رواية “بـينَ الجسرِ والجرس” لميمونة الشيشاني..
من وجع الحقيقة إلى دفء الرواية

عمّان – أوبرا مصر
تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة “بـينَ الجسرِ والجرس”، بصفحةٍ عنونتها بـ”أخيرًا”، تخرج فيها من صوت الراوية “آلاء” إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى -كما تصف نفسها- بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفرديّ والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُنِي أساس الرواية على قصتها الحقيقية مع المرض.
وجاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتقدم خلالها سردًا ذاتيًّا حميمًا بضمير المتكلم، هو في جوهره “رواية شهادة”: نصٌّ متخيَّلٌ ينهض على تجربةٍ إنسانيةٍ واقعية، خضعت، كما ورد في صفحة “تنويه” في افتتاح الكتاب، لمعالجةٍ فنيةٍ وتخيُّيلٍ روائيّ يخدمان السياق الأدبي للعمل.
وتروي «آلاء»، بطلة العمل وراويته، رحلتها مع سرطان الثدي منذ لحظة الاشتباه الأولى في الفحص الإشعاعي، مرورًا بالخزعة والتشخيص، فالعمليات الجراحية والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني والبيولوجي، وصولًا إلى إعلانها «ناجية» بعد سنوات من المتابعة.
وتفتتح الرواية بمشهدٍ مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جهاز المراقبة وإعلان الطبيب ساعة الوفاة، بينما تشعر روحها بانفصالٍ خفيفٍ عن جسدها. هذا المشهد الاستهلالي – الذي يتكشَّف لاحقًا أنه رؤيا منامية لا واقعة فعلية – يمنح الرواية إطارًا دائريًّا؛ إذ يعود صداه في فصلٍ متأخر بعنوان «موتٌ زائف»، قبل أن تُغلَق الدائرة بمشهدَي «قرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل.
ويشكّل الفضاء الرقمي – حسابات فيسبوك وسناب شات وإكس – مسرحًا فرعيًّا للرواية؛ إذ توثّق آلاء تفاصيل رحلتها بمنشوراتٍ وصورٍ وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية إلى مساحة تضامنٍ افتراضيٍّ مع ناجياتٍ أخريات ومتابعين من بلدانٍ عدة، وتصبح الكتابة على «الجدار» امتدادًا لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل.
وفي أجواء الرواية نقرأ النص الآتي: “العالمُ هنا تحت قدميَّ؛ تمُّر من تحتي جحافل السَّيارات المتَّجهة إلى حيواتها المختلفة، وأنا أُحلِّق فوقها كغيمةٍ تائهةٍ فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخهِ وثباتهِ على الرغم من سياط البرق التي تخترق جوفي، وسهام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّةً وضعفًا. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطيفي حرٌّ يسبح في فضاءاتٍ لا حدود لها”.
وهو مقطع يكشف جانبًا من اللغة التي تراهن عليها الرواية؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتساع المخيلة، ويصبح المرض، رغم قسوته، نافذة لرؤية العالم من علٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها.
والرواية امتداد لمشروع الشيشاني في الكتابة عن التجربة الإنسانية، لكنها تضع هذه المرة وجع الجسد في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر رغبات الإنسان بداهة وإلحاحًا: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يقرع الجرس معلنًا أنه ما زال هنا.. حيًّا.
ومن الجدير ذكره أن ميمونة الشيشاني وُلدت في مدينة الزَّرقاء، وهي عضو رابطة الكتّاب الأردنيين والاتحاد الدولي للأدباء والشعراء العرب. وصدر لها قبل هذا العمل روايتان هما: «دمعة ذئب» و«كزهر اللي»، إضافة إلى مجموعة كبيرة من القصص الموجَّهة للأطفال.



