قراءة في كتاب شعراء الحداثة في مدينة الناصرية
للأستاذ الدكتور مصطفى لطيف عارف د.حسن البصام

الناصرية منجم إبداع لا يتوقف منذ ما قبل الإلف السابع قبل الميلاد، فكانت حضارة العبيد ومدينة اريدو التي هي أقدم مدينة في التاريخ البشري، وسلالة الملوك العريقة كما في مدينة أور السومرية التي تناقل التاريخ قصائدا خالدة إلى الآن .. وقد ورثت ذلك الحس الإنساني العظيم في التعايش السلمي بين طوائفها ومكوناتها؛ من خلال احتضان المسلمين والمندائيين واليهود في أوائل القرن العشرين..هذا التسامح والتودد، أنجب الإبداع والجمال والسمو بالعاطفة والكلمة ليولد الشعراء أحرارا في تغنيهم بالإنسان والطبيعة والمبادئ .. فكانت شجاعة التعبير وصلابة الموقف بعض من سجاياه، وقد انعكس ذلك على الشعراء الذين تنوعوا بين الفصيح واللهجة الدارجة وتشعب منها الغناء الذي أصبح لازمة شعبية في كل محافلها إلى جنب الشعراء الشعبيين الخالدين.
ولكي يوفق الباحث في تناول هؤلاء الشعراء؛ لذلك اقتصر على شعراء الحداثة تاركا المجال للباحثين من النقاد والأدباء أن يتناولوا المسيرة الشعرية في المدينة..واقتصر هذا الإصدار على أمل أن تتوالى إصداراته القادمة لتتناول الشعراء الآخرين الذين اشتغلوا على الحداثة في الشعرية المعاصرة..
في هذا الإصدار للأستاذ الدكتور مصطفى لطيف عارف، بصمته في تناول ثلاثة شعراء حداثويين لهم مكانتهم المهمة في المسيرة الشعرية الحديثة..الشاعر شوقي عبد الأمير في سردياته الحداثوية وهو الشاعر الملهم. تناول الباحث كتابه ( يوم في بغداد)، مستعينا بالمنهج النقدي التحليلي (السيميولوجيا)..لان هذا الكتاب يعد وثيقة سياسية مهمة في تاريخ العراق كما يقول الباحث” دونت الأحداث السياسية, بعدسة فنية مقتدرة , وبصورة فوتوغرافية مميزة, حاول الشاعر فيها الكتابة السردية عن حقبة زمنية مظلمة مرت بتاريخ العراق بعد الاحتلال الأمريكي” . وهذا ما جعل الباحث يطبق السيميائية من خلال الاهتمام بالعلامات والدوال اللغوية والاشارية والتعبيرات والصور والملامح، لقراءة المجتمع شعريا أو سرديا، وفضح العلائق السياسية المخفية، على الرغم من معاناة الباحث من قلة المصادر الأكاديمية منه أو غير الأكاديمية، إلا انه واصل رحلته البحثية، وتلك من سمات الباحث الرصين، والعاشق لمدينته حاضنة الإبداع، حيث جاء كتابه الثاني: (قراءة سوسيولوجية في كتاب ( إمضاءات) للشاعر شوقي عبد الأمير، حيث يبحث المؤلف في هذا الكتاب التفاعلات المجتمعية والعلاقات والتنظيمات الاجتماعية من اجل الوصول إلى فهم واضح انعكاس ذلك على الإفراد..إي تحليل وتفكيك الواقع من خلال ربط السلوك مع المكان أو الحاضنة البيئية التي يعيش فيها، وكذلك انعكاس التعلم والثقافة على السلوك أو تأثير الفقر والمرض والمحددات الاجتماعية على الإفراد. وقد بين الباحث قائلا : ” تناولنا في المبحث الأول من الكتاب (البعد ألتنظيري) , وذكرنا حياة الشاعر , ومؤلفاته لكي نعطي صورة واضحة عنه , لأنه غادر العراق لأكثر من ثلاثين عاما قضاها في فرنسا , وبيروت, مرورا بالجزائر.
وكان المبحث الثاني من نصيب( البعد الإجرائي) إذ تطرقنا فيه إلى عتبة العنوان ,والمكان , والزمن بأنواعه المختلفة :الزمن الخلفي ,والزمن الخارجي , والزمن الداخلي”
يقول الباحث: ” شاء الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير لإصداره المغايرة عن عادة كتاباته الشعرية بالافتراق عنها خارج الشعر, وخارج الأشكال ,والتقنيات التي إلف الكتابة بها في إصداراته الشعرية الوفيرة ,فجاء (يوم في بغداد) سردا يكاد يكون مرئيا,مخترقا بأضواء الذاكرة عن عراق الكاتب بغداده تحديدا ,حيث اللغة هنا بأبسط أشكالها , وليست عبارة (19 /10/2007 ) على غلاف الكتاب سوى توثيق افتراضي فني لهذا اليوم , وكلمة فني هنا كناية عن مناسبة لوصف ما يجري في بغداد , فهو يوم له ما قبله,وما بعده في حياة الزمن,بينما الأيام الشخصية للكاتب تجري عميقا في تاريخه الشخصي عبر نهر طويل , ومتصل من رحلة الطوفان إلى فكرة الخلود ,يوم افتراضي تتداخل فيه ملامح بغدادات عدة من العباسية إلى حرائق المغول ,وتتفاعل خلف طبقات من الخراب والقيامة كما يرى محمد مظلوم”
وجاء في الكتاب على لسان الشاعر شوقي عبد الأمير ” كلنا نكتب التاريخ ,والتاريخ الحديث هو محصلة كل الكتابات ,لقد وجدت عراقيا مهشما مثل جرة أسطورية ما زالت فوقها النقوش والألوان ولكنها تحت الأقدام ,وتحت العجلات ,وتحت الركام أما أبناء هذا الوطن فكأنهم يعيشون خارج الأرض في كهف اسمه العراق” ” فكانت عينا الشاعر شوقي عبد الأمير عدسات لرؤية العراق الجريح وهو يقطع من اقرب الناس إليه ألا وهم أبناؤه الغيارى ,فكانت صورة مأساوية نقلها إلينا الشاعر بريشته كفنان محترف “يقول الشاعر في سرديته” يوم في بغداد” : ” إن ما أرى الآن ليس إلا مشهدا له علاقة بمدينة أثرية مندثرة أحرقها الغزاة قبل أكثر من عشرين قرنا ,لا يا صديقي , لسنا في شارع الرشيد ,إن سائق السيارة بالتأكيد قادنا إلى موقع نكتشفه للمرة الأولى , ربما هي سبر المدينة التي أحرقها الغزاة قبل خمسة الآلف عام ,أو أية مدينة كانت قائمة ثم لعنت ومسخت ونحن نهبط فوقها الآن مثل كائنات حلميه أسطورية نحن أمام مشهد لا يمت للحياة بصلة , فكيف يكون هو شريان بغداد المتدفق ؟ إنني أرى هياكل تتهاوى , جدرانا تنزل مثل شلال حطام يتراكم فوق الأرض دون انقطاع”

يقول الباحث: ” أن كتاب يوم في بغداد للشاعر شوقي عبد الأمير أيضا يمكن دراسته نقديا على وفق التحليل السير ذاتي ,إلا أننا درسناه في الفصل السابق دراسة نقدية تحليلية فرضت على الباحث بحسب الخطة العلمية الموضوعة ، وعرضنا بشيء من التفصيل لرواية السيرة الذاتية ,في المبحث الأول ,وسوف نحلل كتاب إمضاءات للكاتب ,والشاعر شوقي عبد الأمير في المبحث الثاني من هذا الفصل ؛ نظراً للإشكالية التي تحدثها رواية السيرة الذاتية من خلال علاقتها الجدلية مع الواقع من جهة ,والخيال من جهة ثانية” حيث تناول كتاب الشاعر شوقي من ناحية عتبة العنوان ، والمكان،والزمن، الخلفي والخارجي والداخلي..وهي من الدراسات المهمة التي تتناول كل علامة تدل على النص تحليلا وتفكيكا وإظهار خفاياه ومخبوءاته ، كمفاتيح لاستكشاف بنيتها الدلالية، وكشف صورها وأصواتها وإشاراتها الدلالية.
يتحدث شوقي عبد الأميرعن الزمكان الماضي ,والحاضر لديه فنراه يقول :”وقدم في هور الحمار جنوب الجنوب , جنوب العراق هناك حيث تجفف دماء ومياه حضارة لتموت القرى الآهلة بطفولة البشرية مثل السلاحف بعيدا عن البحيرات , هناك حيث يحترق النخل والقصب والبشر في مطهر عرقي 00 جريمة تتسع لبركة الحاضر العربي ,كل هذا يحدث في نزهة عصرية تكنولوجية لإنسان العولمة الجديد الخارج من كهف البربرية 00 كائن طوطم مدجج بالضوء والذرة يجرب تمرين الإبادة الحية تحت الأضواء وأمام الشاشات لشعب بكامله يسقط مثل غصن ميت من شجرة العالم”
وتناول الباحث احد أعمدة الحداثة في القصيدة الشعرية في المدينة وهو الشاعر الدكتور مسلم الطعان في ( التنويعات الأسلوبية في شعر مسلم الطعان) .. وقد أشار الباحث إلى أن الشاعر مسلم الطعان هو الآخر لم ينل الاهتمام النقدي الأكاديمي الذي يتناسب مع حجم إبداعه.حيث تناول الباحث ” التنويعات الأسلوبية الحداثية في شعره ومنها : العنوان ,والمقاربة التأويلية لقصيدة الشخصية,ومسرحة القصيدة , وقصيدة السيرة الذاتية , وتقنية الحوار , و المونتاج الشعري. وكان نصيب الفصل الثالث لموضوعة التناص في شعره , إذ تناولنا في المبحث الأول البعد التنظيري للتناص , والمبحث الثاني أنواع التناص , وكان المبحث الثالث قوانين التناص” تطرق في الفصل الأول قصيدة الومضة او القصيدة القصيرة، موضحا سمات هذه القصيدة لدى مسلم الطعان، التفرد والخصوصية. يقول الباحث ” تدخل قصائد الشاعر( مسلم الطعان) فضاء قصيدة الومضة , وهي تحاول التخلص من الإرث الثقيل لهيمنة ,الأنا الشاعرة ,وتراكماتها , وأزماتها , وتتقدم على نحو أكثر عمقا وصفاء وصيرورة ,وخصبا, بعد أن بددت الكثير من ممكناتها من خلال ظهورها المستلب في الحقل الشعري ,الأنا الشاعرة بأنموذجها التقليدي المهيمن” فنراه يقول : رتقنا جرح أحلامنا / وكان التمرد الغبي/ ينسحب /أمام جيوش البكاء /البكاء/البكاء الذي زرعته ضحكات الليل”
ويقول الباحث: “كلما ازدادت كثافة الإزاحة في السطر سجل السطر الواحد نقطة شعرية وكلما ازدادت السطور الشعرية ازدادت القيمة الفنية للقصيدة فإذا كان لدينا عشرون سطراً ,وكل سطر يضمر نقطة شعرية فهذا يعني- فنيا- القصيدة وصلت إلى ذروة الإبداع الشعري والعكس صحيح , وكل هذه السلسلة التـــي تؤدي إلى الإبــــــــداع الشعري مرتبطة بالإزاحة ,والمصطلح النقدي المتداول في عالمنا العربي بكثرة, وحتى الآن ليس هناك سند معرفي متين يشير إلى أن مبدأ الإزاحة هو وحده فقط المسؤول عن شعرية النص على الرغم من أنه العنصر الأساس في العملية الشعرية, فنراه يقول :- “هناك هناك /هناك رغيف يقتسم /من بين صغار /حفروا فوق الخدين /سواق من دمع منحدر /من طوفان /ضفرته اكف الأنين/من الشمس /هناك رغيف يبكي”
“تكاد تكون القصيدة كلها عاجه بالإزاحات التي أضفت على هذا النص توتراً, وغموضاً هذا النص عبارة عن كسر للمعنى الســــــــــائد وهو أكثر قرباً إلى التشفير”ويبين الباحث أهمية العنوان في ديوان ( جنوب المراثي) لمسلم الطعان: “عد العنوان من أهم عناصر النص الموازي وملحقاته الداخلية؛ نظرا لكونه مدخلا أساسيا في قراءة الإبداع الأدبي, والتخييلي بصفة عامة، والقصصي بصفة خاصة, ومن المعلوم كذلك أن العنوان هو عتبة النص وبدايته، وإشارته الأولى, وهو العلامة التي تطبع الكتاب أو النص, وتسميه, وتميزه عن غيره, وهو كذلك من العناصر المجاورة والمحيطة بالنص الرئيس إلى جانب الحواشي,والهوامش, والمقدمات والمقتبسات والأدلة الأيقونية”كما تطرق إلى مسرحة القصيدة في ديوان ( مسافات الماء وجرار المعنى )للشاعر مسلم الطعان قائلا : “إن الشاعر الحديث ( مسلم الطعان) يهدف إلی أن تکون قصيدته إبداعاً بکراً ,و من ثم فهو شديد الحرص علی أن ينظر إلی الوجود من زاوية لم يسبق لأحدٍ قبله أن ينظر إليه منها، وأن يعالج هذه الرؤية الخاصة بطريقة فنية متفردة , في داخل نصه الشعري يبني مسرحا جماليا متخيلا, وعلى الجمهور أن يكتشف لعبته الدرامية , وشخوص مسرحه الخاص هذا , هي ليست شخوص المسرح التقليدي, بل هي قصائده بصورها ,ولغتها ,ومعانيها , ويبقى الشاعر هو مؤلف النص, ومنتجه ومخرجه ,والمحرك الوحيد لخيوط مسافاته”
وتناول الباحث القدير الأستاذ الدكتور مصطفى لطيف عارف إلى الحداثة في شعر حيدر عبد الخضر قائلا : ” الشاعر حيدر عبد الخضر انه من الشعراء الذين أهملوا تجاربهم الشعرية ,ومشروعهم الشخصي ..بسبب انشغاله باهتمامات ثقافية ,وأدبية ,ونقابية فضلا عن ذلك مشاريع وطنية وإنسانية ..لأنه يرى بأن دور المثقف والأدب مهم وجوهري في تبني قضايا وطنية وإنسانية ,وهي بنظره أهم من المشروع الذاتي والشخصي لان المثقف صوت الأمة وضمير الشعب ..فما قيمة إصداراته لسبعة دواوين مثلا دون أن يدافع عن الرسالة الجوهرية والحقيقية لدور المثقف في مواجهة الفساد والتطرف والكراهية والطائفية والخراب..وما دوره كمثقف عندما يتحدث عن الفساد وهدر المال العام وهو يشارك في هذا الفساد عبر مهرجانات فاشلة ولا تقدم شيئا للوطن والشعب وتنفق عليها عشرات الملايين وقد تصل سنويا لمليارات…لذلك كانت هذه إحدى الأسباب التي جعلته يبتعد عن الإعلام ويقاطع المهرجانات لسنوات عديدة ولا يشارك في الوفود الرسمية خارج العراق .. وهذا شي نعتز به ..لأنه يعكس دوره كمثقف عضوي وتنويري يؤمن برسالته الوطنية والإنسانية بعيدا عن الاستعراض وعقد وفو بيات الأمراض الثقافية المزمنة”
وقد جاء في العتبات النصية في المجموعة الشعرية “ما غادَرَهُ الموجُ وأطفأهُ الهديل” للشاعر حيدر عبد الخضر: ” العتبات المكونة للغلاف الأمامي اللوحة هي الشكل الخارجي الأكبر لهذه العتبة/ اللوحة إذ تبين إشكالا صغرى لتكون بذلك شبكة سيميائية تستطيع الإحاطة بالمنجز الذي تغلفه. يحتوي غلاف المجموعة الشعرية أو المدونة “ما غادره الموجُ وإطفأهُ الهديل” على اسم المؤلف “حيدر عبد الخضر” في أسفل الصفحة بخط أسود متوسط الحجم، وعنوان الديوان الذي يتمركز فوقه بخط أسود غليظ بحجم كبير بارز، اما الحيز الباقي والأكبر من الغلاف فتشغلهُ لوحة تشكيلية، يبرز فيها اللون الأصفر فكأنما لوحة الغلاف توحي لنا بأشياء تراثية، من خلال النظر إلى المثلثات المختلفة في الألوان الذي يعبر فيها عن تراب الوطن.إما الألوان السائلة والمتساقطة الواحدة تلو الأخرى، فكأنما ما يصور لنا الشاعر دماء الشهداء (شهداء الوطن من الثورة) وهذه الدماء تسيل من كل جانب لما يعيشهُ الوطن من ألم وعذاب وموت.”
وجاء كتاب الباحث الرابع بعنوان ” الحداثة في شعر حيدر عبد الخضر” ومما لا شك فيه أن الشاعر حيدر عبد الخضر من الشعراء الباحثين عن التجدد ومغايرة المألوف في نصوصه الشعرية التي يزاوج فيها بين شعر التفعيلة وقصيدة النثر، فهو يميل إلى البناء الشعري الموزون بروح نثرية متماسكة في خطابها ومضمونها وانساقاها البنائية التي تنحو باتجاه الحداثة.
ومن خلال تتبع الباحث نصوص (العتبات النصية) في المجموعة الشعرية للشاعر (حيدر عبد الخضر) خلصت الدراسة إلى نتائج أمكن حصرها: “إن النصوص الشعرية للشاعر هي عبارة عن نسيج للقول وتسلسل الجمل التي تتعلق فيما بينها لتخلق عملاً أدبيا.وان النص و عبارة عن بنية دلالية تنتجها ذات ضمن بنية نصية منتجة، من أهم العتبات التي تستبيح الأثر الأدبي وتحيط به: اسم الكاتب والعنوان والمقدمة والصيغ الايقونية من رسوم وألوان، لذلك يعد اسم المؤلف من بين العناصر المهمة فلا يمكن تجاهله لأنه يثبت هوية العمل للكاتب بإعطائه اسمه، فضلا عن انه يعكس سيرة صاحبه، إما صفحة الغلاف بأنها أول عتبة يتلقاها القارئ من خلال اتصاله بها تنشأ علاقة بينه وبين النص مما يجذبه للقراءة وكشف مكوناته وذلك ما لاحظناه في غلاف الديوان.”
كما تناول الباحث الحداثة الشعرية في المجموعة الشعرية(جسد تعثر بالندى) للشاعر حيدر عبد الخضر قائلا : ” نجد الشاعر حيدر عبد الخضر ,يذكر لنا نصا قصيرا من نصوصه الشعرية , ويعبر عن وجهة نظره ,فنراه يقول :- لكل من كتموا/.. نزيف الاغتراب/باق/على هذا الأديم”
“هل في هذه العبارة غلاف ميثولوجي؟ وهل هي مؤطرة دينيا؟ لنفهم بالضبط ماذا يعني بالنسبة لكِ أن تكون العبارة الشعرية عارية إنني أشعر أن الأعماق هي في الواقع أكثر أشكال العري تجسدا ولكنها تلتحف بالضرورة بعتماتها هل التعري هو كشف الظاهر أم كشف الباطن؟ وإذا كان لي أن أعشق الأرض فذلك يعني أنني أقودها إلى تلك العتمات إذ أستطيع أن أضيء بها فأراني كما أنا, ولكن بالطبع هناك الجسد, وتلك محاورة في أوائل الألف باء وهو مسبار يمكن أن يحلق بعيدا عاليا عندما تتقد فيه كل مباضع اللهب التي هي مصادر الطاقة والإشعاع الروحي آتية منه”.
في المجموعة الشعرية(جسد تعثر بالندى) للشاعر حيدر عبد الخضر، تطرق الباحث الى نص الحداثة الشعري في عنوان المجموعة : ” يشتمل على علامات سيميائية متعددة تفضي إلى دلالات خارجية تكشف عنها بنيتها السطحية التي تحيل على البنيات العميقة التي تتمثل بالعالم الدلالي الذي يحيل عليه المبدع , ويكشف النص عن فضائيين دلاليين مهمين أولهما يحيل على الفضاء الزماني , (الندى ), والآخر يحيل على الفضاء المكاني ,(تعثر) , وبعد الفضاء الأول , والثاني يبدأ حرف الجر الباء , ليربط بين العالمين ربطا مبهما (بالندى) , ومن هنا يبدأ الفضول يتسلل إلى المتلقي إلى قراءة (جسد يتعثر بالندى) الذي تركه المبدع نكرة قد فعلت فعلها في المتلقي , إذ أحالته على كل جنس فضاء زماني متسع الآفاق , يحيل على الحلم , والأساس , والأصالة عاشها (حيدر عبد الخضر) في حياته”
ويقول الباحث : “كلما ازدادت كثافة الإزاحة في السطر سجل السطر الواحد نقطة شعرية وكلما ازدادت السطور الشعرية ازدادت القيمة الفنية للقصيدة فإذا كان لدينا عشرون سطراً ,وكل سطر يضمر نقطة شعرية فهذا يعني- فنيا- القصيدة وصلت إلى ذروة الإبداع الشعري والعكس صحيح , وكل هذه السلسلة التـــي تؤدي إلى الإبــــــــداع الشعري مرتبطة بالإزاحة ..ومن ذلك ما نجده مجسدا عند شاعرنا حيدر عبد الخضر ,فنراه يقول :- خلف السراب ./يكفي بأن الأرض/تقطف من دمي/أسرارها/ومواكب الشهداء/تبدأ من/قبابي/يكفي بأن البعض/حين تساءلوا/ما طينتي ..! ؟/سقطوا ولم يصلوا/ لبابي.”
ويقول الباحث في قصيدة الومضة : “هي قصيدة التجربة المُتخمّرة, والذات الناضجة قصيدة الدهشة التي تخبّئ بين كلماتها القليلة الكثير من طاقاتها وكلّما قراناها ازددنا دهشة لأنها القصيدة الدائمة الإنتاج والمتحركة والقابلة لأيّ زمان تتولد من ذاتها ,وتحقق الاستفزاز الذهني ,والاستنفار العقلي لدى المتلقي ولهذا أطلقت عليها مجازا لقب القصيدة الحيّة ,ومن ذلك ما يذكره شاعرنا حيدر عبد الخضر , فنراه يقول :- الكل يجهل ما يرى / الريح تعزف/ موتها/ والروح حاصرها/ الثرى/ فأذابها شمع/ الهواجس .. والظنون.”
إن ما قدمه الأديب الناقد والقاص والباحث الأستاذ الدكتور مصطفى لطيف عارف إلى المكتبة الأدبية والبحثية من خلال إصداره المشار إليه وإصداراته الأخرى المتعددة هو في الحقيقة إضافات عملية وإجرائية وبحثية ونقدية وتوثيقية تساهم في خلود النصوص في ذاكرة التاريخ الثقافي إذ لولا هذه البحوث لتعاقبت عليها الأجيال وعلا وجوهها غبار النسيان، لقلة الاهتمام بها وما يتناولها إلا من شغفته الكلمة الرائدة المتألقة المضيئة . والثقافة المتجددة .



