أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

أ.د نجيب عثمان أيوب يكتب ماسبيرو نهر الضمير الرابض على شاطئ نيل مصر

منذ ستينيات القرن الماضي وتحديدا في الحادي والعشرين من شهر يوليو سنة ١٩٦٠م، ومبنى مسبيرو واقفٌ وقفةَ الرابضِ الذي يحرس الوطن في دخيلة مواطنيه، ويبث نهرا في خَلَدهم من الولاء والانتماء الوطني والقومي والإنساني، تماما كما يُجري النيل فيضه من ماء الحياة في شرايين المصريين وفي أراضيهم، يبث مسبيرو فيضه المتدفق في ضمائرهم الوجدانية والعقلية والروحية.
فلم يكن مسبيرو مجرد برج خرساني ذي إمكانات إلكترونية يبث الموجات الإذاعية والتلفزيونية، بل كان مهندسا رسم لوحة الوجدان المصري والعربي والإسلامي، بصيغة إنسانية غاية في الدقة والمهارة التي أنتجت الشخصية المصرية بأبعادعا المتعددة والمتنوعة (النفسية، والسياسية، والدينية، والتاريخية، والفنية، والأدبية، والثقافية…إلخ).
فنفسيا: كان ماسبيرو صانعا ماهرا لترسيخ الأمان الفكري في نفسية المصري، وكرس بذلك الثبات الوجداني والانفعالي في أحلك الظروف التي مر بها التاريخ المصري الحديث والمعاصر، وبأساليب فنية واقعية ومعيارية معاصرة حديثة ودقيقة، ما بين صوت السلام الوطني وأناشيده، وأخبار البلاد وأصوت الضراعة والدعوات في تواشيح الفجر، إلى صوت الشيخ رفعت قبيل غروب الشمس، وتِترات البرامج الإذاعية والمسلسلات، ليخلق حالة من الترابط الجمعي ويجعل المواطن يشعر بأنه جزء من نسيج قيِّمٍ ومتين تربطه لحمة الروح والفكر والتاريخ.

أما سياسيا: فلم يكن مجرد ناقلا لأخبار الوطن فحسب، بل كان مصمما للرأي العام وموجها وحاميا له من كل ميل أو زلل، فقد كان لسان الوطن الجمعي ودرعها الواقي في أحلك اللحظات منذ البيانات الأولى لأخطر أحداث الوطن وأخبار حروبها الدفاعية ومواقفها العربية والإسلامية والأفريقية، ليضع جسور التواصل من دوائرنا العربية والإسلامية والإقليمية والدولية، وليرسم صورة ذهنية رصينة لمصر وللمصريين محليا ودوليا.
أما دينيا: فقد نثر بذور التسامح والفكر الوسطي من خلال موجات إذاعة القرآن الكريم، ومتخللات موجات الإذاعات الأخرى، فقدم الإسلام في صورته الحقيقية البعيدة عن الغلو والإفراط كذا البعيدة عن التهاون والتفريط، ولا تزال نبرات برامج رأي الدين والدين والحياة وحديث الروح وأصوات الشيخ عبدالحليم محمود، والشعراوي ومطفى محمود وعطية صقر وجاد الحق، ونقل صلاة الجمع وقُدَّاس الآحاد، وتكبيرات الأعياد وتلبيات الحجيج، هي المكون الذهني الوجداني لروح المصريين المتسامية إلى عنان سماوات الإيمان.
أما تاريخيًا: فقد بات ماسبيروا أرشيفا تاريخيا لذاكرة الأمة التاريخية سمعيا وبصريا، فقد اختفظ ماسبيرو بجُل أحداثنا التاريخية من خُطب القادة وصور المعارك المصيرية، بل أنتج للتاريخ وأخرج له دراميا، ما يحول دون تزييفه والعبث به، لقد صار مسبيرو مع مرور الوقت متحفا لتاريخ أجيال تعاقبت من المصريين، لتبقى شخصية مصر الوطنية مسافرةً عبر أجيال أبنائها المتعاقبة، ثابتة لا تتزحزح ولم تبرح مكانها…
أما فنيا: فكان السر وراء تسمية القاهرة ب(عاصمة الإبداع) هو ما أفرزه بث مسبيرو من خلال قطاع الإنتاج واستديوهات صوت الموسيقى ودراما السينما والمسلسلات، والمسرحيات الكوميدية والتراجيدية، التي شكلت الذوق الفني العام والراقي، من خلال الأعمال الدرامية الكلاسيكية الهادفة، ومن خلال أقطاب أصوات الفن الراقية كأم كلثوم وعبدالوهاب وفريد وحليم…. وبعيدا عن صخب الأصوات والأداءات العشوائية الشاذة والناشذة.
أما أدبيا: فظل ماسبيرو وما زال جسرا بين النُخب والجماهير، ففتح أبوابه للأدباء والمفكرين وعرض الروايات والقصص في صور درامية شهية، ووَصَلها إلى أعماق الريف والنجوع، فاخترق بها كل بيت مصري بل عربي، فحَوَّل أعمال محفوظ والحكيم وإدريس وبكاثير إلى دراما مسموعة ومرئية، ليقيم ما أستطيع تسميته ب(الديمقراطية الثقافية) لدرجة جعلت المواطن العادي يتعاطى مع مضامين أعمال الروائيين ويناقش أشعار شوقي وحافظ ورامي والمتنبي بل والخيام وأبي العلاء، وما يلفها من قضايا أدبية غاية في التركيب.
أماثقافيًا: فكان له دوره المهم في المواءمة بين الطموح التحديثي المستنير، وأصالة الحفاظ على الأصل المؤسس لهويتنا (المصرية/العربية/الإسلامية) من خلال برامجه الحوارية التي أُتحيت أمام كافة التيارات المشكلة للخريطة (الجيوثقافية) للمجتمع المصري، فصنع بذلك (رمانة ميزان ثقافية) تلفظ الظلامية والتعصب الأعمى، في الوقت الذي تأبى فيه التفسخ والتماهي في تيارات التغريب والإلحاد والهدم الأخلاقي، الذي يطعن في أصولنا وثوابتنا المؤسسة لهويتنا الوطنية والقومية والإسلامية.
لذا أستطيع أن أقول: إن مسبيرو لم يكن مجرد كيانٍ خرساني مزود يآليات البث الإلكتروني الذكية رقميا فحسب، بل هو نهر يروي العقل والوجدان المصري والعربي، كما يروي النيل ظمأ المصريين وأراضيهم، وسيظل هذا البطل نهرا فياضا ينضح بالحكمة والتفوق والتماسك والريادة لهذا الشعب، ويستلهم تاريخ مصر ويستوحي من نور روحانياتها، ما يكود زادا لهم يُنير حياتهم ويحدثها لاستقبال عصر الذكاء الاصطناعي والأداءات الرقمية والهندسة الوراثية وفيزيا الكم….، في عالم سيعيش فيه من يمتلك تلابيب هذه العلوم من مواقع في الفضاء.
*********
أدام الله بلادنا في خير وسلام وعلى هدى ورشاد.
أ.د نجيب عثمان أيوب.
جامعة العاصمة.
(حلوان سابقا)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى