د. سلوان إبراهيم تكتب شيء من الذاكرة… الإنسان ما وراء السياسة

هذا استهلال…
أقول: كانت الكتابة قاسمةً للتاريخ… ما قبلها: (قبل التاريخ)، وما بعدها (تاريخ)…
وقد كانت هذه الفكرة قابعة في ذاكرة بعيدة من عقلي، إلى أن رأيتُ آثار عين غزال. عين غزال احتوت آثار مجتمع قروي عاش قبل ما يقارب مئة قرن من هذا الزمن، مجتمع عرف طوب البناء، والمناجل والمعاول والإبر والخياطة وآليات الدفن والمقابر، مجتمع عرف الفنون ليصنع تماثيله مزدوجة ومنفردة الرؤوس، وليصنع أدوات فخارية وعظمية… و(لمّا لم تكن هناك أيّة مخطوطات، فلا نعرف المعتقدات الروحية لذلك المجتمع…)
الكتابة صنعت التاريخ، وكان ما سيصبح تاريخًا يُنقل قبلها عبر القص، فيضيف كلّ قاصٍّ شيئًا، لتصلنا الحكاية مزخرفةً، مرتديةً عباءةً حملت من كلّ عصرٍ غرزة. ثمّ يأتي (تاريخيٌّ) ليدوّنها لنا فتصبح (مسطورة).
المذكرّات هي قصة يدوّنها (تاريخيٌّ) عن نفسه، فيحرّك قلمه ليرسم لنا ما رأته عدساته وعالجته أفكاره. ليست موضوعيّةً، إذًا؟ وهل كان التّاريخ المكتوب يومًا موضوعيًّا؟ أقول: البلاد بلادنا، والحكايات لنا، نفعل بها ما نشاء!

(شيء من الذاكرة) مدونة جمع فيها المهندس محمود القاضي صورًا من حياته عبر سبعين سنة، من 1923 إلى 1993.
مدونة في 324 صفحة، صدرت عن دار كنعان للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، عام 1995.
كان (القاضي) شاميًّا… وقد خفت أن أقول (سوريًّا) فيظنّ بها تلك الحدود الّتي رسمها الاستعمار…
ربّما مثلي أنا: فلسطينيّة الاسم والأصل، دمشقيّة الميلاد، وعمّانيّة الهوى… كان (القاضي) فلسطينيّ الميلاد والوفاء والنّشأة، أردنيّ الوثيقة والبصمة، دمشقيّ الهوى… فجمع الشام في قلبه، ووثقها في كتابه.
نتابع رحلة تبدأ بالميلاد في قرية صوريف؛ المدرسة الابتدائيّة في القرية، الإعدادية في مدينة الخليل، والحرمان من الثانوية في القدس لأن عمره (أكبر من اللازم). يصبح معلّما، ثمّ موظّفًا في دائرة التموين، ثم نكبة، فزواج، فاعتقالٌ تكرّر أربع مرّات… وكالة الغوث للاجئين، مؤتمراتٌ وشبيبةٌ وانتخاباتٌ مزوّرة، وأحكامٌ عرفيّةٌ وهروب…
إلى دمشق، فبغداد، فبيروت… إلى ألمانيا، وشهادة جامعية في الأربعين، ثم عودة إلى دمشق… فاليمن، فالسودان، وبعد إبعاد دام ثلاثًا وثلاثين سنة يزور صوريف مرة أخرى.
عبر رحلاته (البطوطية)، نستمع إلى قصص يمرّ عليها مرور الكرام، وأخرى نبتسم لها، وكثيراتٌ أخريات تؤلمنا لواقع عاشه مناضلٌ آمن بفكرة، دفعه رفاقها مرارًا لكظم غيظه والشدّ على أسنانه، والصبر! فيكون حالي -ككائن ولد بعد (القاضي) باثنين وستين عاما- متسائلًا إذا ما كنت لأخوض الرحلة مثله… بل، كنت، ربّما، سأهجر كلّ شيء لأقول: للبيت رب يحميه!
****
في مهمتي للبحث عن الإنسان، لقراءة القصة ما خلف القصة، وجدتُ أوّل ما وجدت:
محمود الإنسان:
منذ الصفحات الأولى، تظهر لنا ملامح اللا-كمال في هذه النصوص؛ ففي مقدمة كتابه يعبّر (القاضي) عن تردّده في بدء الكتابة؛ هو على حد تعبيره كان واحدًا من شعبٍ ولم يكن زعيمًا… يقنع نفسه:
“أقول في نفسي، إنما هي تجربة!” ص 5
ثم في الورقة التالية، نستشعر ألمًا وضيق حال، يصفه كحالة من ندم، فيقول:
“إنّ ما أنا نادمٌ عليه حقًّا، هو إقدامي على مغادرة وطني إبّان أزمة 1957…”
“ما أسوأ أن يكون الإنسان لاجئًا سياسيًّا.”
إن اللجوء السياسي في كتب التاريخ موقف، لكننا هنا نراه بعين صاحبه ندمًا ووحدة وضيقًا.
في ص9، نراه طفلًا في السابعة، أقصى ما يتمنّاه في رحلته إلى المدينة حافي القدمين، رغيف فينو وحلاوة.
ثم نراه خائفًا، غير قادرٍ على النوم، في أوّل رحلةٍ له في الطائرة. ص74
ونراه خجٍلًا وهو يراقص فتاةً لأوّل مرة. ص84
ونراه في الغربة متعلّقًا برسالة تصله من الأهل والأصحاب.
ونراه عاملًا،
ونراه طالبًا يستصعب اللغة والدراسة،
ونراه معجبًا بفتاةٍ تبيّن أنّها نزيلة مستشفىً للأمراض النفسية.
****
الإنسان من ال

مجتمع:
وجدتني أنغمس في وصف القرية وأهلها، في لباسهم، ومعتقداتهم، وعاداتهم…
بداية، في فصل (النشأة)، يصف لنا تعلق الفتيات بالجمّال، فيضع أمامنا أغنية (الدحروجة) موضحة رفض الراعي والحراث، ثم قبول الجمّال زوجًا.
وعبر رحلته التعليمية نتعرف على نظام التعليم في بدايات الانتداب البريطاني؛ القرية مدرستها للصف الرابع، والطلاب يعلّم بعضهم بعضًا… والمدرسة في الخليل للصف العاشر… أما الثانوية في القدس، فترفض طالبًا تجاوز عمره السابعة عشرة.
وعن الفقر…
يطلب رجلٌ ثمن كفنه وهو حيّ، ليبيعه… ص24
ويقبل أهل القرية على تعليم البنات، لا حبًّا في التعليم، بل للحصول على وجبة طعام مجانية. ص110
وفي الترابط بين أهالي القرية…
لم يُقِم (القاضي) حفل زفافه حدادًا على اثنين قُتلا على يد الإسرائيليين.
ونراه أيضًا، أي الترابط، عندما عاد (القاضي) بعد 33 سنة، فهبّ كل من في القرية، والقرى المجاورة، للاحتفال بعودته وإقامة الولائم.
لكنّ المجتمع الذي يضمّ أبناءه إليه بهذا الدفء، يعرف أيضًا كيف يدفع بعضهم إلى خارجه، ونرى هذا الإقصاء بصورٍ متعدّدة:
عن نبذ الفلاح:
حتى يثبت محمود القاضي استحقاقه للالتحاق بالمدرسة الثانوية في القدس، ثم ليُعيّن معلّمًا، يستعير بذّة ابن عمه، ويخلع القمباز والكوفيّة.
“إذ ربما لولا بذّته، لما تعينت معلّمًا.” ص14
والمعلم في الخليل الذي اعتبر وجود أبناء الريف في فصله أمرًا مزعجًا:
“لماذا تواصلون التعليم أنتم أبناء الفلاحين؟” ص16
ثم نراه يُرفض كعريسٍ محتملٍ رغم أنّه موظّفٌ مرموق، براتبٍ ممتاز، لأنّه ببساطة: ابن القرية.
“لأنني ابن الريف تصورتني وكأنني كلب ضلّ طريقه، ووقع بين مجموعة كلاب أخذت جميعها تنهشه.” ص18
ليس الإقصاء مختصًّا بأهل الريف فقط… نستمع أيضًا لعرار يتحدث عن (الصعاليك) أي النوَر، الذي لطالما قُرّع لعلاقته بهم، يخبرنا كيف باع “صعلوك رتبته هامل” حماره، ليسد فاتورة الهاتف لعرار:
“الهبر مثلي ثم مثلك أردني التابعية.” ص29
ونرى رفض الآشوري تأجير مسلم، فيدعو محمود نفسه ميشيل، ليسكن غرفةً لدى عائلةٍ آشورية في بغداد. ص176
ولم نتوقف عند الأصول والدين، بل تجاوزناها إلى الانتماءات السياسية، فتُطرد الزوجة والأبناء من البيت، رغم تسديد الأجر، لأنّ الزوج قد يكون ضد عبد الناصر. ص175
وضاقت دائرة الإقصاء إلى أن استحكمت حلقاتها… ولم تفرج؛ فأبناء الحزب الواحد، المناضلون، الذين بذلوا الغالي والنفيس، يُنبذون لتبنيهم آراء تقارب بكين بدلًا من موسكو. ص223
****
في الكتاب، أيضًا، مشاهد الإنسانية الأكثر بشاعة، من الفساد، واستغلال السلطة، ولعق الأحذية… وأكثرها بشاعة -بالنسبة لي- كانت قدرتنا الهائلة على التنظير:
“لماذا لم تعمل مظاهرة في المجلس… في مثل هذه المواقف، يثبت الإنسان الشيوعي نفسه!” ص72
“كمان إنت جيت؟ أنا بعتبر كل واحد خرج من الأردن بدون قرار حزبي جبان وهارب!” ص160، رغم التهديد الذي كان يلاحقهم إذا بقوا في البلاد.
“غضب جدًّا لتصرّفي الفرديّ ومجيئي إلى ألمانيا بدون رأي الحزب…” ص190، رغم تخلّي الحزب عنهم في بيروت، ليتصارعوا مع الجرذان على لحم آذانهم.
فما أسهل البطولة حين يكون جسدٌ آخر هو المطالب بإثباتها.
****
أصل هنا، في الحقيقة، لأكثر ما أحبه في القصص عامة: رؤية الخير خلف الشر:
يصرف محمود -وهو الآن موظف في التموين- بطاقة مؤن لـ25 شخصًا، لعائلة مكونة من ستة أشخاص… فعلٌ خاطئ…؟
(طلب ربّاع)، سجينٌ أفرج عنه، يخرج ليجد أبناءه جوعى، فيذهب إلى مكتب المؤن:
“إما أن تجد لي وسيلة شريفة أطعم من خلالها أولادي، أو سأعود للتشليح من جديد!” ص25
استشهد (ربّاع) في معركة كفار عتسيون في 1948.
ومرّةً أخرى، يثبّت محمود، وهو موظف في وكالة الغوث، “كم نفر زيادة” على بطاقة واحدٍ كان من أكبر ملاكي الأراضي قبل الـ48، بات يعيش في قبوٍ مع أسرته، على حصيرة. ص61
في مشهدٍ آخر، يصبح الجلاد أرقّ قليلًا… خلال محاكمة عبد الكريم، نرى القاضي، وهنا أقصد الوظيفة القضائية لا كاتبنا، يخرج من جيبه عشرة دنانير:
“صحيح يا ابني، أنا عبد مأمور… خذ عشرة دنانير، كل ما في جيبي لتصرف منها في السجن” ص59
ويعتذر العقيد الذي اعتقل محمودًا بدلًا من ابن عمه، ص59، ومدير السجن يستدعيه كل يوم ليتحدث معه، ص 122، ويحضر الضابط (طنجرة محاشي) للمساجين في الجفر، ص135.
والخير، أيضًا، حين لا نتوقعه:
صاحب البوفيه في القطار “أنا المعلم صبرة، آخد فلوس؟ مش عيب علي؟” ص100
ونساء الخيمة من بني عباد، اللاتي يستضفن الغرباء، ويطبخن لهم، رغم إدراك الصغيرة أن هؤلاء الغرباء يهربون من شيء…
“اصحوا تكونوا من هاذول الشيوعية!” ص151
****
(شيء من الذاكرة) كتاب جمع ما قد يصلح ليكون مادة دسمة لروايات كثيرة، ولكني أتوقف هنا عند جملتين قد أستخدمهما يومًا في كتاباتي:
“كلكوا بدوا تصيروا وزرا، ما فيكو واحد يطلع أبو زنزوعة؟” ص138
“المباحث مسألة أزلية منذ بدء الخليقة” ص220
****
د. سلوان إبراهيم
الثامن من آب، 2026



