَتَهُ، جِئْتُ بِكَ لِهُنَا لِتَرَى عَلَى الوَاقِعِ وَتَبْنِيَ خُطَّةَ عَمَلِكَ، وَلَا تَخْشَ المَالَ، فَقَدْ فَتَحْتُ حِسَابًا بِاسْمِكَ فِي البَنْكِ وَرَصِيدُكَ الآنَ لَا تَتَخَيَّلُهُ.
​سَأَلْتُهُ بِلَا مُقَدِّمَاتٍ: أُسْتَاذ أَنْطَوَان، كَيْفَ مَنَحْتَنِي هَذِهِ الثِّقَةَ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُنِي؟ بِلَا تَرَدُّدٍ أَجَابَ: لِأَنِّي أَثِقُ بِجَاك وَلُونَا اللَّذَيْنِ رَشَّحَاكَ لِهَذَا العَمَلِ. وَقَالَ أَيْضًا: هُنَا بَقِيَتْ قِطْعَةُ أَرْضٍ بِنَفْسِ المِسَاحَةِ تَقْرِيبًا وَقِطْعَتَانِ فِي الشَّمَالِ، سِرَاج يَا أَخِي الصَّغِيرَ هَذَا المَشْرُوعُ أَمَانَةٌ فِي عُنُقِكَ. قُلْتُ: أُسْتَاذ أَنْطَوَان، سَنَتَحَدَّثُ بِالعَمَلِ عِنْدَمَا نَعُودُ. رَكَضَتْ لِيلِيت نَحْوِي وَهِيَ تَقُولُ: بَابَا (مُمْكِنْ أَكُونَ مَعَاكَ بِالشُّغْلِ مُتَطَوِّعَةً؟) فَرَّتْ مِنْ عَيْنِي دَمْعَةٌ شَعَرْتُ بِهَا جَمْرًا يَتَبَخْتَرُ فَوْقَ خَدِّي وَلَا أَعْرِفُ لَهَا سَبَبًا.

مقطع من نص طويل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى