هدير الهنداوي تكتب على خُطى الحبيب

رفعت نظارتها الشمسية فكشفت عن عينين مكحلتين بشكل جذاب للغاية، تحاولان تمييز مشهد قرص الشمس الذي يغيب من بين المارة مسرعي الخُطى بينهما .
ابتسمت وهي تفكر في حديثه لها عن الشمس، وأنه لطالما أحب مشاهدة الغروب ..كم تفتقده!
تنهدت، وهي تبتسم، وتتذكر تفاصيله التي طالما عشقتها؛ شغفه بالسفر والترحال، عشقه للعطور، وحديثه الدائم عن الله.
لاحت منها ابتسامة دافئة، سرعان ما اختفت وهي تعيد نظارتها أمام عيناها .
هبطت براحتها اليُمنى على البطن الهرمونية المتدلية، شردت وهي تفكر فيما احتواه هذا التدلي طول أشهر تسعة ثم فقدته بمجرد ميلاده.
قالت لنفسها : يا الله ! كيف يمكن للميلاد أن ينهي ما حيا بيني وبينه لسنوات ؟!
كان يوم لا يُنسى، لم يصبني اكتئاب ما بعد الولادة، ولم أختبر النفاس، فقط وجدت نفسي بعد فقد وليدي ازداد إيمانا وقربا من الله ، بينما ازداد هو تعنتا وغرورا واتهاما لي بأني حتما أهملت وتهاونت ولذلك حرمته ابننا !!!
لم أفكر في الاستعانة بحكم من اهلي ولا من اهله، بل حرصت على الاهتمام به كما كنت سابقا واكثر.
سعدت كثيرا عندما استيقظت يوما على قبلته الدافئة الناعمة، ابتسمت وبادلته الحب بحضن عفوي، وتتبعته حتى باب شقتنا لأودعه قبل أن يذهب إلى العمل .
يمر الوقت بي في ذاك اليوم وانا تحت تأثير قبلته المفاجئة، وسحرها الذي لم يفقد تأثيره عبر السنوات التسع اللواتي عشتهم في كنفه ..كم أعشق هذا الوسيم !
تقترب الساعة من الخامسة ، أندفع الى هاتفي فور سماعي رنينه، أتساءل :
لازال الوقت مبكرا على ميعاد عودته ، لا بأس ربما اشتاق إلي، وانا التي تذوب شوقا لعودته دائما .

أجيب، فأسمع صوتا يأتي عبر الطرف الآخر :
صاحب الموبايل عمل حادثة ونقلناه عالمستشفى …
سقط قلبي على الأرض بين قدمي، ووجدتني أهرع إلى المستشفى التي ذُكرت لي، صعدت سلم الدخول بخطوات ثقيلة ..تغرورق عيناي في بحر من الدموع، وتنحبس الحلق عني فيخرج الحديث مني بصوت محشرج وانا اسال موظفة الاستقبال عما حدث لزوجي .
كانت المرأة كريمة معي؛ فأرشدتني إلى أكثر الممرضات كفاءة والتي صحبتني بدورها إلى غرفته، قالت وهي تربت على كتفي في حنان :
الحمد لله، هو بقى احسن دلوقتي، بس يفضل بلاش كلام كتير.
أتطلع إلى الغرفة التي يتوسطها سرير، ممدد عليه جسد حبيبي، يلتف حوله الأهل وبضع من اصدقائه، يحاول الجميع مواساتي بعبارات طيبة، وأحاول انا أن ألوذ بكف بيده .
أصل إليها فأقبلها، تلقي بي الصدمة في منطقة رمادية؛ بين الثورة والغضب، وبين التأني والصبر، أذكر وصيته:
مهما حدث بيننا، سامحي واغفري، حرري نفسك من شيطان الانتقام وأفكاره الخبيثة، اطمئني وتذكري أني دائما موجود لأجلك .
يعود الجميع من حيث أتوا، واظل وحدي إلى جواره حتى يفيق، يدخل الطبيب للمتابعة، فيطلب من الممرضة البقاء مع المريض ، و يستأذنني للحديث على انفراد.
في مكتب الطبيب، اسمع عبارات المؤازرة، متبوعةً بتوصية شديدة بأن أكن إلى جواره بشكل أكبر في الفترة القادمة، ففي الأمر تضحية كبيرة .
نظر إلي الطبيب، وبطريقة جمعت بين المواساة والحزم قال:
مع الاسف، إنقاذ لحاله، اضطررنا لإجراء جراحة، ولأن الأمر كله بيد الله، فلقد تركت الحادثة أثرا على وضعه كرجل، مع الاسف لن يستطيع الإنجاب بعد الآن.
اعتصر الحزن قلبي، انا لا يهمني ان احمل بطفل منه، يكفيني من العالم اني اشعر بامومتي له، هو ابني وأخي وابي وانيسي ومعشوقي، وأمام الله قبل الجميع هو زوجي.
تمر فترة النقاهة بسلام، يشرف الأطباء على تأهيله وتهيئته، وأشرف انا على مهام الجميع وهم يراعونه.
يحين ميعاد العودة لمنزلها، أجده يصر على المرور سويا من باب شقتنا مثلما فعلنا ليلة زفافنا، يحتضنني بقوة، ثم يحملني لغرفة النوم، يطيل الليل بالنهار في اشتياق اذاب بي كل شيء.
استيقظ فأحد نفسي وحدي، وبجواري وردة حمراء وخطاب يحمل عبارات مكتوبة بخط واضح :
” حبيبتي
لم يكن من السهل عليَّ أن اظلمك مرتين؛ استطعت مسامحة نفسي على المرة الأولى، ولكني .. ياغاليتي لن استطع مسامحة نفسي ابدا على ظلمك ثانية ..
فإذا أراد الله حرماننا ولدنا وتحملتي الم فراقه وحدك، فلن أكن انانيا معكِ – ياجنتي- واحرمك شعورا خلقه الله بك وحرمني منه ..انتي طالق ..
سامحيني ..وادعي الله أن استطع مسامحة نفسي “
تتنهد وتعود لمراقبة المشهد من وراء نظارتها الشمسية، تفكر في سنوات عديدة جعلتها تمر بتسعين ربيعا، وفي تفاصيل مكان شهد بداية حبهما، تزورها رائحته التي لم تخطئها ابدا، فتعرف أن روحه قريبة منها، و تضم إلى صدرها خطابا يحمل آخر كلماته .





